
الخيال
يحرر الشخصية من المبذول... والأيديولوجي (!)
كيف
تقرأ ولماذا؟
يمكن تلخيص
كتاب الناقد الأميركي «هارولد بلوم» المعنون «كيف تقرأ...
ولماذا؟» بهذه العبارة: «حين يطرح سؤال لماذا القراءة، لاجواب
سوى أن القراءة المتواصلة والمكثفة تعزز استقلالية الذات الإنسانية»
وأطروحة الكتاب ليس شرح وتوسيع للكيفية التي تحقق فيها القراءة
هذه الاستقلالية، وأي نوع من القراءة يعنيه بلوم، وأي نوع
من الكتابة أيضاً؟.
ما يعنيه بلوم
بالقراءة هو قراءة الروايات والمسرحيات والقصص القصيرة والقصائد،
أي كل ما يحسب في الثقافة العربية الشائعة ناقلاً، وحين يعدد
هذا الكاتب الكتب التي يدعو إلى قراءتها في كتابه، لا نجد
أعمالاً فلسفية أو أيديولوجية بالمعنى الواسع، بل نجده يركز
على كتب الأدب التخيلي لا الكتابات السجالية، لأن الأدب التخيلي
،وهذا مضمون أطروحته هو أكثر طرق تحقيق استقلال الشخصية فعالية.
إذن هي دعوة
إلى «الثقافة الأدبية» كما يقول عنها الفيلسوف «رتشارد رورتي»
معنية بالإلحاح على تجنب «الأيديولوجيا» التي مثالها في نظره
نقد هيدجر ودرايدا للميتافيزيقيا، أو نقد ماركس وفوكو للرأسمالية،
أو السلطة، لأن إعطاء السياسية والفلسفة اليد الطولى في المسائل
الأدبية يقلص القوة المحررة للأعمال التخيلية.
بالطبع لا
يفكر «بلوم» أن أعمال الاقتصاد السياسي مثل أعمال ماركس، وأعمال
الفلسفة مثل أعمال دريدا تحمل جدة تساهم في تحقيق استقلالية
القارئ، ولكن هذه يمكن أن تحدث تغييراً في حياة القارئ، بينما
الاستقلالية الذاتية التي يفكر بها أولاً هي من ذلك النوع
الذي يحرر المرء من عادات التفكير السابقة حول حياة ومستقبل
النوع الإنساني، والأدب التخيلي هو الذي يدفعنا إلى إعادة
التفكير في أحكامنا عن الناس، ويساعدنا على القطع مع ماضينا،
وربما «كما يقول دورتي» قد يقود المرء إلى محاولة تغيير الواقع
السياسي أو الاقتصادي أو الديني أو الفلسفي القائم، وهي محاولة
قد تكون منطلق ممارسة تستمر طيلة الحياة للقطع مع الأفكار
المتلقاه والتي وظيفتها تبرير مؤسسات الحياة الراهنة، إلا
أن محاولة من هذا النوع قد ينتج عنها أن يصبح المرء أكثر حساسية،
وأكثر حكمة وأكثر معرفة، مثل ازدياد التعاطف بدل تغيير الأفكار،
أو التخلي عن إيمان أو اكتساب إيمان جديد.
رتشارد رورتي
اهتم من جانبه بأطروحة كتاب «هارولد بلوم» والسبب هو أنها
تنسجم مع دعوته إلى إحلال الأدب محل الفلسفة والأيديولوجية،
لأن الإحلال كما يرى يقود إلى تغيير نحو الأفضل، ويتفق كلاهما
على أن أفضل الطرق لتحقيق ما يدعوه هيدجر «الوجود الصادق»
وليصبح الإنسان إنساناً حقاً، ليس أن يسأل المرء «ما هي الحقيقة؟»
بل أن يسأل كما نصح «نيتشه» «أي نوع من الناس هؤلاء الذين
يعيشون في العالم، وما هو حالهم ومصيرهم؟».
الإجابة على
هذه الأسئلة كما يرى «بلوم» و«دورتي» معاً نجدها في روايات
مثل روايات «شتاينبك» و«اميل زولا» و«ستو» وهي روايات تحدثك
عن البؤساء والفقراء، ولكننا نجدها أىضاً في روايات مثل روايات
«هنري جيمس» و«بروست» التي تحدثك عن الأثرياء والسعداء الذين
يسعون إلى توسيع آفاقهم المحدودة.
قراءة كلا
النوعين قد تساعد القارئ على تجاوز العائلة والأساتذة والعادات
والمؤسسات، أي كل ما يقيد مخيلته، وهكذا تسمح له بتحقيق فردية
أعظم، واعتماد على الذات أكبر، لماذا يرفض «بلوم» القراءة
الأيديولوجية ويعتبرها دون الأدب التخيلي؟ السبب يكمن في نظرته
إلى الأىديولوجيا، فهي كما يراها طاقم أفكار عامة تقدم سياقاً
سيكون على القارئ أن يضع فيه كل كتاب يقرأه، ولهذا فهو يعتبرها
معادية لاستقلالية الذات، وقد تكون السبب في ظهور عادات رديئة
في القراءة، القارئ الذي يتطلع إليه «بلوم» هو الذي يأمل أن
يعيد الكتاب التالي الذي سيقرأه تكوين سياق ما قرأ من كتب
سابقاً، وأنه سيجد نفسه أمام مخيلة مؤلف قوية إلى الدرجة التي
تفقده موطئ قدميه وتأخذه إلى عالم لم يعرف أبداً أنه موجود،
وفي هذا العالم سيبدو كل ما عرف من مؤلفين وشخصيات تآلف معها
سابقاً، مختلفاً، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد. بل سيبدو
أصدقاؤه الواقعيون وعلاقاته وجيرانه مختلفين أيضاً، وكذلك
دوافعهم وخيارتهم.
ويرى «رورتي»
في محاضرة له أن ما دعاه «هيدجر» باسم «الوجود الصادق» وما
يطلق عليه «بلوم» اسم «استقلالية الذات» هما شيء واحد، يقتطف
«بلوم» في كتابه من د. جونسون قوله: «نظف عقلك من المبذول»
في إشارة إلى محاولة الوصول إلى استقلالية الذات مثلما تحقيق
الوجود الصادق والأصيل.
إن ما يجعل
المبذول مكروراً ومبذولاً ليس محتواه، بل كونه في المتناول
ووضوحه أو سماته الجاهزة، وهو نفسه ما تتحول إليه صور المخيلة
حين يعاد وصفها وتفقد نضارتها، وبذلك تفقد قدرتها على دفعنا
إلى الشك في ما نتلقى من أفكار.
كل كتابة ليست
مجرد أداة إيصال معلومات ضمنية، أو واضحة، بل هي سياق نضع
فيه المعتقدات السابقة، والكثير من الناس من الذين نعرف، والكثير
من حكايات حياتنا، والكثير من الكتب التي قرأنا، وكل الكتابات
تفعل هذا، سواء كانت فلسفية أو ما يقال أو قصائد وروايات وأعمال
نقد أدبي، إلا أن هذه الأنواع الأخيرة لا تتحول إلى مكرور
مبذول بسهولة، والسبب هو أنها تلمح ولا تقرر، وتوحي ولا تساجل،
وتقدم الرأي ضمناً لا تصريحاً.
«الزمن»