حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

أوغوستو روا باستوس

قائد الكلمات المُشمسة

الآن النهوض.. وبعد الآن تحطيم كرسي الديكتاتور. الآن غرفة التأمل الضيقة. وبعد الآن في الهواء الطلق. الآن. لم تعد الشعوب على سطح هذا الكوكب الذي داهمته الشيخوخة مبكراً، بفعل جرائم الاستبداد وأعاصير القمع وسيوف الإرهاب ومتفجراتها،تتحمل ديكتاتوراً ولو بوزن الريشة. وبعد الآن.. المحاكم للطغاة. فالعقل البشري الذي طالما أغلقت السلطات منافذه بالاتجاهين على حد سواء، وأغرقته بالظلام طمساً لأفكار التحرر من العبوديات الحديثة، ومشطت مساحاته بشفرات التراكتور لسحق بذار كل مصباح هناك، مع ما قد يتعارض مع سلطاتهم وأخلاق مؤسساتهم القذرة الرطبة بالدم والخراب وأفكار السفاح،يراهن على العدالة للقصاص من ورثة نيرون وهتلر وستالين ومنتجات عفلق الوبائية السوداء.

الآن..يخسر العالم الممتلئ بالشعوب الناهضة لمقاومة المستلبين،كاتباً خلاقاً وروائياً باذخاً في مقاومة الرعب والدكتاتوريات الشمولية التي مرت على أمريكا الجنوبية. وبعد الآن.. الروائي أوغوستو روا باستوس قائد مواكب الكلمات المشمسة التي ستشرق على كامل التراب اللاتيني. ليصلح الإنسان إنساناً بوثائق لا بوثاق وحسب، كما نجده
الخطأ الوحيد في سجل الحكومات المستبدة.

هنا نقدم ترجمة عصام الخشن لبعض السطور عن الروائي الأمريكي اللاتيني الكبير أوغوستو روا باستوس مع قصة تنفرد (شبكة الآن ) بنشرها عربياً

القلم المقارع للسلطة

خسارة روائي الباراغواي الشهير أوغوستو روا باستوس

"الهجران وفقدان اللغة هو أكثر ما يكابده الأديب في منفاه" هذا ما كان يردده أديب الباراغواي الشهر أوغوستو روا باستوس الذي ودّع الحياة في السادس والعشرين من شهر نيسان المنصرم عن عمر يناهز 87 عاماً قضاها بين الغربة الروحية في الوطن، وبين المعاناة في المنافي، وبين الشهرة في الأوساط الأدبية اللاتينية والعالمية.

إعلان رئيس الباراغواي نيكانور دوارتي فروتوس (صحفي سابق) الحداد الوطني لمدة ثلاثة أيام يعد تكريماً لقيمة هذا الأديب الفذّ، والروائي الأكبر في تاريخ الباراغواي الحديث، حيث جرى تشييع جثمانه في المركز الثقافي الوطني.

كان روا باستوس ينتمي سياسياً إلى اليسار. هجر وطنه عام 1947 على إثر الحرب الأهلية، وأقام في الأرجنتين حيث أصدر مؤلفات كثيرة، وظل مقيماً في هذا البلد لغاية عام 1976 أي عام وقوع الانقلاب العسكري الدكتاتوري، عندها انتقل إلى فرنسا، وقام بتعليم اللغة الإسبانية في جامعة تولوز، وأخيراً وبعد عودة الحكم الدستوري الديموقراطي إلى بلده في حقبة التسعينات عاد وبصورة متقطعة إلى أن وافاه الأجل في مسقط رأسه.

كان أوغوستو روا باستوس بدون شك أهم أعلام الأدب الحديث في الباراغواي، بل كان واحداً من الذين رسموا معالم الأدب الأمريكي اللاتيني في النصف الثاني من القرن العشرين، وقد نال جائزة سرفانتس وهي أعلى جائزة أدبية باللغة الإسبانية عام 1989، وألّف روايات شهرية مثل " أنا الأسمى" عام 1974، و"ابن الإنسان" عام 1960، وأكثر من عشرين عملاً أدبياً متميّزاً، وشملت أعماله الشعر، والقصص، والنصوص المسرحية، كما وكان مؤلّفا هاماً للروايات السينمائية لدى تواجده في الأرجنتين. مثل "جزاء الخائن" عام 1966 و " رعد بين الأوراق" عام 1958 و "ابن الرجل" عام 1961.

وعن دوافع موهبته الأدبية يقول روا باستوس : " كنت ومنذ نعومة أظفاري أقرأ في مكتبة عمي الأسقف أرمينيخيلد روا، وقد كنت إشبينه وسكرتيره الخاص، وكان الأسقف يمتلك مكتبة كبيرة، وهكذا فقد كنت أقرأ شعراء النهضة والدين (بارّوكو).

ولد روا باستوس في كنف أسرة من الطبقة الوسطى في أسونسيون بتاريخ 13 حزيران (يونيو) من عام 1917، ولكنه أمضى طفولته في "إيتوري ديل مانورا" وهي قرية صغيرة تعتمد على زراعة قصب السكر. وتقع في وسط الباراغواي، وكان من الطبيعي أن يتكلم أهلها لغة أهل البلاد الأصليين (الغواراني) إلى جانب اللغة الإسبانية. وقد ميّزت ازدواجية اللغة هذه أعماله الأدبية مثلما أثرت فيها القصص المأسوية لحرب التحالف الثلاثي (الأرجنتين –البرازيل-الأوروغواي) ضد الباراغواي، ومثلما أثر فيها وضع الباراغواي التي هيمن عليها نظام سولانو لوبيس لغاية 1870، وهي الأحداث التي كان يتم نقلها شفهياً.

عمل روا باستوس كممرض إبان "حرب تشاكو" التي اصطدمت فيها الباراغواي مع بوليفيا فيما بين عامي 1932 و1935، وحول ذلك قال في إحدى المرّات " لقد هربت برفقة بعض رفاقي في المدرسة الكاثوليكية حيث كنت طالباً في القسم الداخلي، هربت باتجاه المغامرة الكبرى، ألا وهي الحرب..".

وقد استلهم اوغوستو روا باستوس من تلك المغامرة رواية "ابن الرجل" التي نال عليها جائزة لوسادا عام 1960، وجائزة أخرى في بوينس أيرس. وآنذاك قال الكاتب الأرجنتيني المعروف توماس إيلوي مارتينس " لقد تمكن روا باستوس من تحديد معالم أمريكا الأصيلة. واستطاع إنارتنا بلواعج نفسه الشخصية من خلال نصوص متماسكة ذات طابع اجتماعي، وسياسي، وتاريخي، يتصف بها أهل الباراغواي، كما وتنطبق في الوقت نفسه على كافة أبناء القارة الأمريكية".

لقد مارس أوغوستو روا باستوس الصحافة، ولذلك فقد تأثرت أعماله أيضاً بالنواحي الإنسانية والأدبية، فقد عمل كرئيس تحرير لجريدة "البايس" التي تصدر في الباراغواي، وكمراسل صحفي في لندن عام 1945، وتأثر أدبه إلى درجة كبيرة بأعمال الروائي الأرجنتيني المعروف هوراسيو كيروغا، وأعمال الفوضوي الإسباني الذي أقام في أسونسيون رافائيل بارّيت، وكذلك تدل أعماله على تأثره بالأدب الكلاسيكي ويدو ذلك في أشعار " سنونو السحر" وأشعار أخرى مثل " شجرة البرتقال المتوهجة" وهي أعمال استندت إلى تجربة واقعية وواعية.

أثناء لجوئه إلى الأرجنتين في عام 1947 عمل روا باستوس في مختلف المجالات، حيث مارس مهنة الترجمة، والتصحيح، ومهنة النادل، وماسح الزجاج، وبائع الخردة في إحدى الأسواق الشعبية، وكان الدكتاتور ألفريدو سترويسنير يحكم الباراغواي منذ عام 1954 وظل يحكمها لغاية عام 1989، فأصبحت الباراغواي بمثابة جزيرة معزولة، ومع ذلك فإنها ظلّت بالنسبة لأوغوستو روا باستوس مصدر الإلهام، ومن هذا الواقع انبثقت أكثر رواياته جسارة وهي " أنا الأسمى" التي نشرها عام 1974. ويقول عنها الكاتب ماريو غولوبوف الذي شارك باستوس في منفاه في تولوز – فرنسا، إنها عبارة عن عمل متعدد النوازع وينفرط فيها عقد اللغة ليجعلها روا باستوس تنطق بما ليس بالمستطاع قوله!!".

ويضيف ماريو غولوبوف بأن شخصية الدكتاتور غاسبار رودريغيس الفرنسي في هذه الرواية ليست سوى ذريعة للخروج عن إطار الرواية السياسية المعهودة فروا باستوس يستخدم أسلوب الطليعة الأدبية لكي يعولم تاريخ بلده!!". ويتفق الأديب نوح جيتريك مع هذا الرأي قائلاً : إن تلك الرواية تعتبر العمل الرئيسي لروا باستوس، والعمل الأرقى مستوى، لأن مسألة الدكتاتور الأمريكي اللاتيني تعتبر ذريعة لابتكار عالم ولغة شخصية ذات قوة كبيرة، وإنها ثمرة عمل دؤوب ذو صلة بروايات تقليدية مثل "خريف البطريريك" لمؤلفها غابرييل غارسيا ماركيز، و " تيرانو بانديراس" لمؤلفها فيجا إنكلان، و" فخامة الرئيس " لأستورياس وغيرها من الأعمال الأخرى.

ويؤكد جيتريك بأن روا باستوس كان علماً من أعلام المقاومة المدنية والأدبية في الباراغواي، وذلك نتيجة دعمه الشديد لقضية حقوق الإنسان، والحريات السياسية".

لقد زار الروائي والأديب أوغوستو روا باستوس مسقط رأسه الباراغواي بصورة متقطعة، وأقام فيها اعتباراً من عام 1996، وعرف بسخائه الدائم حيث أهدى المبلغ الذي ناله من جائزة سرفانتيس من أجل دعم مشاريع تربوية في الباراغواي.

وفي عام 1997 انتمى روا باستوس إلى حزب اللقاء الوطني، لكنه ما لبث أن ابتعد عنه عام 2000 نتيجة خلافات سياسية، ويؤكد الكثير أن عظمته الأدبية كانت أيضاً ثمرة أخلاقه الرقيقة والمرهفة ونزاهته.

ويقول الكاتب الأرجنتيني الشهير توماس إيلوي مارتينس في رثاء روا باستوس : " في آخر حديث هاتفي أجريته معه منذ زهاء ثلاثة أشهر ظل صامتا لمدة دقيقة تقريباً.. وشعرت بأنه منهك، وحزين للغاية، فسألته : أما زلت موجوداً؟! فأجاب: أجل ولكن لا أعرف إلى متى!! ".

المــــزبـــــلــة

قصة للروائي أوغوستو باستوس ظلت شبه سرّية إلى أن أعاد إصدارها عام 1993، وقد نشرتها جريدة "كلاين" الأرجنتينية:

كانا عديمي الوجه.. وكانا يقطران لزوجةَ.. وقد ابتلعهما الظلام.. ولم تكن هناك سوى قامتيهما البشريتين الهائمتين.. كلا الجسدين امتصه ظلّه، وكانا متشابهين ومختلفين بآن واحد. الأول جثة هامدة يسافر على صفحة الأرض باستكانة الساذج أو اللامكترث، والآخر يلهث منهكاً وهو يجرّه بين الحشائش البرّية والنفايات، ويتوقف بين حين وآخر ليلتقط أنفاسه ثم يستأنف السير وهو ينو من ثقل الحمل. وكانت رائحة الماء الآسن تفوح في كل الأرجاء، وهي الآن أشد وخزاً من جراء نتانة الصدأ وروث وبراز الحيوانات، تلك الرائحة اللدنة من جراء تجهم وتوعد الطقس، والتي يلوّح الرجل بيده محاولاً بين الفينة والفينة محاولاً طردها عن أنفه ووجهه. وثمة قضبان زجاج أو معدن ترتطم ببعضها تحت الحشائش، رغم أن أي من الإثنين لا يسمع بالتأكيد ذلك الإيقاع الخفي، أو دمدمة المدينة التي تلوح في البعيد وكأنها ترتجف تحت سطح الأرض. ولم يكن هناك من حسّ سوى ذلك الصوت المرن والأصم للجسم الذي يرتطم على الأرض، وحفيف بقايا الأوراق، أو الضربة الخافتة للحذاء الذي يدوس فوارغ الصفيح والأنقاض. وان كتف الآخر يعلق أحياناً بالشجيرات اليابسة، أو بأحد الأحجار، فما يكون منه إلا أن ينتزعه بشدّة قوية وهو يمضع أنّةّ أو يطلق تلك الآه.. المطاطية التي يصدرها الحمّالون عندما يرفعون إحدى الطرود المستعصية على أكتافهم. وكان واضحاً أن وزن الآخر يتصاعد طرداً، ليس فقط بسبب تلك المقاومة المسالمة التي كان يبديها بين حين وآخر عندما يعلق بالحواجز، بل ومن الخوف نفسه، أو القرف، أوالاشمئزاز، أو الاستعجال الذي كان ينهك قواه ويدفعه للفروغ بأسرع وقت ممكن.

في البداية سحبه من ذراعيه، ولو لم يكن الظلام دامساً لكان بالمستطاع رؤية زوجين من اليدين متشابكين، ولكأنهما صورة "نيجاتيف" لعملية إنقاذ معاكسة. وعندما علق الجسد مرّة أخرى أمسك بالقدمين وشرع يجرهما وقد أدار ظهره لهما وهو بغاية الانحناء إلى الأمام وقد بدأ يركز قدميه على حافات الحفر. وكان رأس الآخر يرتطم بصدمات تبدو وكأنها مسرورة من التبديل، وفجأة انتشرت أنوار صادرة عن سيارة مرّة على المنعطف، ووصلت تلك الأشعة الصفراء على شكل موجات متتابعة لغاية كوم النفايات، والأعشاب، وتخددات الأرض، فما كان من الذي يسحب الجسد إلا أن تسطّح أمام الآخر، وفي ظل هذه الحالة واللمسة الباهتة تواجه الاثنان، وكان أحدهما ذو لون رماد مائل للسواد، والآخر فزع وممرغ بالتراب، ويحاول أن يتصنع بأنه غير متأثر، وما لبثت العتمة أن ابتلعت الوجهين مجدداً.

نهض واستأنف جرّه قليلاً، ولكنهما كانا قد وصلا إلى موقع أصبحت فيه الحشائش أعلى ارتفاعاً. فرتّب وضعه كيفما استطاع، ودثّره بالقمامة، والأغصان اليابسة، وبقايا الحطام كما ولو كان يريد أن يحميه من تلك الرائحة التي كانت تعيث في الجرد أو من المطر الذي لن يتأخر في الهطول. توقف قليلاً ومسح بذراعه جبهته المتصببة عرقاً، وبصق بغضب، عندها سمع ذاك النشيج الذي أثار رهبته. كان نشيج الطفل ينبعث متلاشياً ومكبوتاً من بن الحشائش، كما ولكأن الآخر كان يئن ببكاء طفل مولود لتوه تحت أكوام النفايات.

هم بالهروب !! ولكنه تمالك نفسه وقد بهره شعاع البرق الذي انتزع من الظلام أيضاً هيكل الجسر المعدني ليجعله يدرك كم كانت قصيرة تلك المسافة التي قطعها. حنى رأسه مستسلماًن وركع ودنا وكأنما يتشمم ذلك النشيج المكبوت الملحّ. وكانت هناك قرب كوم القمامة صرّة ضاربة إلى البياض. ظل الرجل قابعاً لحظات طويلة مرتبكاً بما سيفعل. ونهض ليهمّ بالذهاب، وقطع بعض الخطوات.. لكنه لم يقدر على المضي.. فالنشيج أخذ يتعلّق به. فعاد رويداً رويداً متلمساً في الظلام، لاهثاً، عاد ليركع وهو ما زال متردداً. ثم مدّ يده فأصدر ورق الصرّة خشخشة، وبين أوراق الصحب كان هناك هيكل بشري. حمله الرجل بين ذراعيه. وكانت ملامحة خرقاء وعديمة الذاكرة، ملامح من لا يعرف ما يفعله، ولكنه وفي مطلق الأحوال عاجز عن فعل العكس. انحنى ببطء وكأنما أصابه الاشمئزاز من تلك الرقة المفاجئة المهيضة الجناح إلى أقصى الحدود، وخلع عنه المعطف، ودثّر به الطفل الرطب الباكي، ومضى يغزّ السير وهو يكاد يركض. ابتعد عن المزبلة وجرد الحشائش هو ونشيج الطفل، واختفى في العتمة.

 

ملف: أوغوستو رواباستوس
قدم له: أسعد الجبوري
ترجمة: عصام الخشن


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri