حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ياروسلاف سيفيرت

خطاب تسلم جائزة نوبل ديسمبر 1984 في الحالة المثيرة للشفقة والغنائية للذهن

كثيراً ما يطرح علي سؤال، خاصة من قبل الأجانب، كيف يمكن للمرء تفسير الحب العظيم للشعر في بلادي: لماذا يوجد بيننا ليس اهتماماً بالقصائد فقط، بل حتى حاجة للشعر. لعل هذا يعني أن مواطني بلادي يتحلون أيضاً بمقدرة عظيمة على فهم الشهر أكثر من أي شعب آخر.

أعتقد أن هذا يعود إلى تاريخ الشعب التشيلي في ال 400 سنة المنصرمة – وإلى إعادة مولد الوطن في أوائل القرن التاسع عشر. لقد حرمنا ضياع استقلالنا السياسي إبان حرب الثلاثين سنة من النخبة الروحية والسياسية. وعليه أجبر أعضاؤها – ممن لم يعدمون – على الصمت أو مغادرة البلاد. لم يعق ذلك تطورنا الثقافي فقط، بل نتج عنه تدهوراً في لغتنا. لم تفرض الكاثوليكية علينا بالقوة فقط، بل الألمنة ( من ألمانيا) أيضاً.

مع ذلك، بحلول أوائل القرن التاسع عشر عرضتنا الثورة الفرنسية والفترة الرومانسة إلى حوافز جديدة وأثمرت فينا اهتماماً جديداً بالمثل الديمقراطية، ولغتنا وثقافتنا القومية. أصبحت لغتنا أكثر الوسائل أهمية في التعبير عن هويتنا الوطنية.

كان الشعر أول الأصناف الأدبية ظهوراً. أصبح عاملا حيويا ف صحوتنا الثقافية والسياسية. في تلك المرحلة المبكرة، استقبل الشعب المحاولات لإبداع تقاليد تشيكية من الأدب المحض بعرفان عظيم. راح الشعب التشيكي، الذي فقد تمثيله السياسي وحرم من الناطقين السياسيين باسمه، يبحث عن بديل لهذا التمثيل، وقاموا باختياره من بين القوى الروحية التي ما زالت باقية.

من هنا نبع الاهتمام الكبير النسبي بالشعر في حياتنا الثقافية. هنا يجثم تفسير إعجابنا بالشعر والمكانة العالية التي أضيفت عليه في القرن الماضي. لكن الشعر لم يلعب دوراً مهما آنذاك فقط، فلقد برز في براعم وافرة في بداية هذا القرن، كما في الفترة الكائنة بين الحربين العالميتين – وعليه، أصبح أكثر صيغ التعبير عن ثقافتنا الوطنية أهمية إبان الحرب العالمية الثانية، فترة معاناة للشعب وتهديد لوجود الأمة. رغم كل القيود والرقابة، نجح الشعر في خلق مثل منحت الشعب الأمل والقوة. احتل الشعر منذ الحرب أيضاً – في الأربعين سنة الماضية – مكانة في غاية الأهمية في حياتنا الثقافية، كما لو أن الشعر والأغاني قد قدر لها أن لا تتكلم إلى الناس عن قرب وحميمة عظيمة فقط، بل وأن تصبح أعمق وأكثر ملجأ أمناً، حيث نبحث عن مأوى في المحن التي لا نجرؤ أحياناً على ذكرها.

هناك بلاد يملأ فيها دور الملاذ هذا بشكل أساسي بالدين ورجاله. وثمة بلاد يرى الناس فيها صورتهم ومصيرهم مرسومة في التنفيس الدرامي أو سماع ذلك في كلمات قادتهم السياسيين. هناك بلاد وأمم تجد أسئلتها وإجاباتها معبرة لها من قبل مفكرين حكماء متسمين بعمق البصيرة. يقوم الصحفيون ووسائل الإعلام أحياناً بهذا الدور. في حالتنا، كما لو أن روحنا الوطنية في محاولة البحث عن تجسيد، اختارت الشعراء ونصبتهم ناطقين باسمها. شكل الشعراء وكتاب الأغاني وعينا الوطني وأضفوا تعبيراً على تطلعاتنا الوطنية في الأزمان السالفة – وما زالوا يشكلون هذا الوعي حتى يومنا هذا. لقد اعتاد شعبنا على فهم الأشياء كما يقدمها له الشعراء.

هذا رائع بالنظر إليه من عيني شاعر. لكن ..أليس هناك جانب أسود في هذه الظاهرة أيضاً؟ أليس الإفراط في الشعر يعني اضطرابا في التوازن الثقافي؟ أقر أن الحقب التاريخية يمكن أن توجد في تاريخ الشعوب، أو يمكن أن تولد الظروف، حيث يصبح العطاء الشعري أكثر ملائمة وبساطة، أو ربما حتى الإمكانية الوحيدة – بمقدرته على مجرد الافتراض، واستخدام التلميح والمجاز للتعبير عما هو مركزي بشكل محجب، والاختفاء عن العيون غير المؤهلة. أقر أن لغة الشعر كانت ولا تزال حتى عندنا، خاصة في زمن القيود السياسية – لغة مساعدة، لغة بديلة، لغة الضرورة كما هي أفضل وسائل التعبير عما لا يمكن قوله بأي طريقة أخرى. حتى مع ذلك، فإن الوضع المهيمن للشعر في بلادنا كان دائم الحضور في ذهني – لأنني ولدت لأصبح شاعراً وبقيت شاعراً طوال حياتي.

يقلقني الشكل في أن هذا الميل والحب للشعر والأغاني قد لا يكون تعبيراً عن أي شيء سوى ما يمكن وصفه بحالة ذهنية. مع ذلك، يمكن للغنائية العميقة أن تقدر على دلوف الواقع والكشف، مهما كانت مقدرتها ثرية ومتعددة الوجوه في رؤية الأشياء، واستثنائية، وفي الوقت نفسه خلق أبعاد داخلية للطبيعة البشرية، مع ذلك، تبقى هاجساً للحواس والعواطف، وتغذي الحواس والعواطف مخيلتها – وبالعكس: تخاطب الحواس والعواطف. ألا يعني الوضع المهيمن للغنائية، بكل تأكيدها على الحاسة والعاطفة، أن عالم العقل، بكل تأكيده على التحليل ونزوعه إلى الشك والنقد، قد تقهقر؟ علاوة على ذلك، ألا يعني أن الإرادة، بكل ديناميكيتها وما تثيره في القلب من عواطف، غير قادرة على التعبير عن نفسها تماماً؟

أليست الثقافة ذات التوجه الأحادي في خطر، كونها غير قادرة على تحقيق المسؤولية المنوطة بها بشكل تام؟ هل يمكن لمجتمع ينزع، أساساً أو في المقام الأول إلى الغنائية، أن يملك قوة كافية للدفاع عن نفسه ويؤكد على استمرارية وجوده؟

لست قلقاً في الواقع بخصوص خطر التجاهل الممكن لذلك العنصر من الثقافة القائم على قوانا العقلية والمنبعث من عكس وإيجاد التعبير في أكثر وصف محايد ممكن لجواهر الأشياء وعلاقاتها المتبادلة. ذاك العنصر العقلي – المتسم ببعده عن الأشياء وبالتوازن الذهني، لأنه برمجياً لا يعتمد على أهواء ومشاعر الحالة الغنائية للذهن أو على شهوات الحالة المثيرة للعواطف والشفقة – لا يسمح هذا العنصر العقلي لنفسه بأن يهدأ ويسكن، ولا ينطلق عديم الصبر إلى أي هدف أخلاقي كان. إذ أن جذوره، في حضارتنا العقلانية العملية، تغوص بقوة في حاجتنا لن نعرف وبلوغ المعرفة واستخدامها. تطور هذا العنصر العقلي بشكل مستمر وبتلقائية منذ عصر النهضة. أستقبل بجفاء أحياناً، باعتراف الجميع، ويواجه من حين إلى آخر عوائق خارجية مهيمنة، غير أن مكانته مع ذلك في ثقافتنا الحديثة طاغية رغم مواجهته معضلات كبيرة، لأن عليه التطلع إلى طريق جديد لإعادة دمج تفكيره المتعلق بالمفاهيم في ثقافتنا ومنح الرشد شكلا جديداً، لأنه غير قادر على البقاء رشد الأزمان السابقة على التكنولوجيا. أدرك أن هذا العنصر مهم مثل الذين ذكرتهما سابقاً. رغم ذلك، لا أود أن أوليه هنا درجة الاهتمام نفسها، ذلك أن نمط تفكيره – التفكير المتعلق بالمفاهيم – غير ضروري للفن والأدب. أود حصر نفسي في حالتي الذهن المتطرفتين اللتين المؤلف الشرع في الإبداع انطلاقاً منهما. وهما يملكان نظيريهما في سلوكيات القراء والمراقبين، وعبرهما التأثير بدورهما على كل سمات شخصية ثقافتنا الوطنية.

ما يقلقني هو العنصر المثير للعواطف والشفقة الممكن أو عدم وجوده الحقيقي. لا نصادف في هذه الأيام، تلك الكلمة كثيراً، وإذا قمنا باستخدامها من حين إلى آخر، فإننا نقوم بذلك ببعض الخجل، وتداهمنا كشيء قديم منقوب بالعث مثل ديكور بالٍ في مسرح من الحقبة الرومانسية – قديم غير عصري كما لو أنه أقيم لمجرد إلقاء خطبة متواضعة سطحية عديمة العاطفة. يبدو كما لو أننا نسينا، إلى حد ما، أنها تصف حالة درامية من التوتر، وإرادة هادفة حيوية عازمة، توق – ليس بالطبع إلى أي ممتلكات مادية أو حتى سلع استهلاكية، بل للعدل والحقيقة. ما يثير العاطفة سمة من سمات البطولة، والبطولة إرادة لتحمل العذاب و المعاناة والاستعداد للتضحية بالنفس إذا اقتضت الحاجة. إذا استخدمت كلمة البطولة، فإني لا أعني بطبيعة الحال الحرب، بل إلى شكلها المعاصر: بطولة لا تلوح بالأسلحة مهددة، بطولة دون تباهي، كتومة وكثيراً ما تكون مطبقة الصمت وحضارية متمدنة بالفعل، بطولة صارت مدنية.

أعتقد أن الثقافة تكمل وتنضج وتقدر على التحمل والتطور فقط، إذا ملكت مكاناً لما يحفز العاطفة، إذا فهمنا العنصر المثير لها واستطعنا تقديره – خاصة إن كنا قادرين على ذلك. أن يملك قوة كافية للدفاع أن يم

ما الذي يقودني إلى هذه الأفكار؟ لا يمكن التفكير بالعنصر المثير للعاطفة والشفقة وبطولته. ولا يمكن أن يكون ما هو عليه إذا لم يصاحبه فهم عميق لجواهر الأمور، فهم نقدي شامل، فهم يختلف حتى عن ما بإمكان أكثر الشعر حساسية بلوغه، شعر غير نقدي بالضرورة، لأنه يفتقر للمسافة، يتكلم بالفعل عن موضوعه الخاص فقط – موضوع يجري متدفقاً مواكباً زمنه، موضوع بشكل وحدة مع غايته. العنصر المثير للعاطفة لن يكون كذلك إذا لم ينبع من بصيرة نافذة في سمة التنافر بين ما هو كائن وما يجدر أن يكون. على المجتمع إذا أراد أن يكون قادراً على إثارة العاطفة أن تصبح ثقافته كاملة وأن يفهم زمنه بشكل مختلف بالإضافة إلى ما هو غنائي. وإذا لم يكن قادراً على ذلك، فإنه غير مستعد لا للنضال ولا للتضحية.

الأدب وحده، الذي بالإضافة إلى ثقافة فكره المتعلق بالمفاهيم، ثقافة العقل، لا يملك أغانيه فقط، بل ما يثير العاطفة، ويملك الدراما الخاصة به والتراجيديا الحية – يمكن له أن يوفر القوة الروحية والأخلاقية الكافية للتغلب على المشاكل التي على المجتمع دوماً أن يواجهها. عبر فن التراجيديا فقط، يمكن للمجمتع خلق وإيجاد أنماط من سلوكياته حيال المسائل الأخلاقية والسياسية الرئيسية. هناك يتعلم كيف يتعامل معها بعزم، دون التوقف في منتصف الطريق. وحده فن التراجيديا، بنزاعاته العنيفة بين المصالح والقيم يوقظ ويطور ويصقل فينا السمة الاجتماعية من عزلتنا. فن التراجيديا وحده على نقيض قصائده الغنائية – فن العزلة ذاك – ينقي مقدرتنا على التمييز بين ما هو جوهري وغير جوهري من وجهة نظر اجتماعية – فن التراجيديا فقط يعلمنا رؤية الانتصارات في الهزائم والهزائم في الانتصارات.

وعليه، عندنا أتطلع حولي وأبعث الدفء في نفسي بإرادة شعر العشاق الطيبة، أود أن أكون شاهداً، ليس على موت التراجيديا، بل إعادة بعثها نتيجة حالتها الفكرية الباعثة على الشفقة، حالة عواطفها القوية، حيث أن شيئا قد بعث الحركة في داخلنا، بدأنا نرى ما نريده عدلا ونعارض ما هو موجود ولا ينبغيأن يوجد

في حين أن حالة الشعر الغنائي الذهنية هي حالة فرد مستقل تشهد على أعمق أعماق ذاتها، وتنفق وتتطابق مع غناياتها، فإن الحالة المثيرة للعواطف والشفقة لا تحس بذاك الاتحاد بين الموضوع والغايات. إذ أنها تولد من التوتر بين الواقع والأنا، فكرتي عما ينبغي أن يكون عليه هذا الواقع – لذا هو توتر بين القوة والعقل وبين السياسة والأخلاق.

لا تفرق الحالة الغنائية بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. كما هي لا مبالية بالموضوع الغنائي، سواء أشعل مخيلتها الواقع أو الروائي، الحقيقة أو اشياء لفقتها المخيلة، فإن الوهم حقيقي للمخيلة كما يمكن للواقع أن يكون وهما بالنسبة للخيال. لا تهتم الحالة الغنائية بهذه الاختلافات، لا تجعلها تواجه بعضها بعضاً ولا تعتبر نفسها مواجهة من قبلها. لا ترى الأنا المثيرة للعواطف والشفقة هذه الاختلافات فقط، بل ترى نفسها مواجهة بها، ترى كيف يقف اختياران وإمكانيتان بنظام ضد بعضهما بعضاً، وترى نفسها مشدودة إلى التوتر بينهما، يحرك هذا التوتر الأنا ويحفظ القلق وعدم الرضا والإغاظة هذه الحركة، الهادفة لتحقيق أو تقديم حالة تبدو عقلانية وطبيعية ومسرة – وهذا يحمل ثناياه أشكال الصواب والعدل والحرية والكرامة الإنسانية.

لا تغير العظمة الأخلاقية ومعنى الحركة الباعثة على العواطف هذه بأي حالٍ حقيقة أن غايتها أصبحت بشكل متواصل ودائم أكثر بعداً، وليس هناك نغم نهائي في الانسجام يسعى ما يثير ما يثير العواطف كثيراً للحصول عليه. تعارض حركة ما يثير العواطف غايات عواطفنا الجمالية حين نعايش عملا فنياً. كما تكافح هذه الحركة دوماً أيضاً دون طائل لتحقيق فهم واسع وشامل لقيم العمل بكل غناه والاستمتاع بالبناء الفكري والشكلي، وتحاول بلوغ حالة يكون فيها رضا المرء عن العمل الفني والاستمتاع به دوماً في ذروته بشكل متزامن.

يتقدم العنصر المثير للعواطف دوماً خطوة، ولا يقف على أرضية الحاضر، ولا يقتات من أغذية أخرى غير رحيق اللحظة الراهنة حتى يمكنه السبق. يمكنه السيطرة على نفسه، وأن يكون منتظماً زاهداً بالمعنى الصحيح للكلمة، ليس لأن ذلك مفروضاً بأي حال من الأحوال، بل استناداً على قراره الحر، ويدرك لماذا يفعل ذلك. ليس في هذا ما يشكل صعوبة بالنسبة له. يعود ذلك بكل بساطة إلى عدم قدرته على أن يكون لا مبالياً وبارداً. وشكراً لذلك، وإلا لأصبح المجتمع في ورطة ووجد نفسه في مأزق ليس منه مخرج، وقد تصبح الحقيقة خادمة للسلطة، والصواب أداة للقوة الغاشمة، أو بالأحرى، ضلال وانعدام عدالة. الحقيقة لم تعم منتصرة، والإرادة لن تسود دون ما يثير العواطف. أحياناً، لا تنتصر حتى بدفع الثمن. لكن في هذه الحالة، يتحول ما يثير العواطف إلى فشل قد يبدو مثل كارثة طبيعية وحدث مشؤوم، وفي النهاية يغدو أكبر. يحيل الهزيمة إلى تضحية، يسمو بالفشل ويجعل منه حدثاً يشكل جزءاً من كينونة أضخم، حدث احتفظ بمعناه وأنجز مهمته كحركة منحازة للهدف الذي كان سينجز، وربما ينجز يوما. طالما حافظنا على ما يثير العواطف فينا، سنحافظ على أملنا. لا يمكن قهر ما يثير العواطف في المحصلة الأخيرة، لأنه يتجاوز عثراته. ما يثير عواطف الفرد أو الأمة يمكنها من النهوض من العثرات، وبالجدية والكبرياء والكرامة. إنه أسمى من الفشل. وهكذا، هو رفيع ورافع في الآن نفسه.

الآن، بعد ما قلت ما كان يجول في ذهني منذ أمد طويل، وتحررت من هواجسي، لا اشعر أني لست مجبراً فقط بل مخولا للعودة إلى موضوع الغنائية والحالة الذهنية للشعر الغنائي.

أملك عديداً من الأسباب لفعل هذا، فلقد ولدت كي أكون شاعرا غنائياً، ولقد بقيت دوما كذلك. استمتعت طوال حياتي بوضعي الفكري الغنائي وسأكون ناكراً للجميل إن لم أعترف بذلك. أحتاج للدفاع وتبرير النزعة الرئيسة الكائنة بي أمام نفسي، رغم معرفتي أن قصائدي كثيراً ما بدت منغمة وتحمل ما يثير العواطف. يمكن أن تكون في الرقة ما يثير العواطف، ولقد وجد ذلك في حزني وقلقي وخوفي أيضاً. غير أني أريد القيام بأكثر من ذلك. أريد التعامل مع الحالة الذهنية للشعر الغنائي. أريد الدفاع عن هذه النظرة للحياة والتأكيد على مناقبها أيضاً، الآن وقد اعترفت باحترامي لما يثير العواطف. لا يبدو فعل ذلك لي عادلاً فقط، بل ضرورة ملحة. لا أشير فقط إلى التأكيد المفرط بأن تقاليدنا الثقافية قد طابقت عصر التنوير والتفكير العقلي للمفاهيم الذي أوصلنا ( بالإضافة إلى تطور إرادتنا) إلى الحالة الاجتماعية غير المرضية السائدة اليوم، حيث نشعر أن من الضروري إجراء تغيير والبحث عن أساليب جديدة لفهم مشاكلنا – خاصة في ضوء جهد الإرادة العظيم والنزعة نحو تفاقم النزعات الخاصة بالتنافر الدرامي الذي نشهده. يبدو لي هذا مهما في ضوء العدوانية السلوكية المتعاظمة اليوم في العلاقات الداخلية في المجتمع – سواء كانت عدوانية موجودة في بعض أساليب ما يثير العواطف أو النوع المدمر في حد ذاته فقط وغير القادر على إثارة أي عواطف إطلاقاً. أود أن أوضح المناقب الخاصة للغنائية في ظروف عصرنا.

تحترق الحالة الذهنية لما يثير العواطف فترة جراء انعدام الصبر وتغلي بالهياج في سعيها للتحكم بوضع غير مرض، وكثيراً ما تنجح في ذلك باستقامة طيبة النوايا وإن كانت أحادية الجانب، الحالة الغنائية حالة تفتقر لجهد الإرادة أو التصميم، إنها حالة صفاء لا هي صبورة ولا عديمة الصبر، حالة معايشة هذه القيم التي يبني الإنسان عليها ما هو أكثر أصالة وأسس حيوية لتوازنه ومقدرته على العيش في هذا العالم، العيش فيه بالطريقة الوحيدة الممكنة، أي شاعرياً وغنائياً، على حد قول هولديرلن.

ما يثير العاطفة يحفزنا ويفسدنا، إنه قادر – في قلقنا وتوقنا لتحقيق المثل – إلى أن يقودنا للتضحية والدمار الذاتي. تبقينا الغنائية في حضنها الحنون، وعوض فهم التنافر بين القوى، نشعر بمتعة مسرة في توازنها، مما يقصيها بعيداً عن أفقنا وينتج عنه عدم إحساسنا بوزنها، وعوض الارتطام بحواف العالم المخيط بنا، ننساب معه إلى الاتحاد والتماهي به.

لما تثير العواطف دوماً خصومه، إذ أنه عدواني. لا يحتاج المرء في حالته الغنائية إلى أي شخص آخر. وإذا التفت في وحدته إلى شخص وتكلم معه، لن يكون هذا الشخص عدوه. تحت هذه الظروف، يبدو النظير – سواء كان الطبيعة أو المجتمع أو أي شخص آخر، كما لو كان جزءاً منه، مجرد مشارك آخر في الحوار الداخلي الغنائي. نسمح لمن يعرضنا للهيمنة، بينما في الوقت نفسه نقوم بالهيمنة عليه أيضاً. نصغي باهتمام لمن حولنا، وبالطريقة عينها، نجد أنفسنا . وبذلك نحقق أعظم هوية لنا وأكثرها أصالة كمالا. بهذا الاستسلام المفرط نجد أماننا.

ما يثير العواطف نشيط: يناضل لبلوغ هدف معين. في حالتنا الغنائية، لا نريد أن نحقق شيئا، نعايش ما ألفناه ونكرس أنفسنا إلى الحاضر والموجود، حتى لو كان بإمكان الموجود التكون أيضاً من الاستغاثة بالماضي. ليس هذا ناجم عن اللامبالاة. نحن نتحرك فقط، أو بالأحرى نشغل الآن – منبسطاً مختلفاً، ونحن في وضع مختلف فيما يخص بالتفكير والشعور والتمني: وضع لا تكون الإرادة فيه ملتزمة. هي ليست بأي حال من الأحوال غائبة، بل غير مهتمة في تحقيق نتائج فقط.

بينما على ما يثير العواطف أن يضع قوة في إيماءاته وثمة إمكانية أن تكون عنيفة ديناميكية كما هو واقع حالها، فإن نظيرها – الشعر والقصائد الغنائية – لا يستخدمان القوة. هو غير عنيف وليس بحاجة لإجبار نفسه على رباطة الجاش . يفتح ذراعيه دون دفاع للعناق وهذه إحدى إيماءات الحب.

لا يساق بالقوة ولا الهواجس الفكرية ولا الشهوات. كما لا ينافس الزمن.، كما حدث، مقدرة على صراع مرور الوقت وأفضل لحظاته، يتحد والزمن بنوع من انعدام الحركة حيث لا توجد أهمية إلا لشيء واحد: أن يبقى دائم الوجود.

ليس للموقف الغنائي من رغبة في إقناع الآخرين. غير أنه يقدم لهم فرصة ليشاركوا في ما يشعر به ويعايشه. ليس أكثر من ذلك ولا أقل، ولا يسترسل حتى لأخذ موقف. يفتقر للمسافة ويتحد بعد كل شيء بمجريات الحياة. وإذا لم يأخذ موقفاً فإنه أقل قدرة لأن يتورط في النزاعات.

لكن ربما يجرؤ المرء خطو خطوة أخرى وطرح سؤال يتعلق بالتأثير الممكن لحالة الذهن الغنائية الخاصة بالاقتصاد والبيئة أو السياسة مثلاً. علاوة على ذلك، يمكن للمرء التساؤل عن مشاركة حالة الذهن الغنائية في جيشان الوعي الإنساني عامة، وفي التغيرات الممكنة في الطرق البشرية عند الرؤية والفهم ( تعتبر التغيرات عامة كضرورة) قد يسأل المرء إن كان ينبغي على أنماط السلوك التقليدية ( مع الأخذ بعين الاعتبار أنها غير مماثلة لمشاكل الراهنة) أن تستبدل بأخرى. قد يطرح المرء مسألة دور الغنائية في التحول الممكن من تفكير المفاهيم إلى الفهم العقلي، الآن وقد دلفنا الحالة التي وصفها c.f. weizsacker بقوله " نص بالألمانية".

حالة الذهن الغنائية قادرة، رغم أنها قد تبدو مفارقة، على المساهمة كواحدة من بضع قوى للعودة إلى حكمة حضارتنا – قادرة مثلا على المساهمة في التكنولوجيا التي يقودها العقل من جديد : عق لمتحد، بطبيعة الحال، والطبيعة بطرق غير التي تتم عبر المجردات المنطقية – بعبارة أخرى – عقل يختلف عن حاضرنا، عقل منطقي نفعي هادف.

كما تقدم نفسها كعامل معتدل في روحنا العدوانية والديناميكية، في إرادتنا المصرة على تأكيد الذات بشكل كبير. باعتراف الجميع، ديناميكيتنا وإرادتنا – في سياق ثقافة تفكيرنا المتعلق بالمفاهيم – كانتا مصدري التقدم التكنولوجي والاقتصادي وثورتنا الصناعية، وكذلك أيضاً قوتنا وتأثيرنا في العالم. لكن هذه الروح جلبت معها ايضاً مشاكل عصرنا وسماته السلبية، التي كلما عظمت النجاحات التي حققتها الروح الديناميكية والعدوانية، كلما تقدمت أكثر صوب الطليعة. إنها روح الإضافة والفتح، روح ترغب في التحكم بالطبيعة علاوة على البشر والأمم وكل الحضارات، روح إرادة عقلانية للسيطرة على

الطبيعة والناس. إنها حالة ذهنية تكافح كل إرادتنا فيها لتصبح سيدة كل ما يمكنها السيطرة عليه، وتجني الثروات والممتلكات عوض السماح لنا بالعثور على الفرح في الأشياء دون إخضاعها تحت سيطرتنا. يمكن حفظ توازن هذه الإرادة الموغلة في القوة ولجمها وقيادتها إلى مواقف غير الجشع العدواني عبر الحالة الغنائية للإرادة غير الملتزمة. كما كتب Schumacher في كتابه " الصغير والجميل" ص . 27" يفقد الإنسان الذي يقوده الجشع والحسد قوة رؤية الأشياء كما هي، أو رؤية الأشياء في استدارتها وكليتها، وتصبح نجاحاته فشلاً إذا أصيبت كل المجتمعات بهذه الرذائل، قد تحقق بالفعل أموراً مدهشة، لكنها تصبح تدريجيا غير قادرة على حل أصغر المشاكل في الحياة اليومية.

ألا يتحدث كتاب عدة، بالإضافة إلى الحاجة لقيم جديدة، عن حالة الذهن الغنائية المتجذرة في التماهي والطبيعة والعالم المحيط بنا، وهي أيضا واحدة من المصادر الممكنة لتغير داخلي في الإنسان، كما أنها من السبل التي يمكن أن تقود الإنسان خارج وضعه المتعذر الدفاع عنه كحاكم نصب نفسه خارج الطبيعة وفوقها وضدها؟ أليست حالة الذهن الغنائية أداة ممكنة للتغلب على فكرة أن الطبيعة شيء قدم للإنسان، قدمت إلى قوته ومقدرته حتى يسودها ويعاملها كفريسته ويستخدمها لإرضاء حاسة ملكيته التي لا تعرف الشبع؟ أليست حالة الذهن الغنائية في التحليل الأخير هي التغير في علاقتنا بالحياة التي طلبها هديجر ؟

تغير يعني أن نسمح للحياة أن تصبح ما هي عليه حتى تكلمنا في النهاية، وتكشف لنا عن نفسها في جوهرها الهادف بطريقة تجعلها مفهومة بالنسبة لنا؟

يمكن أن يعجز المرء عن رؤية أن الغنائية هي المضاد المباشر لعبادة القوة والسلطة، وتقديم نفسها بطريقة طبيعية جدا كمصحح لميلنا لحل مشاكل المجتمع بوسائل القوة وعبر نضالات القوة والمقدرة التكنولوجية والمالية والتنظيمية والسياسية والجسدية – قوة في أي حالة مجرد نتاج بصيرة غير كاملة؟ وبالطريقة نفسها تماماً يمكن للمرء وضعها كنقيض لعبادتنا للعمل والأداء، ولاستحواذنا بفكرة حكم واستغلال الطبيعة والناس، خاصة وأن القوة كثيراً ما ترفع كفاءة وكمال أنظمة قوتها تدريجياً ومسائل في غاية الأهمية حتى عندما ترفع أنظمة غير فعالة إطلاقاً حتى من أكثر وجهة نظر محايدة رفعة، وتحقق مهامها على حساب الخسائر في الكرامة الإنسانية فقط، ولا تخسر في المادة فقط، بل في الأمور الأخلاقية أيضاً – وعلى حساب خسارة الانسجام في الإنسان نفسه وعلاقات الاسنجام بين البشر.

يعي عديد من الناس بشكل جيد أن غريزة التملك هذه هي أعظم قوة من أي زمن مضى، وتؤكد على الفتح والتمدد والاستغلال بشكل أقوى مما سلف. لذا، ينبغي أن تقيد وتكبح كي لا يصبح الخراب الناجم ناتجاً اجتماعياً سلبياً، وأعظم من الفوائد، لكن إدراك هذه الظروف ومعرفة وجودها لا يكفيان. إذا ما أريد أن يكون هناك تغير أساسي – والتغير الأساسي بطبيعة الحال بعيد عن كفاحنا لزيادة قوتنا وتطويرها في كل صوب – إلى ضرر الإنسان – عندها يقتضي التغيير في وعينا تغيير في شكل تفكيرنا، كما عبر عن ذلك مرة بشكل جميل، ما نحن بحاجة إليه هو " ثورة العقل والقلب".

لا أرغب في محاولة جعل الغنائية، أو مزيد من القصائد الغنائية، قوة سياسية أو أداة سياسية وشعر حرمان – أو فن عام يسبب مجاله الحقيقي والمميز الذي لا يعوض. ول أتمنى إخضاع هذا المدى من الرؤية من أجل غايات أخرى – مع ذلك، أشعر وأملك الجرأة للتصريح بأن الحالة الغنائية شيء يتجاوز حدود القصائد الغنائية والشعر بعيداً – أو الفن نفسه. وحيث يمكنها إظهار نفسها بفاعلية، ستتمكن – بطريقة جديدة وإيجابية – ترك بصمتها على الثقافة وكل التنظيمات الاجتماعية بشكل عام. وتساهم في تحول الوعي الضروري والكامل، عملية تجري عند عديد من البشر اليوم، أكثر عند الفنانين، على الأقل الذين سمحوا لأنفسهم الخوض في لعبة القوة السياسية. بهذه الطريقة، قد يمكنها إنجاز مهمة قريبة من التأمل الصوفي – الذي بالمناسبة كان دوماً قريباً من القصائد الغنائية، لكنه مقارنة بها وسيلة محصورة جداً أو مجرد أداة، تقدم للناس المتحلين بالقدرة والرغبة" … نص بالألمانية..".

لا تقدر كل الثقافات تحقيق هذه المهمة. تعليق آمال الشخص على الثقافة وحدها – الثقافة بمعنى صقل وتنقية ما أخذناه من الماضي – قد يفضي إلى خيبة أمل. قد تكون الثقافة التقليدية للإرادة نفسها والمنطق القديم. حتى لو نسينا أو ثقافتنا لم تكن متعصبة فقط (رغم حقيقة سيطرة اعتقادها بأن التعصب أيضاً يعود للثقافة ) وأنها قد تكون قمعية ومتغطرسة وغير متعاطفة مع عديد من القيم المهمة وتفتقر لفهم عديد من القيم، ومن جهة أخرى تفرض على الناس كثيراً من الأشياء عديمة القيمة. لا يسعنا إلا رؤية أن شرعية القيم التقليدية لهذه الثقافة قد أصبحت أكثر من ضعيفة تالفة.

في هذه الأيام، يمكن تحقيق هذه المهمة فقط، عبر ثقافة نقطة انطلاقها، حالة إدراك معدلة أساساً حالة ذهنية أخرى. وهنا أرى فرصة عظيمة ومهمة كبيرة للغنائية والقصائد الغنائية، لأن هذه الحالة الذهنية التي تميز بالتماهي مع العالم عبر التقمص العاطفي والتعاطف وإدارة غير ملتزمة. رغم حقيقة أن عنصراً غير عقلاني مثل الحب قد يلعب دوراً أساسياً في مثل هذه الثقافة، ولا ينبغي للحكمة في هذه الثقافة أن تكون أقل من الحكمة في الثقافة التي علينا التعامل معها اليوم. كما أود حتى إعلان أنها قد تصبح عندئذ فقط الثقافة السعيدة الثرية المباركة فعلاً، كما ينبغي أن يكون الحال.

الآن، وأنا أدلي بهذا. يجول بفكري سؤال آخر – سؤال يراودني هذه اللحظة قد يكون مجرد بلاغة لفظية: أليس صحيح أن ما يثير العاطفة يعيش ويترعرع برؤيا هذا الفهم السعيد للأشياء وكيف تنظم على أساس التعاطف المتبادل؟ بروح الحب كحالة المشاهدة الذهنية التي تقضي على نضال الوجود " كما صاغ ذلك Weizsacker. أليس ما يثير العاطفة محاولة للخروج من ظل المرء ومحاولة للعودة إلى أرطاديا، حيث يتطابق العقلاني والعادل والطبيعي مع الواقع؟ أليس ما يثير العاطفة محاولة للعودة إلى الأنشودة الرعوية، التي بالنسبة لحالة نعرفها لا تطغى فيها قوة أجنبية علينا وحيث يتوجب اختفاء التنافر بين الكائن وما ينبغي أن يكون، حالة يمكن أن يجلس فيها العقل والقوة والأخلاق والسياسة معاً على مائدة واحدة؟ وأخيراً، أليس عالم الغنائية هو الفردوس المفقود الذي يسعى ما يثير العاطفة لبلوغه؟ أليس الشعر نفسه، الغنائي واحداً من أول مبدعي ومفسري رؤية هذا الفردوس؟

وأنا أخط هذا، أشعر بإغراء التمني، عوض كوني شاعراً غنائياً بالولادة، أن أصبح واحداً بالقناعة: شاعر غنائي بخياره الشخصي.

ياروسلاف سيفيرت – سيرة

ولد ياروسلاف سيفيرت في يوم 23 سبتمبر 1901 لعائلة عمال تعيش في زيزكوف، إحدى ضواحي براغ. إثر التحاقه بالمدرسة الثانوية كرس نفسه لكتابة الشعر والصحافة. شهد العام 1918 إنتاجه الأول، ونشر أول مجموعاته الشعرية عام 1921 . كان منضوياً في الجناح اليساري المتطرف من الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي تشكلت منه سنة 1921 نواة الحزب الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا حديثة التكوين. أصبح محرراً في صحف الحزب ومجلاته (روفنوست، سرساتك، ريفليكتور) أثناء عمله في دار نشر الحزب ومكتبة بيع كتبه. في العشرينيات كان ممثلاً رئيساً في حركة الحرس الأمامي الفنية التشيكية، حيث عمل كمحرر في عديد من منشوراتها. ترجم عن الفرنسية ( أبولونير، فيرلين وآخرين). وقد في مارس 1929، مع ستة كتاب شيوعيين مهمين آخرين، بيان احتجاج على الميول البلشفية في القيادة الجديدة للحزب الشيوعي التشيكي، فطرد من الحزب مع زملائه الموقعين. منذ العام 1930، عمل في مناصب تحرير مختلفة في الصحافة الاشتراكية الديمقراطية ( بيستري كفيتي، ران نوفيني).

إبان الاحتلال الألماني، عمل محرراً للصحيفة اليومية (....) وبعد 1945 في صحيفة الاتحاد (....) خلال سنوات 1945-1948 حرر المجلة الأدبية الشهرية (كيتسي). منذ 1949، عندما أجبر على عدم العمل في الصحافة، كرس نفسه كلياً للأدب. في سنوات 1936، 1955و 1968، حصل شعره على جوائز الدولة، العام 1967، تبوأ منصب فنان وطني. العام 1968، انتخب رئيساً لاتحاد الكتاب التشيك. خلال سنوات 1969-1970، كان رئيساً لاتحاد الكتاب التشيك.

توفي يارسلولاف سيفيرت سنة 1986.

 

(المجمع الثقافي)


 

.Copyright ©2003-2004 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri