حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

وكالة رويترز تجمع في كتاب "فنّ الرؤية"
فوتوغرافيات مراسليها في العالم

العين تروي الحدث مختزل المعاني
وللمشهد صدى العنف والشغف

هو كتاب صاخب وحدثي ومليء بضجيج العصر أولا، ومروياته الفوتوغرافية تدل على ذلك واكثر. وهو كتاب جذاب للعين اي أنيق اللون، ناعم الملمس، مطواع الحجم، ومن هذه الزاوية يجمع مثل الكتب الثمينة في المكتبات الغربية بين ثراء المحتوى والأغراء البصري، وهما ملمحان يستمدان حيويتهما او جزءا منها، من المضمون القصصي كما الفني للمئة والست والخمسين صورة فوتوغرافية التي تم انتقاؤها من كمّ عريض جدا مما التقطه فوتوغرافيو وكالة رويترز لتؤلف المادة الخصبة لكتاب نتناوله هنا، الآن، وكان صدر لدى هذه المؤسسة الدولية تحت عنوان يمكن ترجمته عن الانكليزية بــ"فن النظر" او "فن الرؤية"()، وفي طي معناه الإشارة اللبقة والذكية الى المحمول الاخباري الموثق ماديا من واحد وثمانين مصورا/مراسلا هم موقّعو الصور في الكتاب، مع ضرورة التذكير بالأهمية القصوى التي أضحت للصورة الفوتوغرافية بعد التعديلات التي كأنها تجاوزت كل حدود حتى بات اتقانها في متناول معظم مقتني الرعيل المتطور جدا من آلات صادرت كل المبادرات الفردية التي طبعت طويلا نكهة الأوائل الإبداعية.

كي نلفت الى انتشار رأي يضع الصورة الفوتوغرافية في سلة الفنون الصناعية البدائية، او في احسن الاحوال في سلة الفنون السهلة بفضل الإضافات التقنية اليها، ان لم نأخذ برأي القائلين بانتماء هذه الصورة الى عائلة الصورة الثابتة، وبالتالي الى وسائل تسجيل الواقع وما اكثر او اقل منه، في زمن تصدّر الصور المتحركة للعوالم الملموسة بالعين، والزمن كيفما اقتربت منه زمن الهاي تك مما يفسر الى بعيد الاخطار التي تعترض مهنة المراسل الفوتوغراف، ومن اهمها خطر فقدان حاسته الابداعية لحظة التقاطه المنظر مؤطرا داخل كاميراه، اذ لم يبق امامه الا التصويب الحسن نحو هدفه، والضغط حالا على الزر الخاص باطلاق عملية تسجيل الصورة، ليتم الفعل وتقطف الصورة، وفي امكان الفوتوغراف بالتالي استغلال ما في آلته من طاقة اوتوماتيكية ليسجل بالسرعة القصوى عدة لقطات للمنظر ذاته وما عليه بعدئذ سوى اختيار افضلها... وفي ذلك ضمان للجودة ولعدم افلات "المنظر" من توثيقه فوتوغرافياً...

وفي المئة والست والخمسين صورة في كتاب "فنّ الرؤية" مختصر اخباري دقيق وجلي ومضبوط لعالم ما بعد الالفين، وافضل صفاتها في مستوى احاطة صورها لمرويات كل منها، وفي انفتاح مضمونها على كل الاشكال والوقائع تأكيدا من وكالة رويترز على ان لا امر خارج عدسة مراسليها في الاعوام الثلاثة الاولى من القرن الحادي والعشرين، ويجد متصفح الكتاب الالبوم اللقطات الفوتوغرافية التي كأنها من الطينة التي تصنع الخبر السبق (سكو) والتي تحمل فرادة خبرها في لحظة التقاطها، وفي تلك السرعة في تسجيل المشهد، الصدى الذي فيه شغف وعنف، للايقاع السريع للحياة في ايامنا، وهو الوجه للزمن الحالي ما ارادت رويترز ابرازه في "فن الرؤية" من خلال اصطفائها صورا كان التقطها مراسلوها خلال تغطيتهم الاخبار في الجهات الاربع للمعمورة، كأني بهؤلاء "يجمدون" الحدث في لحظة بعين ترى الومضة العابرة القادرة على رواية الزمن في "ثانية".

ولا سبيل هنا لاسقاط دور تطور التقنيات المذهل في جعل الكثير من اللقطات الصعبة وشبه المستحيلة في متناول الفوتوغراف المراسل المشحون بشغف مهنته، ويبقى ان التركيز المبالغ فيه على تلك التقنيات المتطورة دوما لا يكفي في ذاته في صنع الصورة الثابتة المميزة، بل انه ينادي الى جانبه على رؤية فردية خاصة بكل مراسل/ مصور ليكتمل بها ذاك ان كان يملك كل من هؤلاء الموهبة التي تخصب هي الفعل الفوتوغرافي، لذا، وبحسب طبيعة المهمة المحيطة بكل لقطة فوتوغرافية، ثمة دور رئيسي لطاقة الفرد على المجازفة بحياته لحظة اتخاذ القرار بالضغط على زر آلته، ولا يرافق مواقف واختيارات كهذه اي تنازل عن القيمة الفنية للصورة خاصة اذا تم ترشيحها للانضمام الى مجموعة الكتاب فعندئذ قد لا ينقذها ابدا قراءة ما ترويه ان لم يترافق مع الشكل الفوتوغرافي المبدع والذي يهب وحده الصورة نكهة الشروق، ولا يخلو "فن الرؤية" من الاعمال الباهرة التي تخطف عين زائرها الى اعماق مجريات تهددها بغرق لذيذ في متاعب الحياة مهما كبرت وظلمت وإن تناولت مأساة او قطفت منظرا لمتعة المتفرج المجاني.

ويطل "فنّ الرؤية" على مطالعه، والصورة تُقرأ كأي نص، والصورة نص. يطل مثل يوميات لحظوية اختارتها عين بالمرصاد مثل صياد يريد اقتناص الحياة في اعلى لحظات بلورتها في حدث فوتوغرافي مفيد وجذاب في آن واحد، وتصب كل محتوياته لخدمة فكرة واقعية حارة تتفاعل عند المفاصل القصوى مع "اخبار" تمت لملمتها من المراسلين في كل مرة كان لقاء لحظوي مع الخبر الحدث سواء أكان وجه امرأة ام واقعة حربية تختصرها صورة، وتدور الاخبار على ايقاع عيشي لا يمتنع عن الاخذ بالوجه الساخر ومن ثم الكوميدي كما عن قطاف الدقائق المأسوية التي ترسم الصورة الاكثر تطرفا للحياة المعاصرة والمجتمعات في مواجهة عولمة تضع البعيد في المتناول والقريب في المنزل والشواذ كأنه عادي والعادي كأنه ليس التصوير في زمن القرابة والخبر الخارج على المألوف، ولا يضع كتاب رويترز لنفسه حدودا وحواجز ولا يخط لمحتواه ضوابط تبعده عن معالجة اي موضوع عسكري سياسي ايديولوجي ديني جنسي.

والغريب انه مهما قدم تراوح الجاذبية لمتصفحه عند الطرق التي تدور داخل اطر الفن الفوتوغرافي، لذا يحافظ كتاب رويترز على قامته الاغرائية بما يرويه وبطرق رواية أخباره ومن دون الابتعاد وإن خطوة عن الركائز الطليعية لفن الصورة في الزمن الراهن المعقود اولا على تجاوز التقنيات نفسها. وهو كتاب من صنع محترفين على معرفة طليعية بما يعني اليوم سرد قصة كاملة في صورة ثابتة.

ونحن زرناه وتفرجنا عليه صفحة بعد صفحة ولم نغادره الا في صعوبة.

( ) صدر في منشورات Peorson Education، لندن، نيويورك، سان فرنسيسكو، تورونتو، سيدني، طوكيو، باريس، ميلانو...

 

نزيه خاطر


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri