
تجليات
الجمال عبر العصور
الجمال ليس
مطلقا وليس ثابتا (المقصود الجمال نفسه أيضا وليس مفهومنا
عنه فقط) هذا هو مايبينه أمبرتو أيكو بكتاب جذاب مزين بالصور.
أتخذ الجمال بالنسبة للباحث الأيطالي وجوها مختلفة حسب المرحلة
التاريخية وحسب البلد، وهذا ينطبق على الجمال الفيزياوي أذا
صح التعبير (رجل والمرأة والطبيعة….) ويخص
أيضا دون أدنى
شك جمال الرب والقديسين والأفكار، الجمال في حالته الجسدية
من جمال فينوس الصافي الى جمال مارلين مونرو الفضائحي ومن
جمال القوة والتراجيديا عند هرقل الى جمال جوني ويسمولر الطرزاني
و جمال همفري بوغارت الهش الملغز أو جمال فريد آستير الراقص
حيث حل الجمال نجما أستهلاكيا أو أداة مع كل وجه لها معنى
ووظيفة.في هذا الكتاب حل للطلاسم التي طالما أجبرنا أنفسنا
على التغاضي عنها. تخيل أن مؤرخا للفن من عالم المستقبل البعيد
أو زائرا من عالم آخر وتصور سؤاله التالي (أية فكرة عن الجمال
سادت في القرن العشرين). هذا ليس سؤالا غريبا فنحن نطرحه على
أنفسنا بخصوص القرون الماضية ونحن نستعرض البانوراما الهائلة
أو القطع التي وصلتنا منها.. اليونان القديمة ومصر الفرعونية
وبلاد مابين النهرين وعصر النهضة والتنوع الشاسع المربك الذي
بدأ منذ القرن التاسع عشر، توجد تناقضات تفعل فعلها في المرحلة
نفسها وتتطابق الذوائق في أشد الأختلافات، والسبب نعتبره بسيطا..
أنه الجمال.. الذي أمامنا أبداع جميل، أو مخلوق جميل، لكننا
نختلف فيما يعنيه أو يمثله أو يثيره فينا أو فائدته أختلافات
بعدد الناظرين أو المتأملين (أذا كان الموضوع ميتافيزيقيا)،
ولكن يبقى لدينا جميعا (ودائما) أنطباع أن كل قرن يقدم مميزات
فريدة خاصة به
وتناقضا أساسيا
يتعلق بمحصلة المفاهيم التي شغلته. ماذا سيقول المؤرخون عن
القرن العشرين ؟ في الستينيات قام فنانون أمريكيون بتشكيل
مشهد أعلاني يظهرون فيه أجهزة تلفزيون مرتبة على شكل جدار
وسيارة كاديلاك تصدمه وتشتعل. هذه نظرة جمالية تعتبر الكاديلاك
والتلفزيون رمزا للنزعة الأستهلاكية، للحضارة التي تستحق الهدم.
هل سيهتم المؤرخون كما تساءل أيكو بجمالية سيارة بونتياك متجاهلين
بيكاسو. لاتنقصنا الصعوبة لتحديد الجواب. لكي لانعود الى الوراء
كثيرا نقول أن السنوات الستين الأولى من القرن العشرين (وبعدها
أصبح ملاحظة الصراع أكثر صعوبة) كانت مسرحا لصراع درامي بين
الجمالية التحريضية والجمالية الأستهلاكية. أفرزت الجمالية
التحريضية عددا من الحركات الطليعية والتجريبية الفنية مثل
المستقبلية والتكعيبية والسوريالية والتعبيرية بحيث لايمكنك
أن تضع حدا فاصلا بين الشكلي واللاشكلي، بين الجمال الكلاسيكي
الذي طالما أعتبر ساميا والجمال(القبيح) للهلوسات السوريالية
مثلا، ولكن الحركات نفسها غير معنية كمبدأ بتقديم الجمال وهو
ليس مشكلتها، مع ذلك فمفهوم (جميل) و(ر جميل) يظل تعبيرا عن
قياس ما، وحين نقول أن كل ماأبدعوه كان لابد أن يمر عندهم
بتقييم جمالي هو حقيقة. لايوجد صانع ألا ويضع نصب عينيه تصورا
جماليا لمايصنع، وتتساوى بالنتيجة سعادة معاصري (دافنشي) مع
سعادة معاصري (دالي). القوانين الجمالية تتغير وهذا ماأثبتته
الحركات الطليعية. الفن لم يعد يقدم صورة تولد عند الناظر
المسرات الهادئة والجمال الطبيعي بأشكالها المتجانسة بل سعى
الى (تفسير) العالم من خلال عيون مختلفة وبالعودة الى نماذج
مهجورة أو غرائبية، بأستثمار محتويات العالم البدائي، وعالم
الحلم، وأشباح المرضى العقليين، وهلوسات الأدمان على المخدرات.
ولكن مع هذا كله كانت تجري عملية أعادة أكتشاف المادة، والنظر
المندهش الى المواد العادية المألوفة من خلال سياقات لاتوجد
ألا في عقل المبدع، وربما لانجافي الصواب أذا قلنا أنها توجد
في غرائز اللاوعي، أو فيما هو خارج قدرة البشر على الفهم والتفسير
القاطع.
ترجمة: جودت جالي