البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

الفنانة هيلدا عيسى

أنا أنتمي للروح الصاخبة

بمناسبة الذكرى الستين لعيد استقلال لبنان،أقام النادي اللبناني في العاصمة الأرجنتينية بوينس أيرس معرضاً للرسوم شارك فيه العديد من الفنانين والرسامين المنحدرين من أصل عربي. وقد نالت الفنانة هيلدا عيسى الجائزة الأولى على لوحتها "الحل الوحيد" وهي لوحة مرسومة بأقلام الباستيل وتعكس بكل قوة الطراز الذي تميزت به لوحات تلك الفنانة المنحدرة من أب سوري من مواليد قرية بحور، وأم لبنانية من قضاء طرابلس.

والواقع أن لوحات وأعمال هيلدا عيسى حازت منذ بداياتها على إعجاب الجمهور وإعجاب أساتذتها أنفسهم حيث أشاروا إلى التأثير الكبير لجذورها العربية على أعمالها الفنّية المتميّزة بالتعبير الساطع والمشاعر العميقة والإنسانية. وحظيت هيلدا باهتمام فائق من قبل نقاد كبريات الصحف الأرجنتينية والأمريكية اللاتينية. كما ونشرت عدّة صحف عربية مقالات ولقاءات معها.

ومازالت هيلدا عيسى منذ عام 1969 تعرض لوحاتها في مختلف المتاحف والمعارض في بوينس أيرس، إضافة إلى قاعات المركز الاجتماعي السوري اللبناني في مدينة باهيا بلانكا الأرجنتينية، وقاعات فندق الشيراتون وغيرها. ورغم زهدها بالجوائز فإنها نالت العديد منها مثل الجائزة الثالثة في المعرض الوطني للنقوش والرسوم. والجائزة الأولى خلال المعرض الأخير الذي نظمته السفارة السورية في بوينس أيرس.

وقدّمت هيلدا عيسى العديد من لوحاتها هدية إلى السفارة اللبنانية وإلى المستشفى السوري اللبناني، كما واقتنى عدد كبير من أبناء الجالية العربية لوحات هيلدا المعبّرة عن روحية العربي.

مراسل موقع ((الإمبراطور)) في بوينس أيرس عصام الخشن.. انتهز فرصة المعرض الذي أقامه النادي اللبناني فأجرى لقاء مع هيلدا عيسى سبر خلاله غور لوحاتها والعوامل التي تختلج في داخلها وتقف وراء إبداعها الفني.

الامبراطور: لقد ذكر الكثير من أساتذتك بأن أعمالك الفنّية متأثرة إلى درجة كبيرة بجذورك وانتماءاتك العربية، فما مدى صحة ذلك التأثير وما أسبابه؟

هيلدا: إن الروح العربية المشاكسة الزاخرة والمفعمة بالحياة هي المحرك الرئيسي، وهي المصباح الذي ينير مشكاة إبداعي، فأنا أشعر على الدوام بسعادة ونشوة عارمتين كوني أنتمي إلى تلك الروح الصاخبة. وأنا أهيم بذلك الشعور الجياش المتوهج بالحياة وبذلك العنفوان والحسم الذي يميّز حياة العربي الأصيل. وثمة أحداث بسيطة قد تثير امتعاض غيري ولكنها تحرك مهجتي وتثير جنون إبداعي، ففي إحدى المرّات وبينما كنت في طريقي إلى المركز الإسلامي لتلقي دروس اللغة العربية صادفت امرأة من أصل عربي كانت قد ترملت منذ فترة قصيرة، وكانت برفقة طفلين لها، فجئتها مواسية وراثية لحالها، وفي خضم حديثنا سألتني عما إذا كنت قد تزوجت وأنجبت أطفالاً، فكان جوابي سلبياً، فقالت بلهجة قاطعة: إذن حياتك لا تسوى شروى نقير!!

فتصوّر الحسم الذي تتكلم به تلك المرأة البسيطة فزخم ومعنى الحياة عندها أكبر من تفاهات التملّق لي.. وقد تكررت تلك التجربة في الماضي، فقد كنت أرتاد منزل الأستاذ المرحوم أحمد عبود، المعروف بهواية جمع الكتب والمخطوطات القديمة، وكان لديه حوالي عشرين مخطوطة فريدة من نوعها لكتاب ألف ليلة وليلة، وكانت تحتوي نقوشاً مرصعة بماء الذهب وكنت أحاول دوماً تقليد تلك الإطارات الرائعة والمنمقة التي تعبّر عن حياة ونفسية المسلم والعربي، وحدث أن سألته مرّة عن سبب طلاق بعض العرب من نسائهم لأنهن لا تنجبن الأولاد، فبدلاً من الرد الملتوي والمنمق قال لي: ماذا تنفع المرأة العاقر، إنها كالشجرة التي لا تؤتي ثمارها!! وبالطبع فأنا أدرك بأن أستاذاً بثقافة المرحوم أحمد عبود لا يمكن أن يتجاهل دور المرأة وما يمكن أن تفعله في المجتمع سواء رزقت أم لم ترزق بأبناء، ولكن ذلك التعبير الجياش عن الرأي بالحياة على هامش الحالات الفردية هو الذي يثير فيّ مشاعر الإعجاب، فالحياة لدى العربي حسم وقرار بصرف النظر عن النتائج الجانبية.

إن ذلك الزخم وتلك المشاكسة وذلك الحسم هو الذي يحرّك مشاعر الإبداع، فالمرأة التي ذكرت قصتها ليست بحاجة إلى رسوم ونقوش وغيرها لتشعر بأن الحياة تفيض في قلبها وفي روحها، أما أنا فإني أجد في الرسم الموئل الوحيد والجسر الأهم لمحاولة العبور إلى تلك الحياة والتعبير عنها. فالرسم ليس مجرد موهبة وملكة بل هو محاولة للإبحار في الحياة العامرة والحاسمة، ولذلك تراني عمليّاً وحيدة ومنعزلة بين بقية الفنانين المحليين فهدفهم من وراء الرسم والحياة مختلف تماماً وأنا أجدهم من وجهة نظري الروحية رتيبين وجامدين.

الامبراطور: ماهي المواضيع التي تحاولين التعبير عنها بواسطة أعمالك الفنيّة؟

هيلدا: أود من خلال رسومي التعبير عن مختلف أوجه الحياة الإنسانية من ألم، وفرح، وحزن، ولهفة، واستيئاس.

الامبراطور: لقد قال الناقد الفني إدواردو بالتاري لدى الحديث عن أعمالك الفنية في مقال نشرته جريدة "كلارين" الأوسع انتشاراً في أمريكا اللاتينية بأن " هيلدا عيسى تذهب إلى ما هو أبعد من الرسم، حيث أنها تتجاوز حدود تلك المسألة، وإن طاقتها التعبيرية الفائقة تؤكد لنا انتماء شخصية جديدة إلى قائمة الرسامين الأرجنتينيين المتميزين " فما تعليقك على ذلك الرأي؟

هيلدا: بالضبط.. فأنا أحاول التوغل في أعماق الروح، إذ أنني أتعامل دوماً مع نماذج حيّة محاولة أن أرى ما هو أبعد من الجسد الماثل أمامي، أي أتطلع إلى بلورة روح الفرد البشري أيضاً.

الامبراطور: الفنان والرسام الشهير ديميتريو أوروتشوا قال في نقد لوحاتك: " لم يشهد الفن التشكيلي الأرجنتيني في تاريخه رسّامة أفضل من هيلدا في مجال التعبير، والعمق، والبلاغة" فهل ذلك يعني أنك تسعين باستمرار للذهاب إلى موطن ومكمن الشعور نفسه؟

هيلدا: قد يكون ذلك هو الهدف الفعلي لأعمالي، ولعل أسماء بعض لوحاتي توضّح بصورة أفضل عما أسعى إلى التعبير عنه، مثل "الغمّ" و "النشوة"، و " السعد"، و "الآسى"، و " السكينة" بمعنى أنني أرسم لحظات الروح، والأحاسيس، والنفسيات.

الامبراطور: لقد أتسمت أعمالك على الدوام بالجدّية والمهنية الفائقة، سيما وأنك عكفت باستمرار على الدراسة رغم شهرتك المعروفة، فمن هم أشهر أساتذتك؟

هيلدا: لقد تتلمذت على يد أساتذة كبار بكل ما في الكلمة من معنى، ومن بينهم ميغيل دافيلا، وديميتريو أوروتشوا، وروكي ماناجليو، وغيجرمو روكس.


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri