حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

المناسبة المئوية الأولى لولادته

سارتر مرجع لا غنى عنه أم معلّمٌ سيئ؟

لقد كانت الأشهر الأولى من سنة 2005، سنة المئوية الأولى لولادة جان بول سارتر (في 21 حزيران سنة (1905)، مناسبةً لنا لتبيان ظاهرة أصبحت، منذ وفاة الكاتب، سنة 1980، باديةً للعيان: التباين المستغرب بين الطريقتين التي يُقابل بهما سارتر في فرنسا وفي العالم؛ كأنّما رُميَ بالحُرْمِ عندنا، في وقتٍ ما زال فيه في أماكن أخرى مرجعاً لا غنى عنه.

بينما راحت الصحافة الفرنسيّة (باستثناء القليل منها)، منذ كانون الثاني المنصرم، تكرّر مثل أسطوانة قديمة مشروخة، العناوين المعهودة ذاتها ("مباراة آرون ـ سارتر"، "أخطاء سياسيّة"، وسوى ذلك)، مشدّدةً على كون سارتر معلّماً سيئاً أو مفكّراً تجاوزه الزمن أو حتّى محتالاً، كانت المدائح الوافدة من بلدان مختلفة كالبرتغال وإيطاليا وألمانيا وبريطانيا وبلجيكا وأسبانيا وصربيا ـ مونتينيغرو وبولندا والولايات المتحدة والأرجنتين والبرازيل وكولومبيا وفنزويلا واليابان وجزر الأنتيل والصين وسويسرا، تجمع على أمرٍ واحد: وهو أنّ الرسالة التي بلّغها سارتر تبقى في نظرهم أداة مرجعيّة لفهم عصرهم، وأنّ أعماله ما زالت تلقى لدى الطلاب، وبمضي خمسة وعشرين عاماً على وفاته، القدرَ نفسَه من الاهتمام.

أيّ عنصر من عناصر المسيرة السارترية هو ذاك الذي يستبقيه اليوم هؤلاء المفكرون الأجانب، فيما يلبث الفرنسيون غافلين عنه؟ هذا العنصر يكمن في أن سارتر، وريث الطبقة البورجوازيّة، استشعر، منذ سنة 1925، خلال أعوام دراسته في معهد المعلّمين العالي، بحدود التقليد الجامعي الفرنسي. وكان يؤيّد بنظرته تلك الانتقادات التي صاغها رفيق دراسته بول نيزان (الذي سيُصدِر فيما بعد كتابه "كلاب الحراسة") وتلك التي صاغها كلود ليفي ستروس الذي عبّر من خلالها عن "خيبة أمله العاجلة" من تدريسٍ فلسفي "يُصحِّر الذهن".

كما يبقى راسخاً في أذهانهم أن سارتر ردّ بطريقته الخاصّة على ذاك الوضع المُخيّب للآمال: فأولى اهتمامَه بعض أشكال التعبير الجمالي الوافدة والتي كانت تُعتَبَر أقلّ شأناً، كالسينما على سبيل المثال؛ كما التفت إلى ثقافات أخرى كانت تُعتَبَر أقلّ عراقةً، كالثقافة الأميركية على سبيل المثال؛ وانسجاماً مع صورتِه كوريث مُخرِّب التي ستلازمه طيلة حياته، أطلق انتقاداته ضدّ المؤسسة الفلسفية، رافضاً أن يتخذ التدريس الجامعي مهنةً، منتقلاً إلى برلين لكي ينمّي لديه تطلّبَ التفكير في الحاضر، واستكشاف سُبُلٍ جديدة أكثر تلاؤماً مع تطلعاته.
كما يكمن هذا العنصر في اهتمامِه، وهو يعمل أستاذاً في مدرسة الهافر الثانوية، بالرواية الأميركية التجريبيّة في زمانِه، حيث اكتشف أعمال دوس باسوس وفوكنر وملفيل، واصفاً، فيما بعد، تلك الحقبة بأنها لحظة انفتاح وتجدّد باهرين، "ثورة لاإقليدية بالفعل": إذ كتب قائلاً "لقد بدا لنا فجأة أننا تعلّمنا شيئاً للتوّ، وأن أدبنا كان على وشك الخروج على عاداته القديمة. وسرعان ما نظر المئات من المثقفين الشبّان إلى الرواية الأميركية، ومعها الجاز والسينما، بوصفها أفضل ما تمّ استيراده من الولايات المتحدة".

ويكمن في أنّ سارتر استطاع، وكان سبّاقاً في ذلك، غداة الحرب العالمية الثانية، وبفضل إقامته لفترتين في الولايات المتحدة خلال تلك السنوات المفصليّة، أن يلاحظ التوازنات الجديدة التي كانت قد بدأت ترتسم آنذاك وفكّر في صيرورة الثقافة الأوروبية والحضارة الغربيّة من منظور "الأوروبي سنة 45".

فمن خلال وصفه الثقافة بأنها "تفكير حول وضع مشترك" ووصفه "منظر المدينة المبتورة" بأنها "معمار مشترك لأوروبا"، أدرك "ضرورة التزوّد مجدداً بالعتاد والعدّة واستحالة أن يُطلبَ ذلك إلاّ من الأميركيين".

ويكمن في أنّه، منذ العام 1948، وانطلاقاً من التأكيد بأن "الأبيض تمتّع لثلاثة آلاف سنة بمزيّة أن يرى من دون أن يُرى"، أعاد إلى القارات المنسيّة كلّ ما تستحقه من اعتبار، كإفريقيا "غير المرئيّة، بعيدة المنال، القارّة الوهميّة"، وطوّر مذ ذاك فكراً لما بعد الحقبة الاستعمارية شكّل العمود الفقري لجميع الحركات المناوئة للاستعمار والتي بدأت آنذاك تنمّي وعيها.

ويكمن في أنّه، بعد ذلك بعشرين عاماً، قد سلّط الضوء بوصفه رئيساً لمحكمة راسل، وحيال الإساءات التي ارتكبتها الولايات المتحدة في فيتنام، على فراغٍ قانوني "ينبغي ملؤه ولا أحد يملؤه"، وفي أنّه ناضل، استناداً إلى تحليله "لمصدري السلطة، أي مصدر الدولة ومؤسساتها ومصدر الشعب"، في سبيل إنشاء محكمة "تتأتى شرعيتها الوحيدة، في وقت معاً، من عجزها التام ومن طابعها الجامع".

وفي الحقبة نفسها، أراد تحديد مواقفه بوضوح، فأضاف قائلاً: "لا ينبغي لنا أن نعتبر أميركا مركز العالم. إنّها أعظم قوة في العالم، إني أقرّ بذلك. ولكن انتبهوا جيّداً: إنها بعيدة كلّ البعد من أن تكون المركز. وعندما يكون أحدنا أوروبياً يكون من واجبه ألاّ يعتبر أميركا مركز العالم؛ يجب أن يظهر اهتماماً وتضامناً (...) حيال جميع أصدقاء ـ العالم الثالث ـ الذين شقّوا طريقهم إلى عتبة الوجود والحريّة والذين يبرهنون كلّ يوم أن أعظم قوة في العالم عاجزة عن فرض قوانينها، وأنها أيضاً عرضةً للنيل منها أكثر من سواها في العالم كلّه، وأن العالم كلّه لم يخترها لكي تكون مركز توازنه. مما لا شكّ فيه أن الولايات المتحدة ستتطوّر بطيئاً، بطيئاً جداً. وستتطوّر، برأيي، على نحو أفضل بمقاومتنا لها لا بتمجيدنا لها".

ويكمن في أنّ سارتر كان في العام 1971، وعقبَ قرارات منع الصحف الماوية واكتشاف الأكاذيب التي أشيعت من مصادر أخبار تقليدية، المبادر إلى إنشاء وكالة أنباء "ليبراسيون"، التي كان الغرض منها بحسب ميشال روكار إنشاء "وكالة أنباء ثورية، تسعى إلى استقاء الأخبار مباشرة" وغايتها أن "أن تكون منبراً للصحافيين الذين يريدون أن يقولوا كلّ شيء، وللناس الذين يريدون أن يعرفوا كلّ شيء، وطبعاً أن تكون منبراً للشعب".
اقترح سارتر إذاً تلمّس أطر جديدة، والشروع بخطط وتحالفات مع لاعبين جدد سواء على مستوى الحياة اليوميّة أو على مستوى الحياة الفكرية، متيحاً للآخر فرصة الشراكة في مشروعه.

كثير من المساعي، كغيرها من التجارب الرائدة، تخلّلها الكثير من التلمّس وسوء الأداء وحتّى المغالاة، ولكن ما السبيل لاجتناب الخطأ إذا كنت تخوض التجارب؟
فكيف لنا إذاً أن نفهم هذا التباين الفاضح في تقويم نتاج سارتر في فرنسا حيث تُرمى بالحُرْم، وفي الخارج؟ كيف نفسّر حقيقة أنّه أسهل على طالب ما، في سنة 2005، أن يسجّل أطروحة دكتوراه عن سارتر مع أستاذ مُشرِف في بروكسيل أو لياج أو لوفان، من أن يسجّلها مع أستاذ مشرف في فرنسا حيث لم ينتخب المجلس الوطني للجامعات سوى ثلاثة من حملة الدكتوراه المتخصّصين بسارتر لمنصب الأستاذيّة.

في سياق مقابلة كان راديو كندا قد أجراها معه عام 1967 وبقيت غير منشورة طوال الفترة السابقة قبل أن تصبح اليوم في متناول المهتمين في المكتبة الوطنية، ينطق سارتر بعبارة ربّما كانت مفصلية، في معرض الإجابة عن تلك الأسئلة. ففي سياق إحدى العبارات، وعلى نحو تلقائي، يقول الآتي: "كان لوثر يقول: ـ كلّ البشر أنبياء ـ" فماذا لو كان سارتر الناطق باسم قيمه الاحتجاجيّة (البروتستانتية) الموروثة عن جدّه، شارل شفايتزر، وبراديكالية تطلّب أخلاقي ما، يبقى غير مقبول في فرنسا التي تغلب عليها الكثلكة والتي تأبى مواجهة جراحها الخاصّة؟

الحقيقة أنه حتّى سنته العاشرة، بقي سارتر الذي لم يذهب إلى المدرسة، التلميذ الأوحد لجدّه، وهو المربّي الشهير الذي شارك جول فيري في تأليف "القاموس التربوي" (وهو الكتاب المقدّس للتعليم الابتدائي في فرنسا في فترة صدور قانون الفصل بين الكنيسة والدولة عام (1905).

ماذا لو كان سارتر، منطلقاً من قيم تلك الأقلية ضمن الأقلية، أي البروتستانتية الليبرالية، يمثّل عنصر إزعاج، هو الذي طالما بدا راديكالياً في أحكامه، متصدياً بلا هوادة لمحرّمات الذاكرة الجمعية الفرنسية المتمثّلة بالتعامل (مع العدو النازي) والتمييز العرقي، وممارسة التعذيب، والاستعمار؟ وهذه كلّها جراحٌ وطنية عميقة لم تستكشَف كما ينبغي إلاّ من قبل باحثين أجانب أمثال روبرت باكستون أو ميخائيل مارّوس، على سبيل المثال.

متبصّر، ومخرّب، ومنطلق من المجتمع المدني، احتل سارتر المواقع المتقدّمة في ساحة الصراع لأجل تطوير ثقافة بديلة ما زالت فاعلة اليوم. مستكشف الآخر هذا يبقى هو المتبصّر الذي اهتدى إلى "مساميّة الحدود" التي يتحدّث عنها كلود ليفي ستروس فغدا رائداً في "تداخل المجالات العلمية، وأغنى الثقافة الفرنسيّة بجولاته الثمينة خارج الحدود التقليدية للمعرفة".

فإذا كان بلد فولتير وديدرو ومونتيسكيو وهوغو وزولا عاجزاً عن إدراك أهمية الميراث السارتري، فإن المفارقة شاءت أن تفد إلينا من الأميركيتين أصداء هذين الفيلسوفين المواطنين اللذين، على غرار كورنيل وست في الولايات المتحدة أو أنتاناس موكوس في كولومبيا، يهتدون يومياً بميراث سارتر كما قد يهتدي المرء ببوصلة أخلاقية، سارتر الذي كان سبّاقاً إلى تصوّر عالمٍ متعدّد الثقافات وما بعد الحقبة الاستعمارية هو العالم الذي نحيا فيه اليوم.
أليس سارتر هو من وصف الثقافة بأنها "تبادل متواصل يسوق الأمم إلى أن تعاود اكتشاف ما لدى الأمم الأخرى، ما ابتكرته وما تخلّت عنه؟".

نشرت هذه المقالة في صحيفة "لوموند" الفرنسيّة، في عددها الصادر في 21 حزيران 2005.

آني كوين ـ سولال
ترجمة: بسّام حجار


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri