حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

500 سنة من عمر قصيدة الـ سونيت:

شكل خالد لا يكفّ عن استيلاد الهويات الشعرية

خدمة استثنائية، جليلة وهامّة ودائمة النفع، هذه التي تقدّمها الشاعرة والباحثة الأمريكية فيليس ليفين في عملها ديوان السونيت: 500 سنة من تراث كلاسيكي في الإنكليزية، الصادر في طبعة شعبية رخيصة عن دار النشر البريطانية Penguin(1). وفي هذه الأنثولوجيا الثمينة جمعت ليفين أكثر من 600 سونيتة، وتركت لها أن تروي حكاية هذا الشكل الفريد الذي بدأ كمغامرة إيقاعية جذّابة آسرة شدية الإغراء قبل أكثر من سبعة قرون، ويتواصل ــ في هدي روحيّة الإغواء ذاتها جوهرياً ــ حتى يومنا هذا.

وفي دراسة سابقة، وضمن سياق مناقشة السونيتات الستّ في مجموعة محمود درويش سرير الغريبة (2)، أشرت إلي رأي الناقد الأمريكي بول أوبنهايمر، الذي ذهب رلي حدّ القول بأنّ ابتكار شكل الـ سونيت Sonnet هو الحدث الذي دشّن ابتداء الفكر الحديث والأدب الحديث. والرجل شدّد علي حقيقة أن السونيت كانت أوّل شكل شعري غنائي يُكتب لا لكي يُؤدّي أو يُلحّن، بل لكي يُقرأ قراءة صامتة، وبذلك فإنها أوّل شكل غنائي يخاطب الوعي الذاتي، أو يتناول الذات في حالة الصراع (3).

ولا يجانب أوبنهايمر الصواب كثيراً في هذا التفصيل تحديداً، خاصّة إذا وُضع رأيه هذا في سياق الخصائص الفكرية للمرحلة التاريخية التي شهدت ولادة وترعرع السونيت (إيطاليا مطلع القرن الثالث عشر) حين كان اضمحلال الإمبراطورية الرومانية يفسح المجال أمام نقاشَيْن حاسمَيْن: التنازل عن نموذج الإله البطل لصالح الإنسان العاديّ، والتنازل عن السلوك البطولي التطهيري القَدَري لصالح السلوك الفردي الوجداني العاطفي، والانتقال من النشيد التراجيدي إلي قصيدة الحبّ.

وليس مصادفة أنّ الشكل يتألّف من 41 بيتاً، تنقسم إلي مقطع ثُماني Octave يطرح وضعية توتّر ذات شحنة عاطفية دافقة، ومقطع سُداسي Sestet يهدّيء الشحنة ويخفّف التوتّر. ذلك لأنّ أفلاطون كان قد وضع تخطيطاً حسابياً مماثلاً لـ هندسة العلاقة بين النفس والكَوْن، وكان أوائل مبتكري شكل السونيت قد حاولوا محاكاة تلك الهندسة عن طريق استقراء الأنغام غير المسموعة من موسيقي الروح الإنسانية، لكي نقتبس عبارة الشاعر الرومانتيكي الإنكليزي جون كيتس (5971 ـ 1281).

وتجمع المصادر الأدبية علي أنّ جياكومو دي لنتينو (8811 ـ 0421) كان أوّل من ابتكر الشكل، وكان من المدهش أنه لم يعتمد في اكتشافه علي أيّ من الأشكال الغنائية التي كانت سائدة وطاغية آنذاك (أشعار التروبادور والبروفنسيال)، بل طوّر شكلاً للأغنية كان شائعاً عند الفلاّحين في صقلية. أكثر من ذلك، تشير أفضل الأبحاث في تاريخ السونيت إلي أنّ هذه الأغنية الصقلية استُعيرت في الأساس من شعر الغزل العربي الأندلسي الذي تناقله العرب المقيمون في صقلية (هذا هو رأي الأمريكي إرنست هاتش ولكنز علي سبيل المثال). بعد لنتنينو، تولّي دانتي أليجييري (5621 ـ 1231) وفرنسيسكو بترارك (4031 ـ 4731) أمر تطوير الصيغة الإيطالية من السونيت. وسرعان ما انتقل الشكل إلي أوروبا انتقال النار في الهشيم، فعكف علي تطويره كبار الشعراء في فرنسا وألمانيا وإسبانيا، وشهد في إنكلترا ازدهاراً كبيراً علي يد إدموند سبنسر (2551 ـ 9951)، وليام شكسبير (4651 ـ 6161)، وجون ملتون (8061 ـ 4761).

ويمكن القول، باختصار، إنه ما من شاعر أساسي قاوم إغراءات هذا الشكل الفاتن، رغم أنّ تجريبه كان في الآن ذاته ينطوي علي مجازفة العجز عن تحدّي قوّة الشكل من جانب، والفشل في امتلاك المفاتيح الكفيلة بكشف أسرار الشكل (وبالتالي إطلاق مفاتنه) من جانب آخر. وإلي جانب الشعراء المذكورين أعلاه، كان بين أعظم نماذج السونيتات تلك التي كتبها غوته، شليغل، فون بلاتن، ريلكه، تراكل، وشرودر في اللغة الألمانية؛ وغوتييه، نرفال، بودلير، فرلين، مالارميه، رامبو، وفاليري في الفرنسية؛ ولوبي دي فيغا، أنتونيو فيريرا، بابلو نيرودا، وغارسيا لوركا في الإسبانية؛ فضلاً عن مئات الشعراء هنا وهناك في الثقافات الإنسانية المختلفة.

ومختارات فيليس ليفين تبدأ من الجذور المبكّرة، فتضرب مثالاً واحداً باللغة الإيطالية من بترارك، قبل أن تنتقل إلي اللغة الإنكليزية من العصر الإليزابيثي، إلي الرومانتيكي والفكتوري، وصولاً إلي العصور الحديثة حيث امتزج إحياء الشكل بالحركات الفنّيـــة الراديكالية (مجموعة إحياء هارليم مثلاً)، وشعر الاحتجاج علي الحرب (العالمية الأولي وحتي فييتــنام). وفي مقدّمة سخيّة ومعمّقــــة، ترصد ليفـــين تاريخ الشكل، وتناقش خصائصه البنائية وموضوعاته المتغـــايرة، وتطــــوراته الراهنــــة في ظلّ تراجع وتبدّل أوزان الشعر هنا وهناك في العالم، ولا تغفل بالطبع القراءة التحليلية لعدد من السونيتات.

هذه الأنثولوجيا سيرة ذاتية حقاً ، تقول ليفين، ليس لأيّ من الأشخاص، بل هي سيرة حياة شكل أدبي أعطي الولادة، أو أعاد ولادة، الكثير من الهوّيات الشعرية، والقصائد التي لا عدّ لها ولا حصر. وهنا نماذج حديثة ومعاصرة من سونيتات الديوان.

ہ ناقد من سورية يقيم في باريس

إشارات:

(1) The Penguin Book of the Sonnet: 500 Years of a Claic Tradition in English. Edited by Phillis Levin. Penguin Books, 2004. 448 p:

(2) صبحي حديدي: ماذا يفعل العاشق من دون منفي؟. مجلة "الشعراء، العدد 8، ربيع 0002. وأشير، كذلك، إلي أنّ الناقد السعودي الصديق د. سعد البازعي كان بين قلّة تنبّهت، علي نحو صائب، إلي هذا الجانب الهامّ في مجموعة سرير الغريبة، صحيفة الجزيرة، 8/8/2002. في المقابل لم يفلح الشاعر العراقي شوقي عبد الأمير في التمييز بين الـ سونيت كشكل شعري والـ سوناتا كشكل موسيقي، فكتب: نحن نعرف أنه لا توجد سيمفونية في الموسيقي العربية ولا سوناتا لأنها ترتكز بشكل كبير علي الأداء الصوتي ودرويش يحاول سيمفونيته العربية شعراً. صحيفة الحياة، 71/1/9991.

(3) Paul Oenheimer: "The Birth of the Modern Mind: Self, Consciousne, and the Invention of the Sonnet." Oxford University Pre, New York, 1989. P. 171.

رامبو

و. هـ. أودن

الليالي، قناطر السكك الحديد، والسماء الرديئة

الصَحْبُ الفظيعون لم يعرفوا هذا؛

ولكن في خبيئة ذلك الطفل كانت أكذوبة الخطيب المفوّه

تنفجر مثل مضخّة: البرد صنع شاعراً.

اشترته الأكواب من صديقه الضعيف والغنائي

وتشوّشت حواسّه واحدة تلو أخري،

فوضعتْ حدّاً لكل لغو معتاد؛

حتي تشرّد هو نفسه بعيداً عن القيثارة والوهن.

الشعر الموزون كان عياء خاصاً يصيب الأذن؛

والاستقامة لم تكن كافية؛ هكذا لاح

جحيم الطفولة؛ وعليه أن يحاول ثانية.

والآن، إذْ يخبّ في أفريقيا، ها هو يحلم

بحياة جديدة، الإبن، المهندس،

وحقيقته المقبولة عند الرجال الكَذَبة.

 

دكان الحدّاد

شيموس هيني

كلّ ما أعرفه باب إلي الظلمة.

في الخارج، تصدأ محاور عجلات قديمة وأطواق فولاذية؛

في الداخل، حلقة السندان المطروق قصيرة،

والذيل المروحي للشرر المتطاير علي هواه

أو الهسيس حين تتصلّب حدوة جديدة في الماء.

لا بدّ أنّ السندان قابع في جهة كا من الوسط،

مستدقّ مثل كوز الذرة، ومربّع في طرف آخر،

جاثم هناك بلا حراك: مذبح

حيث يصرف نفسه في الهيئة وفي الموسيقي.

ويحدث، بعض الأحيان، بالمريول الجلدي والشعيرات في الأنف،

أن ينحني إلي الأمام، يستدعي الصليل

حيث الحوافر، والمسير يلتمع صفوفاً؛

ثمّ يحدث أن ينخر ويمضي، ليس دون صفقة باب ونقرة إصبع

ليطرق الفولاذ الحقيقي، وليوقد الكير.

 

جوهر

و. س. ميروين

في مقدوري أن أري ما يشبه المسافة المضاءة

خلف وجه ذلك الزمن في أيّامه ذاتها

كما تبدّت لي غير أنني لم أكن قادراً علي التفكير بأيّ

كلمات تتحدّث عنه بحقّ أو تشير إلي أيّ شيء

ما خلا الكامن هناك ساعة أخذ يبدأ

في الاضمحلال ولم يكن من الممكن البرهنة الأكيدة

عليه أو قبضه لكنني قد أتطامن نحوه فألمس

الحزازات الدافئة قسمات الحجارة جلد

النهر وعندها أستطيع الزعم أنها كانت

الحيوانات ذاتها التي كانت ثقل ومقام

الساعة كما وقعت وأنّ كتلة عنق البقرة

ولمعة السنونو وخبطة الشبّوط

حيث كان قادماً للعبور كانت تحمل الفحوي كلّها

دونما سؤال في غمرة غمامة الضياء الخرساء

 

تاريخ

شارلز سيميك

ذات مساء رمادي

من قرن رمادي،

التهمتُ تفاحة

بمنأي عن الأنظار.

تفاحة صغيرة، حامضة

بلون الحطب الناريّ

الذي مسحته أوّل مرّة

عن كمّي

ثم مددتُ ساقيّ

أقصي ما أستطيع،

وقلت في نفسي

لِمَ لا أغمض عينيّ الآن

قبل آخر

أخبار العالم والنشرة الجوية.

 

زهرة نوّار

سيلفيا بلاث

صمد الزعرور الأحمر طيلة الشتاء الأسود

أمام هجمات الرياح المدنفة بثلج السماءات الكالحة

ولأنه اللامع مثل قطرة دم، برهن أنه ما من غصن شجاع يموت

إذا ضربت الجذور عميقاً وكانت النشأة طيبة.

والآن، إذْ يهبط النسغ الأخضر علي المنحدرات الخشبية،

وكلّ طوق من الشجيرات يذهل أعيننا ببراعمه البيضاء

كمَن انبثقت من عصا يوسف، نشهد

كيف يولد أطيب الجمال من الجسارة.

وهكذا حين اختار أهل الجزيرة القساة أن يتنازلوا

عن مصطلي البلاد، وشقّوا طريقهم إلي الحجّ

عبر أثلام الأطلسي، المظلمة، غير الآمنة،

متذكّرين الرَشاش الأبيض الظافر

علي أغصان الزعرور البرّي، ذات العزم الشديد علي البقاء،

أطلقوا علي سفينتهم اسم زهرة نوّار.

 

ندف الثلج

لويز غلوك

أتعرف ما كنتُ، وكيف عشتُ؟ تعرف

طعم اليأس؛ إذاً،

سوف يكون للشتاء معني عندك.

لم أتوقع البقاء علي قيد الحياة،

التراب يقهرني. لم أتوقع،

أن أستيقظ ثانية، أن أشعر

أنّ جسدي في التراب الرطب

قادر علي الاستجابة من جديد، وأن يتذكّر

كيف ينفتح ثانية بعد هذا الزمن الطويل

في الضياء الأبيض

للربيع الأبكر ــ

خائفة، نعم، ولكني بين صفوفكم من جديد

أبكي، نعم، وأجازف بالمتعة

في الرياح الخام للعالم الجديد.

 

صبحي حديدي - القدس العربي - 2004


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri