حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الخيال المقدس
والعالم الخفي للخروج عن الجسد

تخبرنا المعرفة الشائعة بان الأحلام هي مادة غريبة عن وعينا، وإنها تحتوي علي عناصر مشوشة، ولكن السؤال هل الأحلام أكثر غرابة وغموضا من التجارب الذهنية الأخري؟ وهل يوجد ثمة شيء يخص حالة الأحلام وينتج أشياء غير معقولة وترابطات غير اعتيادية أكثر من هذه الأنشطة الذهنية؟ أعني كما في حالة القص او الصور الفنتازية والتذكر.

في مرات عديدة وقفت أمام شجرة وأغمضت عيني محاولا رؤية الشجرة في خيالي, أحيانا تظهر أجزاء من الشجرة او الشجرة كلها للحظات قليلة ثم تختفي، او تتداخل معها صور وأجزاء أخري من الذاكرة او الكون، حتي بدا لي ان الكون بأسره كائن في الذهن وليس في العالم الخارجي، لذا فان ما نراه في العالم الخارجي (المادي) هو انعكاس لتوقعاتنا ورغباتنا وذكرياتنا وخلفيتنا المعرفية الحالية. أود ان أتحدث في السطور التالية عن موضوع يعتبر في غاية الأهمية لعلماء النفس المعاصرين ودارسي فيزياء الكم (نوع من الفيزياء يدرس مكونات الذرة، كالإلكترون البروتون والنيترون) وخاصة مقاربات الفيزيائي David Bohm ديفيد بوم حول implicate order and explicate order، أي العالم المنبسط او الظاهري والعالم الخفي او الضمني. بالنسبة لفيزياء الكم تري بان الكون برمته هو عبارة عن طاقة او وعي، حياة، وذكاء متجسد في الأشياء المرئية وغير المرئية، وليس ثمة شيء في الكون لا يتمتع بالحياة، حتي الأشياء التي اصطلحنا ان نصفها بالجماد انها حية علي صعيد التكوين الذري، وان الكون ينطوي علي نظام هرمي في المعرفة، وهناك مستويات عديدة بين التجسد الظاهري (المادي)، او اللاتجسد والعودة ثانية إلي مستوي غير مرئي علي شكل طاقة وضوء ومعلومات (نظام خفي)، ويتكرر هذا التداخل كثيرا في حياتنا، هناك أشياء تولد يوميا وتموت أخري، لكننا في حالة الموت النهائي (اعني توقف العمليات البيولوجية في الجسد)، فان ثم شيء ما يختفي ليعود إلي النظام الضمني دون ان يتجسد ثانية في العالم المرئي.

ان عالم الخيال، او العالم الخفي لا يختلف كثيرا عن عالم الواقع وان اختلف ففي الدرجة فقط، بالنسبة لوجهة نظر فيزياء الكم او النظرية الكوانتية، فان هناك أكوان أو عوالم أخري نتواصل معها وخاصة أثناء النوم، والروحانيون منهم يعتقدون بان هنالك آلهة أخري، بالنسبة للنظرية الكوانتية تري ان الخالق والمخلوق مشتركان في عملية الخلق، وان التجربة وموضوع التجربة والمجرب جميعهم متداخلون، مقارنة بالفيزياء الكلاسيكية والتي تري بان المجرب منفصل عن موضوع تجربته بشكل موضوعي، او ان الخالق منفصل عن المخلوق. سأدع الحديث عن فيزياء الكم جانبا، اني ذكرته للاستفادة من جانبه العلمي المرتبط بالموضوع الذي سأتحدث عنه أعني الأحلام الواعية Lucid Dreams، لقد كتبت عن الموضوع عشرات الكتب ومئات او آلاف المقالات، وان الأحلام الواعية معروفة منذ قرون في الثقافة الغربية، لكن لم يتناولها احد في الدراسة والبحث وتسليط الضوء عليها كظاهرة تتناول حالات الوعي غير الاعتيادية كما في الوقت الحاضر. أيضا اني لم أقرأ او اسمع حتي هذه اللحظة أحدا يكتب او يشير لها في الصحافة والكتب العربية. لذا أحببت ان اقدم للقارئ العربي هذه السطور المتواضعة علها تفيده في شيء ما. وفي نهاية المقال ثمة نماذج من أحلامي وتجربتي الشخصية في هذا المجال.

اعتمدت في مقالي هذا علي كتابات أهم الباحثين في هذا الحقل، الباحث الأمريكي، ستيفن ليبارج، والباحث الألماني بول ثولي والباحثة باتريشا كارفيلد، ان كلمة Lucid في الانجليزية تعني واضح او صاف، لكنها في مصطلح Lucid dreams (تعني نوع من الأحلام يحدث بينما الشخص يعي بانه يحلم). بادئ ذي بدء دعنا نتساءل ما هي الأحلام الواعية وعما تختلف عن الأحلام الليلية الاعتيادية، وسأترك الحديث إلي الدكتور ليبارج اذا حلمت حلما واعيا فان تجربتك للعالم ستكون مختلفة جدا عما هي عليه في حياة اليقظة، ستعرف بان كل ما موجود هو حلم، ولهذا السبب فان العالم من حولك يميل إلي إعادة تنظيم نفسه ويكون متحولا اكثر مما هو عليه في الأحلام الاعتيادية،أشياء مستحيلة يمكن ان تحدث، وحتي مشهد الحلم نفسه عوضا من ان يختفي حينما تدرك بان ما تراه ليس حقيقيا فقد يزداد وضوحا وإشراقا حتي تجد نفسك مصعوقا من البهجة. أما اذا كنت حالما بشكل تام ستدرك بان عالم الأحلام برمته هو في داخلك، وبهذا الإشراق فقد تحصل علي شعور مبهج بالحرية. ليس ثمة شيء خارجي، لا قوانين اجتماعية او مادية تقسرك علي عمل شيء، يمكنك ان تفعل كل شيء تفكر فيه او أي شيء تعتقد بإمكانك فعله، ربما تطير إلي السماوات، ربما تواجه الظروف التي تتجنبها بخوف، او تستمتع بلقاء ايروتيكي يفوق ما يمكنك تخيله في السابق، او ان تعيش او تتوحد رمزيا مع جانبك الإيجابي، او ربما تكتشف ما هو الشعور عند زيارة شخص اصبح وراء عالم الحياة، او البحث عن مستوي معين من المعرفة والحكمة (P.H.D. 2004ٍ Stephen Laberg).

نتاج احلامنا المجرد

يمكننا ان نزيد من نتاج أحلامنا بمجرد ان تكون لنا الرغبة في الاستمتاع بها والقراءة بصددها وتدوينها، من الأفضل وضع مذكرة للأحلام قرب السرير، وحينما نستيقظ من النوم علينا ان نبقي مسمرين وان نحاول تذكر قصة الحلم، عادة ما تحدث الأحلام علي شكل قصص، أحيانا تبدأ القصة من النهاية ثم شيئا فشيئا نتابع مجريات الحلم حتي نصل إلي نقطة لا يمكننا عندها تذكر أي شيء، في هذه الحالة من الأفضل ان ننقلب إلي وضع آخر من الاستلقاء، أي اذا كنا نائمين علي ظهورنا ننقلب علي الجنب الأيمن او الأيسر ثم التمدد علي البطن، يحدث دوما ان في كل وضع من النوم ثمة سلسلة مختلفة من الأحلام.

تقول الباحثة باتريشا كارفيلد في كتابها الأحلام المبدعة حينما تحلم حلما واعيا ستحصل علي تجربة مثيرة، ببساطة سينتظم وعينا وفقا لأفكارنا، وإننا ندرك بان هذا حلم لا غير وإننا أحرار بشكل لا يصدق من جميع قيود الوعي والزمان والمكان. حينما تكون حالما واعيا بمقدورك فعل أي شيء في حلمك، بإمكانك الطيران إلي أي مكان تشاء، او ان تجرب ممارسة الحب مع أي شريك تختار، او الحديث مع أصدقاء راحلين، او أناس مجهولين، بإمكانك ان تري أمكنة في العالم الذي تختاره، وتختبر العواطف الإيجابية في جميع مستوياتها، او تحصل علي أجوبة للأسئلة التي تزعجك، او ان تراقب النتاجات الإبداعية، وتستخدم كل المصادر المادية المخزونة في عقلك بمجرد ان تكون واعيا في أحلامك.

تقول أيضا ((ربما نكون قادرين علي إثارة الأحلام الواعية بواسطة القراءة او السماع عنها، او ان نوحي بها لانفسنا ومن المهم ان نقرر ما الذي سنفعله عندما نحصل علي واحد منها)) (Patricia Garfield,Ph.D. 1995).

تفيد الأحلام الواعية في الفن والكتابة الإبداعية، وذلك قبل الاستغراق في النوم علينا ان نفكر باننا سنشاهد مشاهد تتعلق بموضوع نتاجنا، وبعد انتهاء الحلم او الاستيقاظ منه ندون ما رأيناه وان بدا لا يمت بصله لموضوع نتاجنا، وخلال النهار نفحص ما رأينا في الحلم ومعرفة كيف يرتبط بموضوعنا.

تقول فاريبا بوغرين، إحدي الفنانات التي تعيش في سان فرنسيسكو، انها كانت تحلم أحلاما واعية لسنوات عديدة، وكانت غالبا ما ترتاد غاليرهات الفن في أحلامها والإعجاب بمواد الفن الأصيل الذي تشاهده، ومن ثم ترجمة هذه الأحلام في رسمها علي قماش الجنفاص خلال ساعات يقظتها، بعد فترة من الوقت بدأت فاريبا بوغرين تحتضن ما تسأل عنه في أحلامها في حضرة الروح العظيمة لتعيش تجربة الفن المقدس.

تجارب الخروج عن الجسد

حين يتم الحديث عن الأحلام الواعية، ثمة موضوع آخر يتم الحديث عنه يشترك معها في خصائص كثيرة، اعني تجارب الخروج عن الجسد Out of the Body Experinces انها تجارب شخصية يشعر بها الفرد بانه قد غادر جسده المادي، بتفسير بسيط، تبدو تجارب الخروج عن الجسد كما لو ان الوعي قد تمدد، وثمة تفسير يقول بانها نوع من الهلوسة، إلا ان هذا التفسير يستدعي بعض الأسئلة، لماذا ان بعض الأشخاص لهم نفس الأوهام او الهلاوس.

يعتقد الكثير بان التفكير يتم في موضع ما داخل الدماغ، لكن عبر منظور فيزياء الكم، فانه ليس ثمة مكان، المكان نوع من الوهم، وإذا نظرنا للكون عبر هكذا وجهة نظر، فأن جميع الأشياء ليس لها مكان محدد، كل شيء يتحرك في اللامكان، وبضمنها وعينا نفسه. يضرب ميشيل تالبوت مثلا في كتابه Holographic Universe تخيل بانك تحلم، وانك أثناء حلمك زرت معرضا فنيا مزدحما، وخلال تجولك بين الناس والنظر إلي الأعمال الفنية، يبدو ان وعيك متموضع في رأس الشخص الذي يحلم، ولكن اين وعيك حقا؟ ان تحليل سريع سيظهر بان وعيك في الواقع في كل شيء في الحلم، في الناس الآخرين الذين حضروا المعرض، في الأعمال الفنية، وحتي في مكان الحلم.

أيضا يبدو ان الزمن لا وجود له في تجارب الخروج عن الجسد، يتحدث الفيزيائي ديفيد بوم عن إقليم او مستوي قريب جدا من implicate order، النظام الضمني او الخفي، ومع ذلك قريب جدا من مستوي الواقع حيث لا وجود للماضي او الحاضر او المستقبل، أي انعدام الزمن.

يري الباحث الأمريكي ستيفن ليبارج بان (تجارب الخروج عن الجسد ظاهرة طبيعية لعمليات الدماغ، لذا باننا نؤمن بان هذه التجارب هي أحداث ذهنية تحدث للناس المعافين عقليا).

ان تجارب الخروج عن الجسد تشبه الأحلام الواعية، ومع ذلك فانها استثنائية، وان الكثير من الذين عاشوا مثل هذه التجارب، قالوا بانها اكثر واقعية من الأحلام.

انها أيضا تشترك مع الأحلام الواعية بان يكون الجسد في كلاهما في حالة استرخاء او منعدم الحركة لقد قام الدكتور ستيفن وزملائه بتجارب مختبرية في جامعة ستانفورد، كذلك هناك أدلة بان الأشخاص الذين يحصلون علي أحلام واعية بإمكانهم عيش تجارب الخروج عن الجسد او السيطرة علي أحلامهم.

الأحلام الواعية في الرياضة

يمكن الاستفادة بدرجة كبيرة من الأحلام الواعية في الرياضة، يري الباحث Paul Tholey، بان جوهر ألانا بإمكانه مغادرة جسد الحالم والأنوجاد علي شكل نقطة فقط، وعلي الرغم من انه لا فم له يمكنه الحديث. أوضحت الدراسات بمختلف العالم بأن التخيل له تأثير كبير علي أداء الرياضيين، بالنسبة لمعرفة كاتب هذه السطور، حدث لي مرة في أحد الأحلام الواعية بأنني ركضت 15 ميلا، وكنت اشعر بالخفة كما لو ان جسدي كان يطير فوق ساحة الرياضة بدلا من ان يركض، وبعد ان استيقظت في الصباح ذهبت إلي ساحة الركض وأنا احمل بداخلي مزاج الحلم، وبدأت اركض لمدة ساعتين دون توقف فقطعت 13 ميلا دون شعور بالتعب. كذلك الدراسة التي قام بها السيكولوجي الاسترالي Alan Richardson علي لعبة كرة السلة تبين أهمية التدريب الخيالي في التأثير علي أداء الرياضيين، أخذ ريشاردسون ثلاثة مجاميع من لاعبي السلة واختبر قدراتهم بالقيام بتسديد ضربات حرة، ومن ثم وجه المجموعة الأولي بتسديد ضربات حرة لمدة عشرين دقيقة، واخبر الفريق الثاني بان لا يتدربوا، وسأل الفريق الثالث ان يقوموا بتسديد ضربات حرة في خيالهم، وكما هو متوقع فان المجموعة التي لم تتدرب لم تحصل علي أي تطور في قدراتها، والمجموعة الأولي حصلت علي نسبة 24% من التطور، ولكن عبر قوة التخيل وحده تطورت المجموعة الثالثة بنسبة 23%، تقريبا، كما المجموعة الأولي التي تدربت في الواقع. (Michael Talbot, The Holographic Universe)

في حوار ممتع قام به الباحث ستيفنسون مع الباحث بول ثولي حول وجهة نظر الأخير بصدد شخصيات الحلم، فيما اذا كانت تري العالم او تسمع او تشعر بكل شيء أم لا؟ يقول ثولي ان (الأنا) الحالم لا يتطابق مع (الأنا) اليقظ، أو أنا حياة اليقظة، لهذا السبب فأننا في بعض الأحيان لا نتذكر أحلامنا. يتعجب ستيفنسون معقبا: اننا نعرف بان هناك (أنا) بجسدين مختلفين، ولكن المشوق والجديد كما تقول بأن هناك نفسين او ذاتين، والسؤال هل يسهل عليك إنتاج ذلك؟ فيجيب ثولي: ان ذلك ممكن في تجارب الخروج عن الجسد، وإنها فعالة فقط في ثلث من الحالات، وتحدث حينما أكون في الحلم، أقطع الأنا او الشخصية الحالمة، اذا لم استطع قطعها عند المنتصف تماما، فأنني احصل علي شخصية واحدة فقط، لذا انني اقطع جوهر الأنا عموديا وأفقيا عند منطقة البطن تماما، ان جوهر الأنا هو اصل الرؤية، اصل الإرادة وتوجيه انتباه الأفكار والكلام.

يمكن مقارنة الأوضاع في الحلم بغرفة التدريب علي الطيران (غرفة مزودة بالمعدات والأجهزة وتبدو للشخص كما لو انه جالس في طائرة حقيقية)، وبما ان الغرفة تستخدم لتعليم كيفية قيادة طائرة حقيقية، فأن الأحلام خاصة الواعية منها بمقدورها ان تعلم الحركات عبر الأعضاء الجسدية في حياة اليقظة الحقيقية للترابط الوثيق بين الحس والعمليات الحركية. يشعر الرياضي، بانه المؤدي والمشاهد في نفس الوقت، وهذا يعني السيطرة الجيدة علي الحركة من الداخل كما من الخارج، وهذا لا يحدث إلا في الأحلام الواعية، بسبب ان جوهر أو مركز الأنا يمكنه ان يغادر جسد الحالم ويكون نسخة ثانية في جسد المؤدي، بالإضافة إلي كونه مشاهد (Paul Tholey, 1986).

الحياة قصيرة

لنفكر في الوقت الذي نقضيه في النوم والانتظار في إشارات المرور، او الجلوس في عيادة الأسنان او طوابير الأسواق، الحياة قصيرة والأسوأ اننا نقضي ثلثها في النوم، يمكننا ان نغير حياتنا عبر السيطرة علي أحلامنا الواعية وبواسطة هذه الساعات المضافة من الأحلام الواعية يمكننا إغناء حياتنا والتمتع في حياة اليقظة. يمكننا مضاعفة حياتنا بواسطة الأحلام الواعية، ويمكننا إبقاء لا المعرفة وحدها بل مزاج الحلم الذي نعيشه خلال ساعات النهار، وجميعنا يعرف تأثير الأحلام الجيدة علي حياة النهار وذلك الشعور بالخفة الذي تكتسي به نشاطاتنا والاستجابات الجميلة من الآخرين والانسياب الممتع في كل شيء، والعكس صحيح أيضا، الأحلام تكوّن مزاج حياة اليقظة سواء تذكرناها أم لا.

وبدلا من ان نقضي الكثير من أوقاتنا في الأفكار والمشاعر السلبية والكراهية، علينا ان نواجه حياتنا بخفة قلب، لا ان نأخذ الأحداث الخارجية بجدية كبيرة وصرامة، وان نؤسس في داخلنا مواقف مرنة لحياة إيجابية منيعة عن خشونة وقسوة العالم الخارجي. ان ما نلاقيه في العالم الخارجي يعتمد علي بنيتنا النفسية في الاستجابة والتفاعل، كذلك علي قوة حياتنا الباطنية، وإلا لماذا تكون لنا استجابتان مختلفتان لنفس الموقف، او ان ردود فعل شخصين لظاهرة واحدة لا تتشابه، اعتقد ان هذا يعتمد علي موقفنا او مزاجنا في تلك اللحظة.

كيف تتذكر أحلامك

ان تتذكر أحلامك هو موضع البداية للحصول علي أحلام واعية، اذا كنت لا تتذكر أحلامك، فحتي لو حصلت علي حلم واع فانه لا يمكنك تذكره، عليك ان تتذكر حلم واحد علي الأقل كل ليلة، ان الحصول علي مزيد من النوم هو الخطوة الجيدة لاسترجاع الأحلام، الحلم الأول من الليل عادة ما يكون قصيرا، ربما 10 دقائق، ولكن بعد ثماني ساعات من النوم قد يصل طول الحلم إلي ساعة او ساعة ونصف، اننا جميعا نحلم كل ليلة، والناس الذين يقولون بأنهم لا يحلمون، ببساطة انهم لا يتذكرون أحلامهم.

تحدث الأحلام خلال مرحلة من النوم تدعي (REM)، اختصارا Rapid eye movement، حركة العين السريعة، وتمتد إلي 90 دقيقة، يشير دارسو الأحلام، بان الأحلام لا تسترجع بشكل جيد ما لم يستيقظ الفرد مباشرة من الحلم، بدلا من ان ينتقل إلي مرحلة أخري من النوم. من المفيد، بينما تتذكر أحلامك ان يكون لديك مذكرة للأحلام، ابقي المذكرة قريبة من سريرك وبدا بتسجيل كل أحلامك، لا الكاملة او الممتعة او المتجانسة فقط، بل كلها، حتي لو كنت تتذكر وجه ما او غرفة، دونها. اتباع هذه الخطوات يساعدك في التذكر:

1- الاستيقاظ من النوم بهدوء، بعض الناس يتذكرون أحلامهم بسهولة اذا ما استيقظوا بهدوء والبعض الآخر يتذكرون أحلامهم بمزيد من السهولة اذا استيقظوا بشكل مفاجئ او فظ. حينما تستيقظ ابقي عينيك مغمضتين ولا تتحرك او لا تتحركي، اذا كان لدينا شريك في السرير علينا إخبارها او إخباره مقدما بان لا يلمسنا او ان يفتح الضوء، لان أي حركة مفاجئة ربما تؤثر علي الذكريات الهشة للحلم.

2- استدعاء او تذكر حلم واحد علي الأقل كل ليلة. وإذا استطعت تذكر حلمين او ثلاثة فهذا افضل.

3- وفقا للدكتور بول ثولي، ان تطوير موقف فكري نقدي تجاه حالة وعيك عبر سؤالك لنفسك فيما كنت الآن تحلم أم لا في حياة اليقظة يساعد بإحداث الأحلام الواعية، انه أيضا يؤكد علي أهمية السؤال (هل أنا في حلم أم لا؟) علي الأقل خمس مرات في اليوم، في كل حالة او مشهد يبدو شبيها بالحلم. ثم ملاحظة فيما اذا كانت هناك علامات للحلم. أيضا السؤال خلال وقت الاستعداد للنوم وقبل الاستغراق فيه، باتباع هذه التقنية فان معظم الناس سيحصلون علي حلم واع خلال شهر.

4- يمكننا تصور أنفسنا نشغل جهاز التلفزيون لنري أحلامنا، او نقوم بتصور آخر، كأن نقوم بفتح ستارة او الخطو في غرفة ما لرؤية أحلامنا.

5- يمكن البدء بتدوين أجزاء الحلم، أو حتي الشظايا، او ربما شظية واحدة، مشهد، شخص، شعور غامض، مادة ما، تذكر الأحلام يمكن ان يتطور من تذكرك الشظية.

6- اذا استيقظت خلال الليل واسترجعت أحلامك دونها بسرعة، قبل ان تتناول طعاما او شرابا او اخذ حمام علي سبيل المثال، اذا لم تفعل فأنك ستنساها عند الصباح، لا تتذكر شيئا وانك نسيت الكثير من التفاصيل الممتعة. يبدو ان ثمة ماسحات للأحلام مبنية في أدمغتنا مما يجعل التذكر اكثر صعوبة مما هو عليه في الأحلام الواعية، ان احد أسباب نسيان الأحلام، هو تدخل بعض الأفكار المنافسة لحيازة انتباهك. لذا دع أول سؤال يخطر علي بالك بعد الاستيقاظ هو ماذا حلمت قبل قليل، قبل ان تدون الحلم راجعه في ذهنك واعد سرد قصته لنفسك، لا تتحرك من وضع النوم الذي أنت فيه.

أيضا ان وضع عناوين للأحلام يساعد في تذكرها وهذا ما أقوم به شخصيا.

تجارب شخصية في عالم الأحلام الواعية

فرانز كافكا

في الحلم وجدت نفسي متحولا إلي الروائي فرانز كافكا أسال رجلا أكبر سنا مني (هل ان تحولي حقيقي؟)، فيقول نعم انظر إلي طوابير الناس المتلهفين لرؤيتك، تقترب الحشود مني، أتطلع إليهم، فأري في مقدمتهم شابا بملامح تشبه ملامحي قبل ان أذهب للنوم، يقول الشاب كنت شاهدا علي عملية تحولك، لا تستغرب ان الزمن مليء بإمكانات هائلة، حدث ذلك في الثالثة فجرا واني كم أتمني ان اتماهي معك، قلت لا يهم فرأيت الشاب يختفي، بعدها نظم الرجل المسن مجاميع الناس المتلهفين لرؤيتي، أري نفسي بجوار فتاتين، أقول لهما أبدءا بسؤالي لدي المزيد من الوقت، ولا يهم حتي لو تأخرت عن الكتابة. تسألني الفتاتان عن قصة مستوطنة العقاب، تقولان: لا نعرف عنوانها بالإنكليزية، إلا ا انها تدور حول العقاب، جندي يُعاقب أو شيء يشبه ذلك، والسؤال لماذا الضابط المعاقب يأخذ دور الجندي المعاقب؟ أقول: آه، أرأيتما الموقف الإنساني الذي تخلل المشهد، تقولان: نعم. تأتي فتاة أخري فتنظم إلي مجموعتنا، بحركة رشيقة أخرج ورقة وأقوم بتدوين الأعمار 19، 25، 35 ، ثم أسأل الفتاة التي تقف إلي جوارنا ان كانت ترغب بأخذ دوري فتصبح هي كافكا وأنا الفتاة، أقول: سنتبادل الأدوار كما في مستوطنة العقاب، من منا المؤلف ومن منا القاريْ لا يهم، من منا كافكا ومن منا الفتاة؟ تقول واحدة أخري ارغب بالتقاط صورة تذكارية معك بشرط ان تكون عاريا من جميع ثيابك، أقول: كما تحبين وأشرع بخلع ثيابي، أبدو أنا في الأربعين من عمري وبجسد نحيل وبأذن بارزة كصورة كافكا المشهورة علي أغلفة الكتب.

شقة في بناية فيلا ريفيرا، 2003

كلب الكاميرون

يدور الحديث بيني وبين خالتي عن بناتها وسلوكهن المنحرف، تقول الخالة: ((لا تلمني، الظروف لا يمكن ان تحزر، مثل ما حدث لأخيك وكلب الكاميرون)). أقول: ((ما الذي حدث لأخي وكلب الكاميرون؟)). تقول: ((كان الكلب مرة يلعب مع أخيك، انه كلب ضخم بحجم 25 25 بوصة، كان أخوك مستأنسا بوجوده فقضيا فترة من الرفقة الرائعة. انه يغيب لأيام ثم يعود وهو يحمل هدية بين يديه، كان أخوك يقلب الهدايا بابتهاج ناسيا كل ما يشده إلي العالم الخارجي، كانا يقضيان أوقاتا حميمة في الباصات / الحدائق / المكتبات/ في الأماسي / عند الفجر. لم يدر بذهن أخيك ولو مرة واحدة السؤال عن الأمكنة التي يختفي بها كلب الكاميرون أو من أين يأتي بالهدايا غير ان ما حدث لم يكن بالحسبان، وبينما هما في ظهيرة احد الأيام بغرفة علي مبعدة من الآخرين، هجم علي أخيك كلب الكاميرون، صرخ أخوك صرخة حادة كنا عند قدميه في الحال، إلا ان الوقت قد تأخر، لقد هجم الكاميرون بشراسة واخذ ينهال علي جسد أخيك بأنيابه ليختطف جزءا من قحفة رأسه ويتواري، تاركا أخاك يهيم في الحارات بثياب متسخة دون وعي بما ضاع من عقله، أو السؤال كيف حدث ذلك.

فيلا ريفيرا، 2003

تطفل

زوجتي تعطيني علبة أصباغ وقلاية ذات فتحة واسعة وتقول عليك بتسخينها لتحصل علي مستقبل باهر، أضع الأصباغ في القلاية واشعل نارا تحتها، أري طبقات من السحب الملونة تتكاثف إحداهما فوق الأخري، طبقات بلاستكية شفافة تتصاعد ثم تنزل كحبات مطر ساخنة، اهرب من القلاية، فاري فتاتين تتعانقان علي سرير من الخشب في ممر مجاور.تلتفت واحدة من الفتاتين لتقول لماذا تتطفل علي قدرنا، أقول هربت من نثار حمم مستقبلي المحروق وأنا أشير إلي خارطة طريقي المرسومة بطريقة جذابة اسفل ظهرها.

الطحين والقمل

نجلس أنا وأختي سلوي في باحة البيت المشمسة، هي لديها طحين تريد ان تصنع منه خبزا، تضع الطحين في طاسة وتضيف إليه ملحا، هناك مجموعة من القمل في الطحين، تحاول هي ان تخرج القمل بمسكه بأطراف أصابعها، يقول أبي الجالس عند مدخل البيت: لا تعذبي نفسك بعزل القمل عن الطحين، هناك طريقة افضل، اذهبي إلي السوق واجلبي قطعة قماش ناعمة وانخلي الطحين فيبقي القمل عالقا علي السطح. ذهبنا أنا وهي إلي السوق فوجدناها خالية إلا من النفايات المتراكمة علي البسطات. قالت سلوي وهي تتأوه ((ماذا نفعل، سيموت أبي وزوجته من الجوع، دعنا نذهب إلي تلك البيوت المجاورة)). مررنا بأراض منخفضة فترددت إلي سمعنا أغاني ريفية وحين اقتربنا من الأصوات كان ثمة احتفال في شقة كبيرة، مجموعة من الشبان بثياب عسكرية وأجساد مفتولة العضلات يتناولون الأطعمة الشهية والي جوارهم محل مليء بالأشياء. قال أحدهم لأختي ما الذي تحتاجينه؟ قالت: بعثنا أبي لشراء قطعة قماش نعزل بها القمل عن الطحين. قال الرجل: لماذا تتعبين أصابعك الجميلة بهذا العمل، لدي في المخزن أصناف من الطحين الجيد وهو يتفرس بساقي أختي الجميلتين. ابتعدا الرجل وأختي تجاه المخزن وهو يقول خذ ما ترغب به من الرفوف سنعود بعد قليل. شعرت بكراهية لا حدود لها لأبي كيف تركنا نذهب أنا وأختي دون التفكير بالعواقب، كم تمنيت له الموت في تلك اللحظة. سمعت أنة مكتومة كأنها صرخة انطلقت من جسد أختي، ذهبت لنجدتها فوجدت الباب مغلقا. أخذت أشياء المحل تدور بعيني كأنها أرغفة خبز تنضج بشكل كريه علي جسد أختي لتندفع إلي فم أبي المفتوح دوما في ساحة البيت المعتمة.

فيلا ريفيرا، 2003

ضرب الشكل الأسود

اني وحدي في محل الحلاقة، تدخل عائلة مكونة من عشرة أشخاص بأعمار مختلفة، أب وأم واخوة وأخوات، أسألهم: كم شخص يريد الحلاقة؟ يقول الأب: شخص واحد. أقول في داخلي كيف يأتي كل هذا العدد من أجل حلاقة شخص واحد. بعدها أري ضوء النيونات يخفت او يقلل والعائلة تخرج. ثمة شكل اسود ضخم يدخل من الباب الخلفي للمحل، ثم يخرج من الباب الأمامي بينما أنا ارقبه إلي جوار كرسي الحلاقة، اخرج خلفه كي أتأكد من هو هذا الشخص او الشكل، غير اني لم أستطع رؤيته، أعود من الباب الأمامي وبينما اتجه إلي الباب الخلفي أراه يدخل مقتربا مني محاولا ضربي. في تلك الأثناء، أدرك بأنني احلم وإلا ما يعني ان يقلل الضوء او يعطل وتأتي عائلة من عشرة أشخاص من اجل حلاقة شخص واحد، أقول طالما اني احلم فدعني أضربه انه لا يمكنه إيذائي مهما كانت بنيته ضخمة، فأكيل له الضرب بقبضة يدي علي وجهه وبطنه فينهزم. ثم يتغير المشهد هناك مجموعة من النساء يتمددن عاريات ويكشفن عن أعضائهن عن الأنثوية، أتطلع إلي الفروج والمؤخرات بينما هن يتمددن بأوضاع مختلفة. الي جوارهن هناك أيضا فتيات شقراوات بأعمار لا تتجاوز الخامسة عشرة، أقول بما انني احلم لماذا لا استمتع بوقتي مع الفتيات الصغيرات؟ أسال فتاة شقراء ان تذهب معي للحمام وتكشف لي عن ثيابها لاري أعضائها، استيقظ.

فيلا ريفيرا، الخامسة فجرا، 3-8-04

الجريدة والبندقية

بناية قديمة، في الطابق الأسفل هناك إدارة تحرير جريدة أنا وصديق لي (ص) ندخل هناك، الصديق سبق وان نشر في الجريدة ونحن هناك لأخذ بعض الأعداد من الجريدة، أساله ان كانوا سيدفعون له مقابل النشر، أقول بما ان الجريدة تباع والإدارة تحصل علي الريع لماذا لا يدفعون لك عن النشر؟ في هذه الأثناء أحدهم يخرج الأعداد من الأرشيف، ثم يخبرني او يخبرنا بان المدير سيأتي، أقول: هل هذا يتطلب منا ان نخرج من الغرفة أم ماذا؟ يقول: لا. اخرج إلي ساحة البيت، في الطابق الأعلي أري أشخاصا يرموننا ببعض كرات من الأوراق ويصفوننا بمساعدة المحتلين. اخرج وأتمشي في الشوارع، احد الصبيان يمشي علي دراجة ومعه بندقية، اقف ونبدأ في الشجار وشيئا فشيئا آخذ البندقية منه، إلا انني أدرك باني لا اعرف ان استخدامها، في هذه اللحظة يأتي مجموعة من الأشخاص ومعهم بعض الأسلحة، أقول اذا اقترب احد مني سأطلق النار، أدرك باني احلم، أقول: بما اني احلم ولن يتأذي احد، لماذا لا اجرب استخدام البندقية واطلاق النار عليهم، وبينما افعل ذلك انتشر دوي هائل متقطع فاستيقظت.

الاستيقاظ في الثالثة فجرا، فيلا ريفيرا، 6- 10- 2003

القاموس في الحمام

ادخل إلي حمام شقتي فاري قاموس المنجد مفتوحا علي المغسلة، اني دوما أضعه فوق منضدة الكتابة ونادرا ما انقله خوفا من تمزقه، استغربت لوجوده هناك، قلت ربما اني احلم والا فما معني ان يكون القاموس مفتوحا في الحمام علي المغسلة؟ قلت دعني افحص الواقع من حولي، اجرب الطيران من مكاني، اقفز عن الأرض فإذا بي ارتفع دون ان اسقط لفترة اكثر مما هي في الواقع، بقيت معلقا في الهواء وشيئا فشيئيا أخذت أطير بين أروقة البيت وأنا مستلق علي بطني ويداي ورجلاي مفتوحة، يداخلني شعور كبير بالبهجة، قلت لنفسي لماذا أظل محصورا بين الأروقة، دعني أطير في الفضاء، نظرت من النافذة فرأيت ان الظلمة تنتشر فغيرت رأيي واستيقظت.

 

كاظم الحلاق / فيلا ريفيرا - (ألف ياء) - 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri