
"العودة
مجدداً إلى الملعب"
أمر
القاضي التشيلي خوان كارلوس أوريارتي يوم الخميس الماضي الموافق
9كانون الأول (ديسمبر) الجاري بإحالة العقيد التشيلي المتقاعد
ماريو مانريكيس إلى المحاكمة بتهمة اغتيال المغني والملحن
والشاعر التشيلي المشهور فيكتور جارا في الخامس عشر من شهر
أيلول (سبتمبر) من عام 1973.
وفي
تبريره لمسوغات قراره أكد القاضي بأنه يملك براهين كافية لإثبات
ضلوع منريكيس في الجريمة أو تسهيله على الأقل لاغتيال ذلك
الفنان التشيلي الكبير. فقد كان العقيد المذكور العسكري الأعلى
رتبة في "الملعب الوطني" الذي جرى تحويله إلى واحد من معسكرات
الاعتقال الرئيسية للسجناء السياسيين فور وقوع الانقلاب العسكري
ضد الرئيس الدستوري سلفادور أليندي في الحادي عشر من شهر أيلول
(سبتمبر) من عام 1973 بقيادة الدكتاتور أوغوستو بينوشيت وبدعم
من الحكومة الأمريكية التي كان يرأسها آنذاك ريشارد نيكسون.
وتدل
تحقيقات القاضي أوروتيا بأنه جرى اعتقال فيكتور جارا في نفس
اليوم الذي وقع فيه الانقلاب وتعرّض للتعذيب بصورة وحشية في
الملعب ثم ما لبث العسكريون أن أعدموه رمياً بالرصاص بعد أربعة
أيام، وقد ظهرت جثّة فيكتور جارا مهشمة إلى جانب جثث أخرى
في منطقة متاخمة لإحدى المقابر في العاصمة سانتياغو.
وقد
أشاد محامي الدفاع نيلسون كاوكوتو بقرار القاضي أوروتيا وأعلن
فور معرفته بقرار القاضي بأن " هذا اليوم سيكون يوم سرور بالنسبة
للثقافة التشيلية!!" وأضاف بأن العسكر " قتلوا جارا لمجرد
أنه خصص اغانيه، وفنّه، ورقصاته، وفولكلوره للشعب، وقد اقتادوه
وكأنه غنيمة وجائزة حرب".
والمعروف
ان فيكتور جاراً كان ملحّناً ومغنياً ذائع الشهرة في الستينات
والسبعينات، وقد أيّد بكل حماس حكومة الوحدة الشعبية اليسارية
التي ترأسها سلفادور أليندي وضمت كل من الحزب الاشتراكي، والشيوعي،
والعمل الشعبي، والراديكالي، والمسيحي اليساري، وغيرها من
الأحزاب..
لقد
ولد فيكتور جارا عام 1932 في بلدة لونكين في كنف أسرة من الفلاحين
وكان اسم والدته أماندا واسم والده مانويل، وبعد انتقاله إلى
العاصمة سانتياغو درس الموسيقى، وغنى إلى جانب فنانة شعبية
تشيلية أخرى مشهورة هي فيوليتا بارّا، كما درس المسرح، وفي
عام 1961 لحّن أغنية "أريد أن أغني لك أيتها الحمامة" التي
كانت بداية أبداعاته الموسيقية والشعرية.
وعمل
جارا أيضاً في مجال المسرح حيث شغل موقع المدير الفني للمجموعة
الموسيقية كيلاباجون فيما بين عامي 1966 و1969 ولحّن الكثير
من الأغاني مثل "دعاء للفلاح" و "ثمالة السيجارة" و "أذكرك
يا أماندا" و "أغني حرّاً" و "أعشاش الحي العالي" و "أسئلة
عن ميناء مونت" و" حقوق العيش بسلام".
وقد
أيد جارا حكومة أليندي، وجرى اعتقاله يوم وقوع الانقلاب بالذات
في الجامعة التقنية في سانتياغو حيث كان يمارس نشاطات فنّية
وسياسية "ضد الفاشية" واقتادوه من الجامعة إلى جانب معتقلين
آخرين إلى الملعب الوطني، وهو نفس الملعب الذي كان يضج بالجمهور
عندما كسب مسابقة "الأغنية الوطنية التشيلية الجديدة" في بدايات
نشاطه الفني، ونفس الملعب الذي أصبح منذ عام يحمل اسم "فيكتور
جارا".
هنا..
أغنية من تأليف وتلحين فيكتور جار، تكشف مدى احترامه للناس
البسطاء في بلده، فهو يصف فيها شيخاً هرماً في بلدة لونكين
(مسقط رأسه) في الريف، حيث كان يصنع الحبال من الجلد غير المدبوغ
ببراعة فائقة، وكانت حبالاً مشهورة في كل العالم ، وثمة مفارقة
بين منزل الشيخ القديم والفقير وروعة ومتانة حباله:
عندما
كانت الشمس تجنح للغروب
لاقيته..
في
كوخ مظلم
لاقيته..
عندما
كانت الشمس تجنح للغروب
في
لونكين
لكم
كانت يداه هرمتان
ولكم
كانتا قويتان في جدل الحبال
كانتا
خشنتان.. وناعمتان
كما
جلد الحيوان..
وكان
الحبل كالأفعى
يلتف
حول جذع شجرة الجوز
وفي
كل حبل كان يترك
آثار
الحياة والخبز
لكم
من الوقت تختزن يداه
ونظرته
المنطفئة
وما
من أحد يقولها لها:
حسناً..
آن
لك أن تستريح من عناء العمل.
هاهو
الظلام مقبلاً
ليجدل
آخر بارقة في النهار
والشيخ
يجدل بعض الأناشيد
لكي
يلامس السعادة
لقد
جابت حباله
الجنوب،
والشمال، والجبال، والبحار
ولكن
الشيخ لم يعرف أبداً
شرح
المسافات
وهو
يودِع حياته
في
الحبال المربوطة إلى جذع شجرة الجوز
وسوف
يأتي الموت لاحقاً
ويجدله
هو أيضاً
ماذا
يهم إن كان الحبل متيناً
ويصمد
إلى الأبد
فالشيخ
سيستريح في يوم ما
وهو
يجدل الحبال في أحد الحقول
عندما
كانت الشمس تجنح للغروب
لاقيته..
في
كوخ مظلم
لاقيته..
عندما
كانت الشمس تجنح للغروب
في
لونكين.
عصام
الخشن / بوينس ايرس - خاص بالإمبراطور - 12.12.2004