البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

انطباعات من معرض غوغان الاستعاديّ في باريس

الباحث في تاهيتي عن جنة مفقودة وفي نسائها عن معنى الوجود

باريس...

في الذكرى المئوية لغياب بول غوغان يقام معرض فني ضخم في صالات "القصر الكبير" (غران باليه) في باريس يضم أعماله المتنوعة من لوحات ورسوم تخطيطية ومخطوطات ومنحوتات خشبية وصور فوتوغرافية عائدة الى السنوات الخمس الاخيرة من حياته التي أمضاها متنقلا بين تاهيتي وجزر الماركيز بحثا عن الجنة المفقودة او تلك التي أرادها ان تكون في الحلم كما في الواقع.

ولعل أسلوب عرض أعمال الفنان يبلغ أوج غايته لحظة دخول الزائر صالة المعرض اذ يشعر بأنه "قُبض عليه" بلا انذار يمهد لما قد يصيبه من تقلبت داخلية لدى رؤيته اعمال هذا الرسام الملقب بـ"الفنان الملعون" و"المسلوخ حيا". فثمة احساس عميق يتملك الزائر الى حين خروجه من المعرض، وهو احساس غريب بالوقت الذي كأنه يتحول الى كائن دبق بطعم السكر المحروق امام اللوحات التي تتكلم كلها عنه دون سواه، اي عن الوقت وثقل مروره، وعن حزن عميق سببه على الارجح انتفاء الحركة او غياب بركتها. ويذكرنا هذا السكون الصامت في لوحاته بالشاعر ريلكه إذ قال "أحيانا تمر لحظات من التوتر الاقصى، ذلك هو الصمت الحقيقي"، ولا غرابة في ذلك عندما يبدو حيز العرض نفسه كأنه تحت تأثير عالم غوغان السحري الذي يعج بكائنات غير مرئية تزفر صمتا ماكرا وتراقب فيه عن كثب خطوات المتنقل في ارجاء المعرض وانفعالاته.

ولهذا الصمت المستشري في لوحات الفنان صدى غموض النساء التاهيتيات اللواتي هجس بهن الفنان وتعرف من خلالهن الى الحياة في معناها الحسي والمقدس على السواء. وقد يكون ذلك سببا من الاسباب التي تجعل المشاهد كأنه حيال نوع خاص من الايقونات يرتقي فيها الجسد الى اعلى مراتبه كصدى طنان للروح التي يحويها. والناظر الى اولئك النساء اللواتي "ينظرن الى الرجال بنظرات صريحة ومباشرة" في تعبير غوغان، يشعر بمدى تأثر الفنان بالمعتقدات التي آمن بها سكان جزر المارتينيز والتي تعتبر المرأة كائنا حرا يرمز الى الحياة والموت، اي وجها ساطعاً لازدواجية الوجود.

وبسبب هذه الازدواجية التي تكاد تكون صفة ملازمة لأعمال الفنان الاخيرة، يغدو صعبا النظر الى لوحات غوغان من دون رؤية غموض الليل وان في وهج الالوان الاكثر صراخا وتمردا. وليست مبالغة ان قلنا ان لا لوحة في المعرض الا أرخى الليل عليها رطوبة أسرار يلونها الشغف بكل ما هو مستحيل. ونذكر من تلك اللوحات "المرأة والزهور" و"تاهيتيات عاريات على الشاطئ"، الى لوحات اخرى يفوح منها الليل كأنه عطر غيبي يجيء بالنور الى المصابيح المخفية في زوايا اللوحة. ومن تلك اللوحات "قطاف الفاكهة" ولوحة رائعة تحمل اسم "قصائد وحشية" تبدو فيها امرأة ترفع في سكون بالغ العذوبة يدا تحيط بفراغ يسكنه شيء ما غير مرئي وفي منهتى القدسية.

ولليل عيون كثيرة وقصص وفيرة في ذهن بول غوغان وفي لوحاته التي تدور حول تعايش الموت والحياة في شاعرية كبيرة بل في واقعية غريبة. ففي فلك لوحاته الغائمة بدت أشخاصه ونساؤه في شكل خاص، كأنها تعيش تحت سيطرة ليل متواصل وإن في وضح النهار. وفي عودته الى طفولة الانسانية، وضع غوغان المرأة والطفل في خانة واحدة تأكيدا على العلاقة المميزة بينهما، وبين الطبيعة وكنوزها الظاهرة والباطنة، ولم يقف عند اسكان المرأة معظم الاعمال التي أنجزها في السنوات الخمس الاخيرة من حياته بل أظهرها كأنها موطن للأسرار القديمة فقال "أفكار الآلهة تسكن في خيال الاطفال والنساء" وترجم ذلك في لوحات غزيرة نذكر منها لوحة شاهدناها في المعرض واسمها "أرواح المـوتى تسـهر"، وحول هذه اللوحة كتب غوغان لأحـد اصدقـائه رسالـة قال فيها: "الاضـواء الخافـتة الـبادية فـي عتـمة الليل كالنجوم او الحشرات المضـيئة هي بالنسبة الى التاهيتيين أرواح الراحلين التي تسهر على الاحياء. ان في ذلك جوا مـن الرهبة يرتعد لها الناس وخاصة النساء والاطفال". ويذكر غوغان كيف انه وجد صديقته "تيها أمانا" ذات ليلة في خوف شديد على سـريـر من الترقب، ومن تلك الليلة استوحى غوغـان لوحـة استعـان فيـها بالالوان الداكنة والحارة على السواء ليرصع بها الغرفة الغائرة بصمت الظلام ووشوشات النور الخفيف وليبرز فيها خوف صديقته الجميلة كأنه خوف عادي ينتظر مرور الليل ليذهب معه. فالمرأة في لوحاته لا تهاب أرواح الليل كمن يهاب عدوانا خارجيا بل كمن يرتجف ورعا امام سطوة العالم الآخر. واستوحى الفرد جاري الكاتب المسرحي من هذه اللوحة قصيدة قال فيها: "أولميا المستلقية على سريرها الموحش تحيا في جوف الاساطير القديمة (...) من وحدة الليل وسكونه تستيقظ الارواح من سباتها العميق لتكون ملتحمة في عشق بعضها البعض".

في السنوات الاخيرة من حياته، تراوحت اخفاقات غوغان بين الألم والمرض والفقر والوحدة التي أحكمت خناقها عليه، الى محاولات عثوره على الفردوس المفقود. ثم توالت الضربات والخيبات حتى جاءه خبر موت ابنته المفضلة أليس ليكون النقطة التي طفحت بها كأس المرارة. قرر الفنان وضع حد لحياته ولكن ليس قبل ان يشرع في رسم لوحة كبيرة اعتبرها وصيته لهذا العالم وإرثه الأكبر. لوحة اعتبرها منظمو المعرض بدورهم النجمة التي دارت في فلكها كل أعمال غوغان الاخيرة وحملت عنوان "من أين أتينا؟ ما نحن؟ الى أين نحن راحلون؟". بعد الانتهاء من رسمها توجه الفنان الى قمة جبل وشرب كمية من الارسونيك وانتظر الموت. غير ان كمية السم التي ابتلعها دفعته الى التقيؤ فكانت العودة شيئا فشيئا الى ما سماه "حياة الميت" اذ أضحت لوحاته محمّلة باشارات تهمس بالاسئلة الميتافيزيكية التي تجر الانسان الى التمزق بين يأس بارد وجلي ورغبة موتورة في المستحيل.

وجد غوغان لدى التاهيتيين تواضعا امام الحياة وبساطة لا ترى الى الانسان نقطة مركزية للكون. اما مساره الفني المعقود على "التبسيط الكامل" ليعلن اختلافه عن باقي معاصريه فدفعه في نهاية المطاف الى ان يكتب الى زوجته القاطنة في فرنسا: "كلما أمعنت في تبسيط نظرتي الى الخطوط والالوان والاشياء، أجد نفسي ضائعا. لا أدرك معنى ما توصلت اليه. وأشعر باشمئزاز كبير حيال ذلك".

يبدو ان أسئلة غوغان يمكن اختصارها بسؤال واحد: ما السعادة؟ ففي بحثه عنها لفحته الرياح القدرية واستحوذت عليه أعمق اللحظات الوجودية فأوصلته ربما الى جواب لعله ان السعادة الحقة هي في توقنا المتواصل اليها، على ان يكون هذا الشوق مقرونا بايمان راسخ بوجودها. فاختراع السعادة هو ايضا في تصديقها. لذا يمكننا في سهولة متناهية قراءة ذلك في ما قاله الفنان في اواخر حياته: "ها هو الليل. الكل في راحة تامة. عيناي مغلقتان لتريا من دون ان تعيا حلم المساحة اللامتناهية الفارة من أمامي".

 

ميموزا العراوي - النهار - 30.10.2003


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri