
"النشيد
الجنائزي" لموتسارت:
توصية ماسونية أم تأمل ذاتي؟
هل كان
موتسارت ماسونياً أم لا؟ هذا السؤال كان ولا يزال يشغل بال الباحثين
وبخاصة منهم أولئك الذين انكبوا على دراسة أعمال هذا الموسيقي
الاستثنائي. وفي شكل عام طلع هؤلاء بيقين يقول إن موتسارت كان
حقاً منتمياً الى محفل ماسوني, ولكن لم يكن له فيه ذلك النشاط
الذي يمارسه عادة غلاة "البنائين الاحرار" من الذين يعطون عمرهم
وأوقاتهم لذلك العمل الفكري والاجتماعي الذي يتطلبه الانتماء
الى تلك الطائفة. ومع هذا, اذا كان الباحثون في عمل موتسارت
يقسمون نتاجه الموسيقي الكبير ليضعوه في تصنيفات وخانات محددة
مثل "موسيقى الحجرة", و"السيمفونيات" و"الاوبرات" و"الكونشرتات"
و"القداسات", و"الموسيقى الكورالية" وما شابه, فإن عدداً كبيراً
منهم يضيف خانة محددة يطلق عليها اسم "موسيقى ماسونية". وهؤلاء
يوردون في هذه الخانة, ثلاثة أعمال لموتسارت على الأقل هي "الكانتاتا"
(التي تحمل في تصنيف أعمال موتسارت الرقم ك623) و"الكيد" - الأغنية
- (التي تحمل الرقم ك623أ), وبخاصة "النشيد الجنائزي" (الذي
يحمل الرقم ك477). غير ان هذا الحصر للأعمال "الماسونية" في
مسيرة موتسارت الابداعية لا يمنع آخرين من ان يجدوا توجهات ماسونية,
قد تكون أكثر غموضاً من الناحية الفنية, لكنها في رأيهم أكثر
عمقاً من الناحية الفكرية, حتى في بعض أجواء "الناي السحري"
وحتى في "دون جوان". ومع هذا كله يمكن القول ان العمل الوحيد
الذي يحمل الصفة الماسونية في كل وضوح يبقى ذلك "النشيد الجنائزي"
الذي ألفه موتسارت أصلاً بناء على طلب من المحفل الذي اعتبر
المؤرخون انه ينتمي اليه, وذلك تكريماً لرحيل اثنين من زعماء
ذلك المحفل قضيا في أوقات متقاربة احدهما الجنرال استراتزي.
فهل تكفي كتابة موتسارت لذلك "النشيد الجنائزي" دليلاً على انه
هو نفسه كان منخرطاً في النشاط الماسوني, فكراً وابداعاً, وربما
نشاطاً اجتماعياً نضالياً أيضاً؟
<
هذا السؤال سيظل بالطبع مطروحاً... وليس من مهماتنا هنا ايجاد
اجابة قاطعة عليه. ما يهمنا هنا هو ذلك العمل الذي كتبه موتسارت
في حماسة شديدة, في العام 1788, اي قبل رحيله بأقل من ثلاثة
اعوام. ولعل الغريب في الأمر ان الموسيقي الشاب كتب "النشيد
الجنائزي" في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من ذلك العام, في وقت
كان يعمل فيه بكل جدية على وضع اللمسات الأولى لأوبرا "زواج
فيغارو", كما في وقت كان فيه لتوه قد أنجز بعض أكثر أعماله الموسيقية
مرحاً وتفاؤلاً, ومنها - على سبيل المثال - "الرباعي من مقام
صول صغير من بيانو". صحيح ان هذا العمل الأخير يحتوي على مؤثرات
أولية تتعلق بتعبير موتسارت عن قلقه التراجيدي, لكن بعض مقاطع
العمل (ولا سيما "الاندانتـــي" من مقام سي بيمول) كان يكشـــف
عن غنائية ستجد ذروتها في الخــاتمــة التي أتت لتواصــل سحــراً
موسيقيــاً فاتنـاً كان موتســارت قد بدأ يعبر عنه منذ العام
1789. اذاً, بين خلفيات تأمــلــيــة مشوبة بالقلق, وتعبير غنائي
عن تفاؤل بالحــياة, كانت أعمال موتسارت تتأرجــح في ذلك الحين.
وهكــذا أتى "النشــيـــد الجنائزي" استكمالاً لحيرة تلك المرحلة...
وهو على اي حال, كـان من اخطــر ما ألفــه موتســارت في تلك
المرحلــة من حياتــه, حتى وإن كان لا بد من التذكير مرة أخـــرى
بــأن العمـــل كـــان من نـــوع الوصيــة, اي استجابة لطلب
من الأعيان الماسونيين. هنا, وعلى عادته, تمكــن موتســـارت
من ان يحول عمل التوصيـة ذاك الى عمل خاص جداً, هو - في شيء
من الاختصار - تأمل ذاتي حول الموت: لكنه كان تأملاً لا يخلو
من مزيج من الايمــان والاحتجــاج والتطلع الى الدعة والسلام
مع الذات في نهاية الأمر.
<
فهل معنى هذا ان "النشيد الجنائزي" كان تمريناً موسيقياً عاماً,
بخاصة موتسارت قبل ان يكتب عمله "الأخير", أي "الجناز" الذي
تقول الحكاية ان شخصاً غامضاً قد أوصاه بكتابته ودفع له ثمنه,
كإعلان موت للموسيقي نفسه؟ ربما... ومع هذا, يقول المختصون في
اعمال موتسارت ان هذا الاخير, حتى حين كتب ذلك "الجناز" كان
يعرف انه, في نهاية الامر, انما يكتب لنفسه كاشفاً أسرار أفكاره
وآرائه في الدين والحياة والوجود... والمؤسف طبعاً هو ان هذا
العمل لم يكتمل ابداً على يدي موتسارت, إذ زاره الوباء وقضى
عليه وهو يكتب جزءاً منه شاء ان يعنونه بكلمتي "هومو روسي"...
أما بالنسبة الى "النشيد الجنائزي" فإنه مكتمل... ومكتمل بخاصة
في قدرته على التعبير عن موقف مؤلفه من الموت, اكثر - طبعاً
- مما في قدرته على التعبير عن انتمائه الى الماسونيين.
<
اذاً... كتب موتسارت "النشيد الجنائزي" في العام 1788, ليعترف
في جنازة بعض أعيان الماسونيين من زعماء المحفل الذي سيقال دائماً
ان موتسارت انضم اليه بناء على نصيحة والده... والحال ان الطابع
العمل والمؤسسي لهذا العمل, يكاد يبدو أعجوبة اذا ما قارناه
- كما أشرنا - بأعمال أخرى لموتسارت كتبها مباشرة قبله ومباشرة
بعده. فمن ناحية ظاهرية كانت هذه الاعمال تشي بأن موتسارت يعيش
حقبة متألقة من حياته... ولكن في العمـــق, وكما يكشف لنا "النشيد
الجنائزي" ها نحن اولاً, نكتشف ان ذلك لم يكن الا في الظاهــر.
أما في الباطن, فمن الواضح ان الحس التراجيدي كان بدأ يهيمن
على "طفل الموسيقى المعجزة". ومن هنا فإن الصدق في "النشيد الجنائزي"
يغلب "التصنع" الطاغي على المؤلفـات المعاصرة له, والتي, هي,
تنبض بالنور والحياة.
<
ولعل اول ما يلفت النظر في هذا "النشيد الجنائزي" هو افراط المؤلف
في استخدام آلات النفخ, ولا سيما آلة الكلارينيت التي تقدم منذ
البداية ما يسمى بـ"كانتوس فيرموس... وهو نشيد ذو طبيعة دينية
خالصة. ولئن أتى هذا "النشيد" هنا كلاسيكياً وعتماً في تعبيره
عن العلاقة بين الدين والموت, فإن موتسارت سرعان ما يطور كتابته
الموسيقية ضمن اطار لغة هارمونية ذات "جرأة مفاجئة" بحسب تعبير
الباحثين... وذلك عبر جمل موسيقية شديدة الحداثة وتكاد تكون
"ذات طابع هجومي", اذ تأتي بين لحظة وأخرى لتعكر الصفاء والدعة
التأملية, التي تطبع اولى نوطات العمل... وبعد ذلك إذ تتحوّل
الموسيقى كلها الى نوع من الشكوى التضرعية, يدخل المارش الجنائزي
في شكل مباغت ليقطع سريان الشكوى مصحوباً بـ"الكانتوس فيرموس"
الذي كان قد طالعنا في بداية العمل... وهذا كله يعطي المستمع
شعوراً بأن "الموكب الجنائزي" يقترب ويقترب حاملاً معه الموت,
ثم يُجمد في شكل فجائي وكأن السائرين بالموكب يريدون للجثمان
ان يستريح عند مكان ما, قد تكون له معه ذكرى معينة... وهكذا
إثر هذا الجمود, تبدأ الموسيقى بالاتسام بطابع شديد الألم والرقة
في الوقت نفسه... غير ان هذا الطابع, وخلال اللحظات التالية,
وفي شكل تدريجي يبدأ بترك المكان لنوع من الاستسلام الصامت امام
حقيقة ما حدث: اي أمام حقيقة الموت. هنا يكون الألم تحول الى
اذعان, وتذوب الألحان في نغمة تبدو وكأنها تعبر عن شعاع شمس
فجائي يغمر المكان, ممزقاً كل تلك الغيوم الرمادية التي تكون
قد استسلمنا لها: انها راحة اليقين, بعد قلق الألم الأول.
<
واضح من هذا الوصـف ان هـذا العمـل انما يعبر عن تأملات عميقة
كان اميديوس وولفغانغ موتسارت (1756-1791) قد بدأ يتأمل الموت
بها: الموت في صورة عامة, وموت الآخرين, ثم موته هو شخصياً.
تأملات تعبر, في الحقيقة, عن خوفه أمام خطر كان بدأ يكبر لديه
بقرب النهاية. ولعل هذا الطابع الذاتي الصادق, أفضل وأجمل سمات
هذا العمل الــذي هو عمل نابع من داخل الموسيقـــــي, حتى وإن
كان عمل توصية أوصاه به الماسونيون. وهذا العمل يصنف عادة بين
نتاجات موتسارت الكبرى الى جانب اوبراته العظيمة وسيمفونياته,
ولكن بخاصة الى جـانـــب تلك الاعمال الدينية التي لم يفت الباحثين
ان يقولوا دائماً انها أعمال فلسفية أولاً وأخيراً.
إبراهيم
العريس - الحياة - 2004