حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

تقليدية المثقف العضوي

لا ريب في أن شهرة الفيلسوف الإيطالي (أنطونيو غرامشي)، لم تتمخض فحسب على خلفية توقد ذهنه وتوهج تفكيره حين أبدع (كراسات السجن)، وهو في أحلك ظروفه السياسية والاجتماعية وأصعب أوضاعه النفسية والصحية، ولا حتى

في جسارة وعيه النقدي الذي طالما اشتبك مع أشرس القوى السياسية السائدة في محيط بيئته الاجتماعية، والتحم مع أكثر الأفكار الفلسفية رواجا" في إطار عصره التاريخي. وإنما لكونه آثر الخروج باكرا"عن سرب المحلقين في فضاء النظريات المجردة، والانسلاخ عن جمهرة المتطفلين على بريق الإيديولوجيات الطوباوية بحيث اختط لنفسه منهجا"تأويليا"طال أسس ما كان يعتقد أنها ثوابت العقيدة التي كان ينسب إليها ويحسب عليها. وهو الأمر الذي ساق المدعي العام الإيطالي (ميشيل ايسغرو) لمطالبة القضاة الذين أجمعوا على إدانته وفبركوا إصدار الحكم بسجنه، بمراعاة الغاية المراد منها والمعول عليها (إيقاف هذا الدماغ عن العمل لمدة عشرين عاما").

ونحن إذ نذكر هذه اللمحة الخاطفة عن حياة هذا الإنسان المناضل، لا نستهدف الإشادة بثراء فكرياته وامتداح عمق تحليلاته والترويج لأصالة طروحاته - فالتاريخ قد أنصفه في كل هذه المجالات - بقدر ما نعتزم اتخاذ تصنيفه المبتكر لأنماط المثقفين، بحسب اندراجهم في سيرورة علاقات الإنتاج، ودوافع انخراطهم السياسي ودواعي انضوائهم الإيديولوجي تحت لواء هذه الطبقة الاجتماعية أو تلك، كمقاربة منهجية نستهدي بها لمعاينة واقع المثقف العراقي الذي غالبا"ما يصف ذاته، بناء على ما يعتقده من ايجابية مواقفه وسلامة تصوراته، كمثقف (عضوي) لا ينتمي فقط إلى طليعة المجتمع وينتسب لنخبته (سياسية، دينية، ثقافية) فحسب، بل وكذلك يقود مسار كتلته التاريخية ويحدد خياراتها المستقبلية، وبالتالي، فانه - في نظر نفسه - منزّه من كل العيوب والسلبيات التي يوصم بها نظيره (التقليدي)، وبعيد كل البعد عن الاتهام بالتقصير الذي يلقيه على عاتق خصمه، دون أن يكلف نفسه، ولو للحظة واحدة - وفقا"لمنطق العضوي الذي يتخندق فيه ويحتمي به - مراجعة حصيلة مواقفه وإعادة تقييم ذخيرة تصوراته، بضوء جيشان الوضع السياسي وهيجان الواقع الاجتماعي. والحقيقة انه قد يكون صادقا"في نواياه ومقتنعا"بتصرفاته، حيال ما يستلهمه  من أفكار وما يستوحيه من رموز، إلاّ إن ذلك لا يحول دون شططه عن معايير الجماعة التي يدعي تمثيلها، أو يعصمه من الانحراف عن القيم التي يزعم انه يستبطنها، لاسيما في الحالات التي يجد إن هذه أو تلك تتعارض مع مصالحه وتتقاطع مع توجهاته، من وحي إن هناك حاجزا"بنيويا"وقطيعة معرفية بين خاصية المثقف (العضوي) وطبيعة المثقف (التقليدي)، تساوقا"مع التصور الغرامشي للأصول الطبقية التي تحدد وظائف الأول وتؤطر أدوار الثاني. وهو الأمر الذي حدّ من زخم التنظير السوسيولوجي لإشكالية العلاقة المفترضة بين هذه الأنماط من التجلي السياسي والتمظهر

الاجتماعي والتخلق الثقافي والتكون النفسي، بحيث سوغ للباحث الأمريكي (بيتر جران) القول بأن (مفهوم غرامشي عن المثقف التقليدي هو أقل أقسام نظريته تطورا"). مقتفيا"بذلك أثر (جان مارك بيوتي) مؤلف كتاب (فكر غرامشي السياسي)، الذي ألمح في مفتتح قسمه الثاني إلى إن غرامشي (لايحدد أبدا" تحديدا "واضحا "ونهائيا" معنى مفهوم المثقف التقليدي وحدوده). والحقّ إن المأخذ الذي قد يستشف من فحوى هذا الرأي، لا ينبغي أن يسوقنا للاعتقاد الاعتباطي بقصور أو ضعف المقاربة الغرامشية لهذه المسألة العويصة، بقدر ما يستلزم - من جانبنا وفي إطار هذا الموضوع - استقراء السياق التاريخي العام الذي وضعت فيه وصيغت من خلاله؛ لا من حيث وطأة الأرثوذكسية الماركسية في طورها السجالي المتزمت، وما تمخض عنها لاحقا"من انقسامات حزبية وانشطارات فكرية فحسب، بل وكذلك من حيث مراعاة الاصطفافات الطبقية والصراعات الإيديولوجية التي شهدها المجتمع الإيطالي لحظة تبلور تلك الأفكار وتجسّد تلك التصورات. الشيء الذي حاول (بيوتي) شحذ الانتباه نحوه بالقول (وهكذا يربط غرامشي التمييز بين المثقف التقليدي والمثقف العضوي بدراسة المشكلة التي يطرحها على توحيد البلاد الانقسام بين الجنوب والشمال. فالجنوب، وهو منطقة زراعية أساسا"، ينتج مثقفين عضويين، بينما الشمال، وهو منطقة صناعية، (مثقفي البرجوازية العضويين). بمعنى إن صفة (العضوية) التي تسبغ على المثقف لا تنفي عنه- بالضرورة - تبعات خلفياته (التقليدية) التي سترافقه كظله وما قد تنطوي عليه من إسقاطات نكوصية ظاهرة أو مستترة، سواء تعلق الأمر بمضامين تفكيره الخرافي أو بوقائع سلوكه البدائي. ونحن وان كنا لا نرتئي ولا نحبّذ حشر الفاعل الاجتماعي في إطار من صيغ مفاهيمية مجردة، تتجاهل ما في الكينونة الإنسانية من غنى في المعطيات وانثيال في التوقعات وسيولة في العلاقات، غالبا"ما تثأر لنفسها من قيود الثنائيات المانوية / الدوغمائية. فإننا، بالمقابل، سنجاري - لأغراض موضوعنا - المعنى السلبي الذي يمحضه (غرامشي) للمثقف التقليدي، من حيث كونه عنصرا هلاميا يفتقر إلى جدية الموقف وثبات الإرادة، مما يوحي - سيقول غرامشي في دفاتر السجن- بان (أهم ما يميز أية جماعة تتجه إلى السيطرة، هو نضالها من أجل استيعاب المثقفين التقليديين، وإخضاعهم (إيديولوجيا"). غير إن هذا يتحقق على نحو أسرع وأفعل إذا ما نجحت في نفس الوقت في إعداد مثقفيها العضويين). وليس من باب التبجح القول بأنه قلما تعرض بحث أو تقصّت دراسة؛ ظاهرة وجود معطيات تقليدية لدى من ينسبون لأنفسهم صفة (العضوية) من المثقفين العراقيين، الذين عادة ما تتسرب إلى منظومات وعيهم وتتجلى في أنماط سلوكهم شتى مظاهر الصفات التقليدية التي تنطبق عليها معايير التوصيف الغرامشي الآنف ذكرها. فتهمة (التقليدية) لم تكن في يوم من الأيام حكرا"على شريحة المثقفين المجردين من كل موقف والمتحللين من كل التزام، كما تحاول الغرامشية أن تصفهم و / أو تصنفهم، بقدر ما هي خاصية لصيقة بطبيعة الكائن الإنساني ونابعة من صميم كينونته الانطولوجية، ولكن بدرجات متفاوتة. كما إن امتياز (العضوية) الذي يحاول كل من يزعم انه ينتمي إلى رهط المثقفين التباهي به والتماهي معه، لم يكن في وقت من الأوقات مقتصرا"على هذا العنصر النخبوي أو ذاك، أو مختصا"بهذه الشريحة المثقفة أو تلك، بقدر ما هو مشاع بين الجميع ولكن بجرعات مختلفة. وعلى ذلك فليس هناك طبقة اجتماعية، مهما بلغ شأو التجانس في تكوينها، وبصرف النظر عن مقدار تحولها من طور (الوعي للذات) إلى طور (الوعي بالذات)، إنتاج مثقفين (عضويين) خلّص ومبرئين من كل آثامهم التقليدية (عادات، تقاليد، رموز، أخيلة). وبالمقابل فليس هناك مجتمع يضم بين جنباته مثقفين (تقليديين) مئة بالمئة، بحيث يتعذر تطعيمهم بالمواصفات العضوية التي تتيح لهم التخلص من أوزار الازدواجية في المواقف والتردد في الخيارات. وهكذا، وبصرف النظر عن طبيعة المرحلة التاريخية التي يمرّ بها وخاصية البيئة الحضارية التي ينغمر فيها، فان المثقف (أي مثقف) هو بالمحصلة النهائية مشروع صيرورة قيد التكوّن والتخلّق، حيث تفقد في أتونه التخوم والنهايات معناها الواقعي ومغزاها الرمزي. وهو ما يجعله بمثابة حاضنة تتناسل في رحمها؛ إما مقومات تشكيله (تقليديا") في تعاطيه مع سريان الأحداث وجريان الوقائع، أو عناصر بزوغه (عضويا") في تعامله مع المجتمع بمختلف رهاناته والفكر بشتى إرهاصاته. إذ إن العبرة تكمن في مقدار انسلاخه عن رزايا الأولى والتخلص من عواقبها من جهة، وتمثل مزايا الثانية واستبطان مناقبها من جهة أخرى. فهل آن أوان المثقف العراقي - بعد كل هذه العواصف والزلازل - إن يعيد قراءة خارطة وعيه وفقا"لمعطيات الواقع وليس امتثالا"لرغباته، ويشرع بجدولة اهتماماته وتوجهاته تساوقا"مع متطلبات المرحلة وليس انصياعا" لنزواته، بحيث يجعل من ثوابته التقليدية محفزات للارتقاء نحو القيم العضوية.

 

ثامر عباس / كاتب من العراق



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.