
نزول
عشتار إلى العالم السفلي
الحروف
خواص والأعداد أسرار
قررت أنانا
“عشتار” والتي أصبحت زوجة للإله دموزي “تموز” القيام برحلة
إلى العالم السفلي، أي عالم الأموات الذي كان تحت سيطرة أختها
الكبرى اريشكيجال “عشتار معروفة كآلهة للحرب والجنس وهي ملكة
السماء وآلهة الحب والحرب والطموح”، دون الرجوع إلى تموز.
وعند وصولها إلى هناك كان عليها أن تتحدث إلى حارس الباب.
وبالرغم من أن “اريشكيجال” هي أخت عشتار إلا أنها فرحت كثيرا
بهذه الغنيمة وأمرت بإدخالها على الفور. وخلال أبواب الجحيم
السبعة التي كان على عشتار أن تجتازها كان حارس الباب يجبر
عشتار على أن تنزع جزءا من حلتها. فنزعت أولا تاجها، ثم أقراطها
ثم قلائدها، ومن ثم حمالة صدرها المصنوعة من المعدن الثمين،
ونطاقها الذي يضم تعاويذ أحجار الولادة ثم الأساور التي كانت
في معصميها وبعدها الخلاخيل وأخيرا ملابس الحشمة. وهكذا وقفت
عشتار بين يدي ملكة العالم السفلي. وبعد أن غلبها الغضب ومن
دون أية لحظة للتفكير، هجمت على أختها التي أمرت وزيرها “نامتار”
أن يطلق على عشتار العديد من الأمراض مثلما تطلق مجموعة من
كلاب الصيد. وإذا تجري هذه الأحداث في العالم السفلي كان كل
شيء على الأرض يجف ويذبل. فالأشجار لا تخضر، وتتحول الحيوانات
والكائنات البشرية إلى كائنات عقيمة، أما الالهة فكانت تبحث
حائرة عن وسيلة لتخليص الالهة، ويخلق “ايا” فردا يحكم عليه
بأن يكون ضحية فيذهب باحثا عن “اريشكيجال” ويطلب منها أن تعطيه
ماء من قربة خاصة. ومما لاشك فيه أن هذه “القربة” لا يشرب
منها إلا الآلهة. وعندما سمعت “اريشكيجال” هذه الكلمات ضربت
على فخذها وعضت أصابعها. وأخذت تلعن المرسل وتخبره بأنه لن
يتناول من الطعام والشراب إلا الفضلات ومياه مجاري المدن.
وأخيرا وبإلحاح من طلباته تنصاع “اريشكيجال” وتسكب على عشتار
الماء الذي يعيد إليها الحياة. ثم أمرت بقيادتها عبر الأبواب
السبعة. وعندما كانت عشتار تمر خلال هذه الأبواب كانت تسترد
ألبستها وجواهرها عند كل باب. الأسطورة ملخصة للأستاذ الفرنسي
جورج كونتينو في كتابه “الحياة اليومية في بلاد بابل وآشور”.
نزول عشتار
هي أسطورة من الأساطير السومرية، تعتبر من موروثات البابليين
وكذلك الأشوريين من بعدهم. تناول شاكر حسن آل سعيد هذه الأسطورة
بكل سكونها وحركتها في الفصل الأول لكتابه “البحث في جوهرة
التفاني بين الأنا والآخر”.
فسر شاكر حسن
الجانب التشكيلي في هذا الفصل، معتمدا على التقسيمات التي
قسمها أرسطو “ماء، نار، هواء وتراب”، فهو من خلال الألوان
الموجودة في الأسطورة يعكس النظرة الفنية لتلك الفترة فهو
يعلق على خطاب قد ورد في النسخة السومرية : (.. لو أخبرت أحدا
بمكانك “أي حيث تختبئ” فلتلتهمني كلابك السوداء. كلاب رعويتك).
بأن اللون الأسود إذن يرد في الأسطورة كناية عن عالمها المليء
بالخوف والحزن والعذاب. ولعل هذا هو السبب الذي يتشح به ذوو
الأموات في أرض الرافدين حتى اليوم باللون الأسود. بينما يرى
شاكر أن اللونين الأحمر والأبيض يرمزان لإعادة الحياة، فقد
كان الإنسان البدائي يستخدم اللون الأحمر كجزء من طقوس دفن
الموتى، فهو يرى أن ذكر اللونين الأبيض والأحمر بصورة مزدوجة
أي من خلال موضوع إعادة الحياة لعشتار ما بين التضرع إلى “أوتو”
تقديم ماء الحياة مصنوعا من وسخ أظفر “أنى”.
هو يرى أن
الأسطورة كانت حافلة بما أسميناه “بلحظة الفعل” بالمصطلح التشكيلي.
أو التغلغل في وصف العلاقة بين الذاتية والموضوعية.
من خلال قراءة
التحليل الذي قدمه لنا شاكر تجد بحثه بين الموت والحياة من
خلال الأسطورة، فهو كما قلنا فسر الجانب التشكيلي في الأسطورة
ثم قام برطها بالبعد الرابع الحركي لكي يصل إلى نقطة التقاء
الموت بالحياة، هو يحاول فهم الظاهر من الباطن، وتحديد الأعلى
من الأسفل.
في الفصل الثالث
يتحدث شاكر عن الأفق “السحر” وقد عرف شاكر حسن آل سعيد الأفق
في علم الأرواح (إن علم الأرواح بدوره ينص على أن أي “تجسد”
شبحي وهو أعقد الأشكال اللغوية في علم الأرواح لا يحدث دونما
لقاء “متفاهم” ما بين جسد فيزيقي يسهم بما يفرزه من أكتوبلازم
في ظاهرة التجسد وجسد كوكبي Astral Body يتحقق تجسده كدلالة
لغوية في علم الأرواح أي أنهما تماما كالعلاقة ما بين الحرف
والعدد. فإذا كان هذا شأن ظاهرة التجسد الشبحي كأكثر الأشكال
تعقيدا فإن المبدأ نفسه يصدق على عملية استحضار الأرواح بواسطة
الأشكال الأخرى مثل: تحريك الأجسام الصلبة Trumpet أو طريقة
استخدام طبلة الحروف الأبجدية والأصبع في قعر فنجان لتحركه
الأرواح إلخ، وهذه الطريقة الأخيرة هي أبسط الطرق ففي جميع
هذه الظواهر يحدث نوع من الاتصال اللغوي بحيث نستطيع أن نرصد
فيه بعض الأبجديات الماورائية، بل نحن عموما إزاء وحدتين أساسيتين
حيث النفاذ من عالم الحرف، وهو هنا “الجسد الفيزيقي” إلى عالم
العدد أي “الجسد الكوكبي” أو بالعكس على أنه في جميع الأحوال
فإن هذا التوافق يتم ما بين “جسد” ذي سرعة أو اهتزاز بطيء
وروح ذي سرعة أو اهتزاز أسرع من الضوء).
لقد حاول شاكر
حسن في هذا الفصل أن يبحث في علم الأفق عن الأنا والآخر، الأفق
عبارة عن مستطيلات “الوسيط”، أحرف “الجسد” و”العدد” “الزمن”.
إن علم الأعداد
ولا ينفصل عن علم الأحرف، و منه استخرج علم الرياضيات أي الحساب
وعليه أعمال الكون أجمع ومنه الطلاسم الدائمة والتأثير الذي
لا ينكر والسر الذي لا يجحد بكشف الأسرار المكنونة والحقيقة
المستورة في جميع العقائد التي مارسها الإنسان.
لذلك قالوا:
إن الحرف جسد وهو مادي مكون من العناصر الأربعة، وإن العدد
روح وهو مكون من البسائط، ولا يمكن للحرف أن يتحرك إلا بروحه.
ولا يخفى أن الحرف له خاصيته بما يحتويه من العناصر، فعلمنا
أن الحروف خواص، والأعداد أسرار. فمن جمع بين الخواص والأسرار
فقد ألهم السر الأكبر و الأكسير الأحمر. وهذا ما يحاول شاكر
الوصول إليه:
يعتبر الفنان
شاكر حسن آل سعيد المولود في السماوة عام 1925 أحد رواد الحركة
التشكيلية العراقية، حيث قدم الكثير من التجارب الجديدة للحركة
التشكيلية في العراق عبر رحلة دامت نصف قرن من العطاء، حيث
أسهم مع الفنان الراحل جواد سليم في تأسيس جماعة بغداد للفن
الحديث. بدأ الفنان الراحل شاكر حسن آل سعيد كفنان تكعيبي
عبر اعتماده في تكويناته على المساحات الهندسية والخطوط المستقيمة
وكان ذلك في بدايات الخمسينات من القرن الماضي. وبدأت تحولات
تجربته في نهاية الخمسينات باتجاه التعبيرية من خلال استلهام
موضوعات عراقية.
ولم يكتف شاكر
حسن آل سعيد بهذا النمط من الفن فبدأت بوادر تجربته الحقيقية
في منتصف الستينات من خلال التحويرات الحروفية واستلهام المهمل
في الجدار وإعادة صياغته كعمل فني مؤكداً في ذلك على فترة
الفن البيئي أو فن المحيط الذي نعيش فيه. وما يميز الراحل
هو الإنجاز الفني المشفوع بالمادة النظرية وقد شهدنا له أكثر
من معرض ومؤلف وصولا لمحاضراته في أكثر من بلد عربي وأجنبي.
ويمكن القول إن شاكر شكل ظاهرة فنية عربية عمدت إلى التحرر
من قيود اللوحة التقليدية ليقدم لوحة متحررة من تلك القيود
وإعادة الاعتبار للموروث العربي والإسلامي عبر لغة حداثوية
مؤثرة. وما زالت تجربة شاكر تشكل مرجعية مهمة في التشكيل العراقي
حيث استطاع أن يذهب بها إلى فضاء أكثر حرية وانفتاحا دون اغناء
دور بعض زملائه وبعض التجارب العراقية المهمة. وقد استطاع
شاكر عبر نصف قرن من العطاء أن يكون فاصلا مهما في تاريخ الفن
العراقي الحديث.
هدى سعيد سيف