
سـعـــدي
الـحـــلــــي
في
الثقافة، وصناعتها، والثقافة الشعبية
(1)
هل تُطوى بوفاة سعدي
الحلي واحدة من الصفحات المؤثرة في الثقافة الشعبية العراقية؟
وهل تغيب هذه الصفحة على مرأى ومسمع من الثقافة الرسمية الممثلة،
باستجابتها للسلطة الثقافية وبتعبيرها عن أرادتها ونظمها ومؤسساتها،
لسلطة (صناعة المعنى)؟ وهي التي لم تبادر منذ أن لمع نجم سعدي
الحلي ملكاً غير متّوج للأغنية الشعبية، وناطقاً غير رسمي
باسم الطبقات الدنيا من المجتمع العراقي، بقراءة المطرب -الظاهرة
- ودراسة مجالات حضوره في الوعي والممارسة الجماهيرية، وقد
تجاوزت ـ هذه الظاهرة ـ حدودها وحقول تلقيها المحتملة لتدخل
إلى حقول أوسع، أبعد مدىً من المؤدى العاطفي لأغنيته وتسهم
في إنتاج نمط خاص من الغناء أصبح خير مُعبّر عن المدينة العراقية
التي لم تتخلّص كلّية من المكونات الريفيّة، مثلما تمكنت برمزية
صاحبها من التوغل عميقاً في الحدثين العراقيين السياسي والاجتماعي،
مع تركّز سعدي الحلي بطلاً متوّجاً هذه المّرة للنكتة التي
جعلت منه، في حدّتها وذكائها ودقّة بنائها، قيمة دلالية تتحرّك
في بعدها التداولي فيتحرك معها شعور جمعي مضمر، وتنطلق فتُطلَق
من خلالها مكبوتات سياسية واجتماعية وجنسية لم تتمكن الثقافة
الرسمية على اختلاف مظاهرها ونظم إبداعها من التقاطها والتعبير
عنها، ناهيك عن إطلاقها والتعبير من خلالها عن مقموعات جمّة.
إن قراءة
سعدي الحلي تقود بالضرورة لاكتشاف مجال واسع من النشاط الثقافي
يتداخل فيه الشعبي بالرسمي، وتشتبك داخله حقول الممارسة الثقافية،
فالفنان، على العموم، لا يُشكّل ظاهرة إلا بما يُحدث من تأثير
لا ينغلق داخل حقل واحد بل ينفتح ويتسع ويمتد مع امتداد ظاهرته
وتعدد مجالاته التعبيرية، والقراءة، بذلك، لا تتوجّه لفحص
المطرب الفرد ولا تتركّز عنده على ما تحمله السمات الشخصية
للمطربين من أهمية وهي تسهم في إنتاج أنماطهم الخاصة، لكن
القراءة تتسع لتشمل الدور والوظيفة وصولاّ الى فاعلية المطرب
بصياغة المزاج العام واسهامه في تشكيل الشخصية الراهنة ببعدها
الشعبي. إن دراسة متأنية يمكن أن تساعد إلى جانب دراسات أُخر
على فهم طبيعة الشخصية العراقية وتأويل أفعالها، الأمر الذي
ظل غائباً(أو مغيباً) عن ميدان البحث الجاد، على الرغم من
الحاجة الأساسية لهذا الفهم مع تورّط العراق في مواجهات خطرة
داخلية وخارجيّة وحروب طويلة شرسة إقليمية ودولية وحصار قاس
خلّفت جميعها أثراً عميقاً في بنية المجتمع وعرّضت نفسيات
أفراده لهزات كبيرة.
(2)
هل تكون وفاة سعدي الحلي، بناء على ذلك، شهادة صريحة على أرستقراطية
الثقافة الرسمية وإيمانها بنقاة جوهرها وهي تعمل على إقصاء
كل ما هو غير (ثقافي)، في فهم قاصر للثقافة، ومبالغتها في
النظر إلى أنواع كتابية دون أخرى، وانشغالها بأفكار ومقولات
لم تؤتِ ثماراً معقولة على امتداد ما يتجاوز نصف قرن من الزمان
؟ وهل تؤشر وفاته قطيعة بين الثقافتين (المعيارية) في توجهها
نحو الفنون الراقية و (اللامعيارية) في توجهها لإبداع الطبقة
الدنيا من المجتمع من أغانٍ وحكايات شعبيّة ورسوم وسواها من
إبداعات ظلت منسية في المنطقة الظل من حياتنا؟ إنها تؤشر عبر
نسيانها، غياب حلقة مهمة في سلسلة (الدراسات الثقافية) لا
سيما في أنموذجها الاجتماعي الذي تُعدّ (الثقافة) فيه وصفاً
لطريقة حياة خاصة تعبّر عن معانٍ وقيم محدودة، ليس فقط في
الفن والتعليم، بل كذلك في المؤسسات العادية والسلوك العادي
حسب تعبير رايموند وليمز. مثلما يكشف ضعفاً يكاد يكون مرضياً
في فهم (الثقافة الشعبية) وتلقيها والتعامل معها بوصفها "
المظاهر الثقافية (الحاضرة) في هذه المجتمعات، بما أنها طريقة
حياة وسلوك من فنون وطريقة إعلان ووسائل إعلام وحياة جنسية
وأغانيٍ ورقص وصحافة وسينما ورياضة…" وهي تسعى لإنتاج مقاومتها
الدلالية برفض المعاني المنتجة من قبل سلطة صناعة المعنى لتعمل،
بالمقابل، على بناء ما يخدم مصالحها ويعبّر عن إرادتها وينطق
بلسانها.
وإذا كانت
(الدراسات الثقافية) و (الثقافة الشعبية) وليدة المجتمعات
الرأسمالية الصناعية التي عملت على رصد مختلف مظاهر حياتها
الخاصة والعامة، والانتقال بما هو عام ومتدن إلى مركز العناية
الثقافية للإحاطة به والوقوف على ما يشتغل داخله من أنماط
اجتماعية أو نفسية أو سياسية، فإن ثقافتنا بقيت محدودة في
حركتها، محدودة في حقولها، وإن انفتحت في جانب منها على (الفلكلور)
و (التراث الشعبي) وهما يتوجهان الى رواسب (الماضي) وموروثاته
مقابل انفتاح (الثقافة الشعبّية) على (الراهن)، ليضيف حضور
(الماضي) وغياب (الحاضر) بعداً إشكالياً جديداً في فهمنا للثقافتين،
هذا البعد الذي لا يزال ينظر إلى الأثر بوصفه خلاصة ويتجاهل
الراهن في جانبيه الشعبي والفطري، وإذا ما اهتمت ثقافتنا الرسمية
بأي منهما فسيكون اهتمامها آنياً لا يتطوّر ولا يمتد إلى ما
عداه وصولاً الى انتاج برامج ومؤسسات تكون مسؤولة على نحو
مباشر عن هذا النمط من الإبداع. يمكن أن نتخذ من الفن الفطري
العراقي مثلاً في هذا المجال، عبر أنموذجه (نعم فرات) " خاتمة
الفن الساذج في العالم " وقد انتهت حياته في الثاني من شهر
آب عام 1972 بحادثة دهس، ولم يكن قد مَّر على اكتشاف أهميته
أكثر من أثني عشر عاماً بعد أن نّبه له فنانون ونقاد أجانب
أدهشتهم أعماله مثل (البرتو تشانيني) الذي عده " ممثلاً لكل
الاتجاهات الفنّية في كل القارات " أو المستشرق البلجيكي البرفسور
(آرمن آبيل) الذي تحدّث عن " العلاقة الكائنة بين المادة ووسائل
معالجة هذه المادة والصورة التي تنتج عنها " في أعمال منعم
فرات، وإن كنا لا ننكر كتابة الفنان محمد غني حكمت عنه في
مطلع الستينات، لكننا نتحدث عن نسيان الأثر بغياب الإنسان،
ونسيان الإنسان نفسه حتى في حال حضوره، فالثقافة التي انتبهت
لمنعم فرات بمحفزات معظمها خارجّية، كما حدث ويحدث مع الكثير
من رموزنا الثقافية، تعود وتتركه، ما أن يرحل، إلى النسيان.
لن ننسى بدورنا قراءات واستعادات سعت الى تأمل هذا الفن واستنهاض
مبدعيه، مثل قراءة (بديعة أمين) المعنونة(خيط من الشمس من
سومر لأيامنا) التي تناولت فيها إلى جانب منعم فرات فنانين
فطريين آخرين أمثال حيدر سالم وطلال سامي ومحمد صافي وكاغد
زيبك، واستعادة القاص محمد خضير للفنان في قصته (أطياف الغسق)،
لكننا نتحدث عن نسيان ناتج عن قطيعة، وتجاهل نابع من انفصال
ما زالت ثقافتنا الرسمية تُغرق فيه الكثير من رموز الثقافة
الشعبية، والفطرية منها، بإبداعها ومبدعيها، مثلما حدث ويحدث
مع كثيرين لن يكون سعدي الحلي غير واحد منهم.
(3)
إن هيمنة ما تعيد تنظيم الصلة بين سعدي الحلي وبين مستمعيه
من عراقيي الطبقة الدنيا، خصوصاً في حفلاته الخاصة التي تشهد
بعد تسجيلها إقبالاً شعبياً واسعاً، فالكلمة غير المتحفظة
واللحن غير الموزّع توزيعاً دقيقاً، والفرقة الموسيقية شبه
المرتجلة وهي تعاني من فجوات بسبب غياب بعض الآلات وحضور واضح
لآلات أُخر تحاول سد النقص فتمنح الأغنية أثراً طاغياً، كآلة
الكمان التي تحولت إلى فرقة موسيقية وحدها ودخلت هي الأخرى
مجال الإعجاز ليُنقل عن عازفها (الح حسن) ما يؤكد قدرته غير
المحدودة على التعامل مع الآلة كل ذلك يُصبح من سمات المشهد
الغنائي الشعبي ومزاياه التي لا تترك مسافة بين الأغنية والجمهور،
فالجمهور حاضر في الأغنية، متوحد معها، داخل مشهدها بكل ما
يصاحبها من فعاليات تعبيرية، إنها بذلك تعمل على إطلاق معانيها
الخاصة بوصفها جزءاً من ثقافة صراع تقحمه من أجل صناعة معانٍ
اجتماعية تصب في مصلحة الثانوي، ولكنها لا تحظى بتأييد أيدلوجيا
المهيمن، والانتصار في هذا الصراع مهما كان ضئيلاً ومحدوداً
فإنه ينتج متعة شعبية، وهي بالأساس اجتماعية وسياسية".
من هنا لم
تكن إطلالة سعدي الحلي من التلفزيون العراقي خلال (قادسية
صدام) مرتدياً بدلة العريف بعد منع طويل لتسبق حركته في مجال
النكتة وقد لبس فيها البدلة العسكرية أيضاً، في حركته بين
مجالين رسمي وشعبي، غنائي وساخر. كانت النكتة، على الدوام،
تسبق الأغنية في صراع الهيمنة بين الثقافتين، فما تحاول الثقافة
الرسمية أن تقوله بتبنيها الجديد لسعدي الحلي بما يتماشى مع
أهداف وغايات تقتضيها حرب السلطة الرسمية، تهدمه الثقافة الشعبية
وهي تمنح أبطالها حضوراً أوسع، فلا شيء يسبق النكتة أو يتجاوز
حضورها على امتداد سنوات الحرب، لذلك فقد انقطع سعدي عن الظهور
على شاشة التلفزيون، على الرغم من استمرار الحرب، مُنع مَّرة
أخرى أو تمَّ تجاهله لتواصل النكتة سريانها. ألا يؤشر ذلك
آليات دفاع تميّز الثقافة الشعبّية، مثلما يشير الى قدرات
عقلية تدير المواجهة من جانبها وتواصل الصراع؟ فالثقافة الشعبّية
"تصنعها تشكيلات متعددة من أناس ثانويين Subordinate منزوعي
السلطة disempower بعيداً عن المصادر، المادية منها والمعنوية
تلك التي يوفرها النظام الاجتماعي نفسه الذي همشهم، لذا فهي
متناقضة وفي حالة صراع مع مركزها".
(4)
مفارقة أخرى يمكن أن تُلاحظ في العلاقة بين الثقافتين وهي
تشهد سلوكاً معقداً لا يخلو من تجاهل ناتج عن ترفّع أو خجل
أو ادعاء من قبل الثقافة الرسمية وممثليها للثقافة الشعبّية
ورموزها، فسعدي الحلي أنموذج الثقافة الشعبية وصوت الطبقة
الدنيا يمثل، في أحيان كثيرة، اختياراً خاصاً، غير مصّرح به،
من قبل نماذج تنتمي في مظهرها وممارستها للثقافة الرسمية،
داخل السلطة وخارجها، وتتعداها إلى الكثير من (الفئات الواعية)
التي تعد سعدي مطربها المفضل ورديف أوقاتها الحميمة، لكنها،
وعلى الرغم من ذلك، تكتم اختيارها وتتجاوز اعتبارها في نوع
من الاستهلاك أو الادعاء المظهري Conspicuous Consumption
يدفع الكثير منها الى عدم التصريح برغبتها في الاستماع إليه
والاقتراب من أجوائه الحياتية. إن نوعاً من التّرفع والخجل
يبدوان مسؤولين عن مثل هذا الموقف إذ يستنكر بعض أبناء الثقافة
الرسمية التعلّق بأنموذج شعبي هو من ضمن مُلكية الطبقة الدنيا
مثلما هو أنموذجها الذوقي، إنهم بذلك يتنصلون من شبهة (المطرب
الشعبي)، فكما يشكّل الذوق العام طابعاً رمزياً لفئة معّينة
يسهم في تجسد هويتها ويفترض حصانتها. مثلما يشكّل الخجل مسوّغاً
أخر للتكتم، فما تسبغه (النكتة) على سعدي الحلي من دور يُعّد
وازعاً قوياً لعدم تصريح أبناء الثقافة الرسمية بالميول والاهتمام،
فالنكتة التي تسهم في أحيان كثيره في مقارعة الإرادة السياسية
واستثمار المطرب الشعبي للتعبير عن المقموع الاجتماعي والجنسي
لأفراد الطبقة الدنيا تسعى، ولو عبر السلوك غير السوي، للحفاظ
على مطربها، والدفاع عن واحد من امتيازاتها الطبقيّة النادرة.
د. لؤي حمزة عباس