حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

أليساندرو باريكو يقدّم قراءة فريدة لإلياذة هوميروس

“جـــمــــال” الحـــرب

في كتابه هوميروس، الإلياذة يحاول الكاتب الإيطالي اليساندرو باريكو اعادة قراءة الإلياذة. في بغداد عام 2004، كما في طروادة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد، الحرب هي بحسب باريكو تلك اللحظة من الجمال المطلق الذي يضفي معنى على الوجود. السلام لن يصير ممكناً الا يوم ننجح في ابتداع جمال آخر، ساطع في الطريقة نفسها انما اكثر عذوبة. فكرة قد تبدو صادمة عند المقاربة الاولى، لكنه يشرحها ويفندها على ضوء قصيدة هوميروس الملحمية المشهورة لتبدو اشد لصوقاً بواقع القرن الحاري والعشرين. وهنا ترجمة لأهم ما جاء في مقدمة الكتاب التي نشرتها لو كورييه انترناسيونال في عددها رقم 727.

ان تقرأ الالياذة في اوقات كهذه ليس عملاً عبثياً. قراءتها او اعادة كتابتها كما فعلت. نحن في زمن حرب، حتى لو استمررت في التفكير في كلمة حرب غير ملائمة للاشارة الى ما يحصل اليوم في العالم. الأكيد اننا في عصر عادت خلاله احدى البربريات الصلفة التي ربطت طوال الفيات بتجربة الحرب لتصير مجدداً جزءاً من يومياتنا. معارك، اغتيالات، عنف، تعذيب، قطع رؤوس، خيانات، بطولات، أسلحة، مخططات استراتيحية، متطوعون، انذارات اخيرة، اعلان حروب. كل العدة الفظيعة والساطعة التي شكلت في ازمنة سحيقة متاع انسانية محاربة، عادة لتطفو مجدداً على سطح الهاوية حيث اعتقدنا انها دفنت عميقاً.

ماذا يعني في عصر كهذا ان نكرس كل المساحة والوقت والاهتمام لتحفة تمجد الحرب وتثني على انسانية محاربة؟ لِمَ بين كل القصص نحن مشدودون الى هذه القصة كضوء متسرب من غياهب زمننا؟ لن نتمكن من الاجابة عن هذا السؤال الا اذا تمكنا من فهم ما يربطنا بقصص الحرب كلها وليس فقط هذه القصة، فهم تلك الغريزة التي تدفعنا الى عدم الكف عن روايتها. انه سؤال معقد جداً لن يسعني حله هنا وحدي. ما سأقوم به في المقابل هو الاكتفاء بالالياذة والتمسك بفكرتين اوحتهما لي خلال سنة من العمل الدقيق على هذا النص.

أولاً، أحد الجوانب الاكثر اثارة للدهشة في الالياذة هو القوة التي تنقل لنا فيها حجج المهزومين. انها قصة كتبها المنتصرون، ومع ذلك نتذكر وقبل كل شيء الطرواديين: بريام، هكتور، اندروماك، وحتى بعض الشخوص الثانويين مثل باندوراس او ساربيدون. هذه القدرة الهائلة على ان تكون صوت الانسانية بكاملها وليس صوت ذاتك فحسب، وجدتها خلال عملي على النص. اكتشفت ان اليونانيين نقلوا بين سطور هذه التحفة ذاكرة حب عنيد للسلام. لن ننتبه الى ذلك من القراءة الاولى لفرط انبهارنا ببريق الاسلحة والابطال. لكن في هدأة التفكير العميق تظهر الياذة غير منتظرة في جانبها الانثوي. انهن النساء في الغالب اللواتي يعلنّ من دون ترو الرغبة في السلام. بعد ان تتم تنحيتهن الى هامش المعركة، يجسدن الفرضية العنيدة وشبه المستترة لحضارة مختلفة معفية من واجب الحرب. في الكتاب السادس، في وقت مستقطع، فارغ، اختلس من المعركة، يدخل هكتور المدينة ويلتقي ثلاث نساء، فيكون ذلك كما لو انه يقوم برحلة الى الجانب الآخر من العالم. ثلاث نساء يتوسلن كلٌ في اسلوبها العاطفي الخاص، امرا واحدا ووحيدا: السلام. امه تدعوه الى الصلاة. هيلين تدعوه الى الاستلقاء الى جانبها (ربما تدعوه الى اكثر من ذلك). اندروماك اخيرا تطلب اليه ان يكون والدا وزوجا قبل ان يكون بطلا ومحاربا. اليس مدهشا ان حضارة ذكورية وحربية كحضارة اليونانيين اختارت ان تنقل دوما والى الابد صوت النساء ورغبتهن في السلام؟

