حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

مشهد من فيلم
<<911 فهرنهايت>>

لمايكل مور

ليس غريباً على المخرج الأميركي مايكل مور ان يقدم قراءة معاكسة لتيار كل ما يُقال حول اعتداءات 11 ايلول التي ضربت الولايات المتحدة الاميركية، ولكن الأهم هو هذه الضجة التي تحيط بفيمله الجديد <<911 فهرنهايت>> والذي جذب يوم أمس نقاد وصحافيي وجمهور مهرجان السينما العالمي في مدينة <<كان>>.

لقد كرّس مايكل مور نفسه على الساحة التلفزيونية والسينمائية الاميركية ثم العالمية معارضاً للكثير من السياسات وأساليب الحكم والمجتمع في الولايات المتحدة الأميركية، وألّب ضده ساسة واشنطن حتى وصل الأمر بالرئيس الاميركي جورج بوش الى حد نصحه بأن يجد لنفسه <<عملا حقيقيا>> وان يهدأ.

ولكن فيلمه الوثائقي الحالي قد يكون الأكثر إثارة ذلك انه يشن حرباً معلنة وصريحة على بوش بدءاً بالتشكيك بكيفية انتخابه وصولاً الى علاقته بعائلة اسامة بن لادن، ناهيك عن الصور البشعة التي يتعمّد اظهارها في فيلمه لاطفال عراقيين موتى او قتلى.

ولا يتوانى مايكل مور عن عرض لقطات لمدراء شركات اميركية يدلون بتصريحات حول الاستثمار وعقد صفقات في العراق على اعتبار انه لا بد من انتهاز فرصة الحرب لتحقيق اكبر قدر من المكاسب.

وعلى عادته في دفع الأمور الى أقصاها فإن هذا المخرج المشاغب يضع الاصبع على الجرح ويقدم شهادات ووثائق كثيرة لإقناع المشاهد بعدم صحة كل الرواية التي قيلت حول احداث 11 ايلول حتى ولو أنه لا يريد تبرئة اولئك الذين شنّوا الهجمات.

وقد قوبل الفيلم في الولايات المتحدة الاميركية بضغوط عديدة، فمنتقدوه سارعوا الى القول بانه يغالط الحقائق ويقدم معلومات غير مستندة الى واقع، بينما رفضت استوديوهات كبيرة وفي مقدمها شركة والت ديزني توزيع الفيلم لاعتراضها على بعض مضمونه.

الأكيد ان مايكل مور لم يتوقع ردة فعل أفضل في بلاده لا بل انه ربما يتعمّد اثارة مثل هذه الضجة تماما كما يفعل غالبا ومنذ بداياته في العمل الصحافي حين كان لا يزال في الثانية والعشرين من العمر.

فمايكل مور المولود في 23 نيسان 1954 في منطقة <<فلينت>> في الولايات المتحدة لم يقبل نصيحة اهله بالعمل ككل ابناء مدينته في اكبر شركة لصناعة السيارات عندهم <<جنرال موتورز>> وانما اسس صحيفة ثم صار يحمل كاميرا الفيديو الصغيرة ويصور مشاهد من الحياة العامة بغية تقديم الحقائق على طريقته، وتمثل اول نجاح له في الفيلم الذي صوّره عن رئيس الشركة الذي رفض المجيء الى المدينة للوقوف على مشاكل اهلها بعد اغلاق الشركة المذكورة.

وكان مايكل مور قدّم صورة قاتمة للولايات المتحدة الاميركية في فيلمه <<بولينغ فور كولومباين>> الذي عرض في خلال مهرجان العام الماضي في كان، حيث سعى لمعرفة سبب العنف في بلاده وتعلّق الاميركيين بحمل السلاح وكيفية شرائه واقتنائه.

ورغم النجاح الكبير الذي لاقته افلامه الوثائقية، الا ان مايكل مور غالبا ما اضطر الى البحث بعناء كبير عن تمويل افلامه اللاحقة ولم يتردّد مثلاً في طرق ابواب المنتجين في كندا لتمويل فيلمه السابق الذي أكد فيه ان عدد قطع الاسلحة المنتشرة بين الاميركيين يفوق عدد اجهزة التلفزيون.

ومايكل المور المعروف بمناهضته للعولمة المتوحّشة، يسعى في افلامه الى انتقاد النظام الاميركي برمّته، وله عبارات شهيرة في هذا المجال على غرار: <<لو كنت مريضا في الولايات المتحدة فاذهب الى الجحيم ولو كنت فقيراً فتباً لك، ولو كنت يائساً فسوف تتعرّض لللكمات الكثيرة، ذلك ان الولايات المتحدة الاميركية هي دولة العنف ضد الفقراء وضد اولئك الذين لا يملكون شيئاً، وهي تستخدم الفروقات العرقية لتقوية العنف ضد هؤلاء الفقراء>>.

يساري الولايات المتحدة

وغالباً ما تقارب افلام مايكل مور جوهر السياسة وهو لا يتردد او يتراجع امام أي عقبة والغريب انه في الكثير من الحالات يفلت من مقص الرقيب او ينجو من نير الضغوط الهائلة التي تمارس عليه، وحين يسأل عن الامر يضحك ويقول: <<اني انتمي الى اولئك اليسارييين في الولايات المتحدة الاميركية المتمتعين بحظ كبير لانهم قادرون على عرض افلامهم>>.

وعلى غرار النجاحات التي تلاقيها افلامه الوثائقية فان الكتب التي يؤلفها مايكل مور تعرف هي الاخرى نجاحات لافتة، وهو يعتبر ان في ذلك ما يضيء شمعة في الليل الاميركي ويرد على الذين يتهمونه بالاثارة المجانية بانه استطاع عبر مراحل عديدة ان يغير سير الامور فمثلا في فيلمه الوثائقي الاول <<روجيه وأنا>> نجح في ان يلزم شركة جنرال موتورز بألا تغلق ابواب مصانعها لمدة 3 سنوات الأمر الذي سمح للعمال بايجاد بديل يرتزقون منه.

ومرة ثانية أجبر مايكل مور رئيس شركة <<نايك>> للاحذية والملابس الرياضية على منع توظيف الاطفال الاندونيسيين، وذلك لانه كان اجرى معه مقابلة فقال له رئيس الشركة ان الفتى الاندونيسي البالغ من العمر 12 عاما لا يعمل بالشروط نفسها التي يعمل بها فتى اميركي بعمره، وحين خرج الفيلم الى الصالات شعر رئيس شركة <<نايك>> بحرج كبير ما أجبره على إصدار قرار رسمي يمنع فيه استغلال أطفال اندونيسيا كما اضطر لان يرفع سن العمل في مصانعه إلى 18 عاما.

وأما سبب نجاح هذا المخرج المشاغب في الولايات المتحدة اولا ثم في العالم أجمع فيفسره هو نفسه بالقول: <<إن الفارق بيني وبين الصحافيين الذين يعملون بالتلفزات الاميركية هو ان هؤلاء يذهبون كل يوم الى عملهم كما لو انهم في وظيفة عادية بينما انا فانزل الى الشارع واحاول ان ابحث عن اسباب المشاكل وكيفية حلها عبر احراج مثيريها>>.

والواقع ان فيلمه الجديد الذي عرض امس في كان سيبقى دون شك احد ابرز العلامات الفارقة في هذه الدورة خصوصا انه يتزامن مع استمرار الولايات المتحدة الاميركية في فبركة حقائق واختلاق أعذار لتبرير استمرار احتلالها للعراق.

 

السفير - 20.05.2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri