معرض
الخريف الرابع والعشرون في متحف سرسق
تَدَفُّق
شبابيّ تعوزه أسئلة جديدة
شعور
غامر بالفرح عاد واستتب في متحف سرسق في الأشرفية، بيروت مع عودة
فعاليات معرض الخريف الرابع والعشرين في مشهد تشكيلي درج القيمون
على المتحف إقامته عاماً بعد عام وكان توقف في العام 2000 ولأسباب
لم تجد حينها تبريراتها المقنعة. مع
عودة المعرض تستعيد المدينة بعضاً من حيويتها ونبضها في واحد من
أبرز التظاهرات الفنية التشكيلية التي لعبت دور المؤطر للإتجاهات
الفنية الشابة ولذاكرة أجيال فنية بدا انقطاعها على عتبة الألفية
الجديدة أمراً غريباً ومفزعاً.
المنظر
العام الذي يغلف صالتي العرض في الطبقتين السفلى والعليا وفي الأروقة
يتخطى حجم ونوعية المشاركة والأسماء المتبارية الى المساءلة عن
الدور الثقافي المعلق على المكان المديني الذي طالما كان أحد مكامن
التحولات الحافظة لذاكرة رواد لبنانيين وعرب مبدعين وملتقى المواهب
الناشئة.
في
كل دورة جديدة يجري التطلع الى الأسماء الجديدة الشابة المشاركة
والأسماء المنتسبة واعدادها ونسبة المشاركة النوعية في واجهة العرض
التي يتوقف عندها الزائر. استقبل
المعرض هذا العام 407 أعمال من قبل 186 فناناً وفقاً للبيان الصادر
عن اللجنة التحكيمية (بتاريخ الخامس عشر من شهر تشرين الأول 2003).
لجنة
التحكيم وبعد ثلاث جولات إنتقائية أجرت التصويت على كل عملٍ بمفرده
وتم إختيار 104 أعمال من 83 فناناً وهذا يعني مراوحة وترجرجاً
وتراجعاً مقارنة مع إختيار 176 فناناً في الدورة الأخيرة من العام
2000.
تراجعاً ما في العناوين والميادين وهذا مقياس مبدئي للقول لاحقاً
بعدم وجود مفاجآت حقيقية كبيرة في حصاد الثلاث سنوات المنصرمة
بمعني النص التشكيلي الجديد الذي يؤسس لمرحلة او مراحل جديدة،
وأعمال لا تثير الدهشة وهي تحت الضوء.
اذاً الأعمال الجديدة توزعت بين طبقتي المتحف وفق آلية عرض جميلة
تستفز شعوراً طيباً وواجهة سينوغرافية لمكان أنيق وزوايا عين توزعتها
الأعمال الشابة منعشة للبصر وأنيقة.
إنضمت
الى هذا المشهد أعمال لمنتسبين قدامى تداخلت في النسيج العام في
تعزيز ركائز اللوحة التشكيلية وإن كانت هذه المشاركة غير تمثيلية
وغير شمولية مع غياب أسماء ريادية نذكر منها: أمين الباشا وإيفيت
أشقر وحسين ماضي وحليم جرداق وشفيق عبود وحسن جوني وغريتا نوفل
وشوقي شمعون ومحمد شمس الدين وهنيبعل سروجي وسلوي روضة شقير ومارون
الحكيم وسمر الحكيم وآخرون..
غياب عريض وكان الحصاد أن يكون أكثر خصباً وأعنف تعبيرياً في تعدد
المذاهب والأساليب والمستويات وتمايز التقنيات والمهارات وشحناً
لصورة حقيقية تتقدم واجهة لما تبدو عليه الحالة التشكيلية في المدينة.
غياب يبدو وراءه كما في الدورات السابقة عملية إسقاط حق المشاركة
الحرة لغير المنتسبين من قبل اللجنة المنظمة لأعمال المعرض.
مع ذلك الصورة مع المنتسبين الجدد والقدامى وفي الأعمال المعروضة
في مجال الرسم والنحت والصورة الفوتوغرافية وأعمال التجهيز تؤلف
بانوراما بصرية (غير مكتملة) لكنها تتجاوب مع مقترحات اللجنة المنظمة
والتحكيمية في العمل على إعادة صوغ المشهد التشكيلي وتبيان بعض
تحولاته ومؤشرات التفاعل مع الفنون الجديدة.
نزهات
طازجة في الملتقى اللوني لافكار ومحتويات المعرض ولحظات ضوئية
تطل بجدية وتؤكد حضورها الأولي كما في عمل جنى عيد "المحظور" (اكريليك
على القماش) وتهويمات الصورة "تطوى مرتين" لبسام جعيتاني (أكريليك
على القماش) ولينا مرهج في رسومها الشاعرية (حبر صيني على ورق)
ودما حجار "دائرة الثرثرة" (عمل بمواد مختلفة) وأسامة بعلبكي "تأليف
اسود" (أكريليك على كرتون) ورندى سابا "سواد" (انفوغرافي) ونيكول
برجون بولدركيان "استرخاء" (منحوتة من البرونز) وهوري شكرجيان
"ابتسامة ملاك" (زيت على قماش) وندين ابو زكي (منحوتة بدون عنوان)
و"الوجه المتخفى" لفنان موهوب على حساسية مهمة هو فولفو قدسي.
تفاوت
اعمال متميزة عن سواها وبمستويات متفاوتة ذات مرجعيات ومؤثرات
سابقة تقع تحت العين لكنها تملك قواها كحواس ومفردات تعبيرية أولية
في مقابل أخرى تملك حاسة الطزاجة والطرافة كرسائل ندى صحناوي (بورترية
عائلة عازوري، مواد مختلفة على خشب) وعصفور الشرق لآلان فاسويان
(مواد مختلفة على هيكل معدني) وتجهيزات آنيتا توتيكيان (فليرمي
اول لون، مواد مختلفة وتركيب وكرافيت تطوق عنق حذاء نسوي).. وفن
المقال في عمل جاكو رستيكيان وإميل فيرديه (حشرة ناجحة وحجم الغيوم،
شهادة لأبي الوليد ابن رشد!) والوداع عند تيو منصور بحسب نشيد
الارض (مواد مختلفة على قماش) وجدار الخزعبلات عند حليم مهدي هادي
(مواد مختلفة على قماش بحجم جدارية). ملامح
عامة تترك إغراء وتملك فرحها الجواني ومستوى مقبولاً من الإقناع
لا تطرح اسئلة متفجرة ولا تلغي عنف الفراغ في المشهد التشكيلي
الحداثي، وهي تأتي من أجواء التيارات الواقعية والنماذج القائمة
والمناخات نفسها في ظل إطلالة تحولات هائلة على مستوى إستخدام
الأدوات ومنها الجسد الإنساني كأداة تعبيرية ولجهة المواد والمذاهب
والتقنيات والتيارات.
الأعمال الأخرى المشاركة تدور ملامحها على نزعات هادئة لا تحمل
ذلك النوع من العنف التعبيري كما في الصور الفوتوغرافية لجورج
سليم نادر وصور فوتوغرافية بالأسود والأبيض لبسمة عصفور بزي ورؤية..
الحواس لزينة قمر الدين بدران والعشاء السري النصف قمري عند ايلي
قطار والثقافة اللقاقة عند آنيتا توتيكيان وتجريد جيزيل رحيم وتجهيزات
خالد رمضان (مواد مختلفة).
إغراءات
حاسة شابة يقابله قلق من خريف البلد المقيم ولوحة تبحث عن ركائزها
التعبيرية الناضجة وفيما يتجاوز المألوف ولما هو تحت الأجواء والتدجين.
هذا
بالنسبة للشباب، اما بالنسبة الى مشاركة العنصر الآخر المقيم في
الواجهة الفنية فهي لا تتجاوز كونها مشاركة متحفية لعارف الريس
(متاهات تجريدية عن العولمة والاستعمار) وهيلين الخال (نور الشتاء،
زيت على القماش) وايلي كنعان (ساحل التجريد غنائي، زيت على قماش)
ومحمد الرواس (دعامة، سريغرافي وزيت على قماش وتجميع) وجميل ملاعب
(حالة وعي لوني صفراء بالكامل، إكريليك على قماش) وجان مارك نحاس
(جزءان، اكريليك على قماش) وروز الحسيني (زيت وخضاب طبيعي من دون
عنوان) ، الى أعمال مشاركة لمنصور الهبر وراشد بحصلي وآرام جوغيان
ومنى باسيلي صحناوي (عين المريسة وثلاثة عصافير) وسمير ابي راشد
(داخل المدينة، زيت على قماش) وهاروت طورسيان (ذاتية، تكريم فابريسوس
كاريل، زيت على قماش) ومنى جبور (على السطوح اكريليك على قماش).
مثل
الرسوم تتزيّ المشاركة النحتية بألق منمنم تعبيري ورمزي في منحوتات
نبيل الحلو (غليان، منحوتة من الجفصين) ومنى السعودي (إمرأة/ نهر،
منحوتة من الرخام) وسيمون فتال (إمرأة في الهيكل، منحوتة من الرخام
وزافين حديشيان (المتلازمتان، منحوتة من الرخام) وسعدالله لبس
(مغارة علي بابا، منحوتة من حجر وبرونز).
مشاركة في إطار تردادات العرض والأشكال عينها وتنمو في المستويين
النحتي والرسم في حياد سلبي في بؤرة وبقعة التعبير الشبابية فيما
يشبة الاستكانة من غير تحريض وهي لا تقول أشياء كثيرة في اعمال
تأتي تحت الطلب والعرض وفقط تؤكد من جهة على عضويتها وإنضوائها
في قائمة "المنضوين" الى المتحف ومن جهة أخرى استمراريتها لا أكثر.
إطلالة منتظرة موضع مساءلة ومن الطبيعي ان تخضع لمساجلة من نوع
الاختيارات القائمة في المدينة التي تعيش فراغاً قاتلاً ومدوياً
على مفصل قرن مضى وقرن آخر جديد.
كل
الزائرين كانت تحدوهم رغبة طرية وعناصر جذب وشغف مشدود الى رؤية
النتاج التشكيلي وهو يخرج من ركوده الى عوالم لطبيعة تشكيلية تبدو
أنيقة ومشعة على الرغم من مفارقاتها وتناقضاتها وتمايز مستوياتها.
فيما خص الجوائز اجتمعت اللجنة التحكيمية في 15 تشرين الاول في
المتحف برئاسة البروفسور جون كارزويل وعضوية السيدتين هند سنو
وسيلفيا عجميان والسادة نزيه خاطر وجاك الأسود وبيار الخوري وعاصم
سلام ورمزي السعيدي وجوزف طراب وبعد ثلاث جولات إنتقائية على الأعمال
والتصويت على كل عمل بمفرده تم اختيار الأعمال المرشحة للجوائز.
ثم رشح اعضاء اللجنة بالأكثرية سبعة أعمال لااختيار الأعمال الفائزة
بالجوائز الثلاث وهي للفنانين: بسام جعيتاني وديما حجار وفولفو
مقدسي ورفيق مجذوب وثيو منصور وجان مارك نحاس وحليم مهدي هادي.
بعد التصويت (بين متحف سرسق) فاز بجائزة المتحف حليم مهدي هادي،
وفاز بجائزة لجنة التحكيم ديما حجار، فيما حصل بسام جعيتاني على
تنويه لجنة التحكيم.
اذا
كان مهماً طرح الأسئلة والهواجس القلقة في النص التشكيلي والتجهيزي
الحديث (أصوات خفوتة في الدورة الحالية)، نفس المقدار من الأهمية
يقع في بؤرة من نزعة التحاور والتأسيس لمرحلة من التواصل المنقطع
والعبور المتسامح في بناء المدينة الجديدة.
دورة
يمكن وصفها بالهادئة حد السكون والحيادية على غير عنف، واستسلام
متساوٍ في أدوات التعبير وعلى تعددية الموضوعات والعناوين الا
أنها تبدو غير معنية بالعمل الفني الذي يثير فتنة وتفجراً.
اعمال تقع جميعاً تحت عنوان وصف المنظر والواقع وملامح عامة لا
تتجاوز المألوف التشكيلي الذي يلازم الأجواء من دون العثور على
معادلات بصرية. مجرد محاولات تترك انطباعاً واحداً عن المكان وليس
الأحداث الفنية،التي تبقى بعيدة.
يقظان
التقي - المستقبل - 06.12.2003