الناحية الانثوية من الالياذة اذن ينقلها لنا صوت النساء. انما لاحقا بعدما نكون تنبهنا لها نجدها في كل مكان: مبهمة، غير محسوسة، انما متجذرة في قوة لا تصدق. اشعر بقوة حضورها في المقاطع التي لا تحصى والتي يتحدث الابطال خلالها بدلا من ان يحاربوا. القصة مليئة بجدالات واجتماعات لا تنتهي. نكف عن كرهها عندما نبدأ في فهم ما هي عليه: وسيلة لارجاء المعركة قدر المستطاع. الكلام هو السلاح الذي بواسطته يعلقون الحرب. ما داموا يناقشون الطريقة التي سيخوضون الحرب بها فانهم لن يفعلوا.

هذه الصورة للبطل المتردد تتجسد في وضوح في أخيل (او اشيل) بخاصة. في الالياذة هو اكثر الشخوص التي تأخذ وقتا طويلا قبل ان تنزل الى ساحة المعركة. كامرأة يشاهد الحرب من بعيد عازفا على القيثارة، ماكثا الى جانب من يحب، هو الذي يجسد مع ذلك الاكثر قسوة والاكثر تعصبا للحرب. الالياذة مركبة في دقة متناهية. في المقاطع التي يكون فيها انتصار ثقافة الحرب الاكثر جلاء تكون الرغبة الانثوية للسلام الاكثر صلابة والاكثر ديمومة. في النهاية، تظهر واضحة هذه الناحية غير المعترف بها لدى كل الابطال، خالية من اللبس في اسلوب واضح وجازم، من خلال اخيل. قد تكون الكلمات التي يقولها امام مبعوث اغاممنون في الكتاب التاسع صرخة السلام الاقوى والاكثر صراحة التي اورثنا اياها آباؤنا: لا شيء بالنسبة اليّ يساوي الحياة، ولا حتى الثروات التي حصلت عليها حديثا مدينة إيلون الكريمة (...) . كلمات كان يمكن اندروماك التلفظ بها، ورغم ذلك هو اخيل من يقولها. تكشف الالياذة عن حضارة لم يتمكن اليونانيون من اقامتها، لكنهم كانوا يحدسون بها، يعرفونها ويحفظونها في زاوية مخفية من نفوسهم.

كيف يمكن ان نحقق هذه الحضارة؟ ما العمل لنقنع العالم باتباع ميله الى السلام؟ في ناحيتها الذكورية والمحاربة تملك الالياذة الكثير لتعلمنا اياه. هذه الملحمة تقدم الحرب على انها النهاية الطبيعية للتعايش البشري. لكنها لا تتوقف هنا، تقول شيئا اهم وغير محتمل حتى: تمجد جمال الحرب وتفعل ذلك في قوة وشغف عظيمين. نشعر بأن كل شيء، من البشر الى الارض، يجد في اختبار الحرب لحظة بلوغه الجمالي والاخلاقي الاسمى: كما لو ان قمة الانتصار لا تكتمل الا في فظاعة المواجهة المميتة. في هذه التحية الى جمال الحرب تجبرنا الالياذة على ان نتذكر امرا مزعجا لكنه في الوقت نفسه حقيقة حتمية: طوال ألفيات كانت الحرب تقريبا الامكان الوحيد الذي كان يملكه الانسان لتغيير قدره، لايجاد حقيقته، لبلوغ اخلاقية سامية. في مواجهة المشاعر الحياتية الضحلة ووضاعة الحياة اليومية الاخلاقية، تعيد الحرب اطلاق الحياة وتقذف الافراد ابعد من حدودهم المألوفة.

اليوم ايضاً، في عصر ليست فكرة الذهاب الى الحرب بالنسبة الى كل البشر سوى فرضية عبثية، نستمر في تغذية شعلة الفكر المحارب القديمة عبر حروب بالوكالة من خلال أجساد جنود محترفين. هذا الموقف يفضح عجزنا الاساسي عن العثور على معنى للحياة من دون المرور في لحظة الحقيقة تلك. الأنفة الذكورية المخفية في شكل سيئ والتي رافقت العروض الحربية الاخيرة في الغرب كما في العالم الاسلامي، تتكشف عن غريزة لم يتمكن صدام حروب القرن الحادي والعشرين من إشباعها: الجمال. ما تقوله لنا الإلياذة ربما أن اي سلم اليوم لا يجب أن ينسى هذا الجمال او ينفيه او يتجاهله. أن نقول ونعلّم ان الحرب هي جحيم لا أكثر، كذبة خطيرة. قد يكون رهيباً قول ذلك، لكن ينبغي أن نتذكر ان الحرب هي فعلاً جحيم، بيد أنها جحيم جميل. في كل الازمنة تسابق الناس اليها كالفراشات يجذبهم ضوء النار المميت. اي خوف او ازدراء للذات لم يتوصل الى إبعادهم عن لهبها، فهنا وعبرها وجدوا دوماً الطريقة الوحيدة الممكنة للتخلص من العيش على هامش الحياة. لهذا السبب لا ينبغي للسلم اليوم أن يظهر الحرب بمظهر شيطاني مفرط. لكن يجب ان نفهم أننا لن نتمكن من الاستغناء عن الجمال الذي تقدمه الينا الحرب منذ الازل، الا في اليوم الذي نغدو فيه قادرين على جمال آخر. ابتكار جمال آخر قد يكون الطريق الوحيد نحو سلام حقيقي. أن نظهر أننا قادرون على اضاءة عتمة الوجود من دون اللجوء الى نار الحرب.

السلام اليوم ليس اكثر من توافق سياسي، وهو حتماً ليس فكراً او احساساً واسع الانتشار. صحيح اننا ننظر الى الحرب كشر نتجنبه، لكننا لا نزال بعيدين عن اعتبارها شراً مطلقاً. امام اول فرصة ممكنة وتحت غطاء مثاليات نبيلة يضحي الذهاب الى الحرب خياراً ممكناً. خيار نقوم به احياناً بنوع من التفاخر. الطموح الى سلام حقيقي لا أراه سوى في العمل الدؤوب والصبور لاولئك الملايين من الحرفيين الذين يعملون يوماً بعد يوم لخلق جمال آخر ولمعان صاف لأضواء غير قاتلة. إنها مؤسسة يوتوبية تفترض ثقة عمياء في الانسان. لكني أتساءل هل كنّا لننخرط الى هذا الحد في هذا الطريق مثلما نفعل اليوم؟ لذا أعتقد أن أحداً لن يتمكن بعد اليوم من ترك هذا الطريق او السير فيه في الاتجاه المعاكس. سوف ننجح عاجلاً او آجلاً في إبعاد أخيل عن تلك الحرب القاتلة. ولن يكون الخوف ولا الاشمئزاز ما سوف يعيده الى الديار، بل جمال آخر اكثر إبهاراً (من جمال الحرب) واكثر عذوبة.

 

اليساندرو باريكو - ترجمة: سيلفانا الخوري


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri