
الشاعر الرجيم
من المتّفق عليه بين
المترجمين أنَّ ترجمة الشعر هي من أصعب أعمال الترجمة، إن
لم تكن أصعبها تماماً، ويرى البعض أنّها توازي في صعوبتها
ترجمة النصوص والأبحاث العلمية المعقِّدة، علماً بأنَّ لكلّ
من هذين الصنفين خصوصيّته وإشكالياته، ولندع جانباً ترجمة
النصوص العلمية بمصطلحاتها التقنيّة الحديثة، ولنتحدّث في
موضوعنا، أي ترجمة الشعر وكثيراً ما يقال أنَّ الشعر لا يترجم,
وهذا القول صحيح إلى حدّ مّا، لأنَّ على المترجم أن يتفهّم
أحاسيس الشاعر وأن يتمكّن من إتقان نقل هذه الأحاسيس النفسيّة
والخيالية والصور البيانية التي يوردها، بالإضافة إلى ما هنالك
من موسيقى وأوزان وقوافٍ، يصعب على المترجم غير المتمتّع بحسّ
مرهف وسليم وبموهبة شعرية، أن يتقن هذا العمل الإبداعي الصعب.
وقد تبارى كثير من الشعراء
في هذا العمل، وخاصّة في ترجمة بعض القصائد الشهيرة والخالدة
كرباعيّات الخيّام، التي لها ما يربو على ستّين ترجمة: من
أشهرها ترجمة الشّاعر "أحمد رامي" التي غنّتها له المرحومة
أمّ كلثوم.
سمعت صوتاً هاتفاً في
السحر نادى من الغيب رفات البشر والّتي يقال أنّ أحمد رامي
ذهب إلى إيران، ودرس جيّداً اللغة الفارسيّة، قبل أن يترجم
هذه القصيدة المشهورة والخالدة على مرّ العصور.
وهنالك أيضاً ترجمات
عديدة لرائعة "لامارتين الشهيرة: "البحيرة" (Le Lac)_ وربّما
كانت أفضلها ترجمة الشّاعر اللبناني: نقولا فياض، لأنّه استطاع
أن يحافظ على إيقاع وموسيقى القصيدة الفرنسيّة:
"Ainsi, toujours poussés
vers de nouveaux riavages,
Dans La nuit éternelle
emportés sans retour,
Ne pourrons – nous
jamais sur l’océan des âges,
Jeter l’ancre, un seul
jour??
أهكذا تنقضي دوماً أمانينا
* * * نطوي الحياة وليل الموت يطوينا
تجري بنا سفن الأعمار
ماخرة * * * بحر الوجود ولا نلقي مراسينا؟؟
وأنا أقول أني لست شاعراً،
ولا أقارن نفسي أبداً بالشاعرين اللذين ذكرتهما، ولكنّي أستطيع
القول بكلّ تواضع أنّي أتذوّق الشعر، أحبّه وأتفهّمه. وقد
اخترت شاعرين، وترجمت بعض قصائدهما، أوّلهما: "شارل بودلير"
والثاني هو"جورج فوريست".
أوّلاً: من هو "شارل
بودلير"؟...
"شارل بودلير" الملقّب
بـ"الشّاعر الرجيم"، ولد في باريس، سنة 1821، اشتهر بديوانه
المعروف: "Les Fleurs du Mal" أو "أزهار الشرّ"، ولكنّه، قبل
نشره هذا الديوان، (بتاريخ 25 حزيران، سنة 1857)، قام بالعديد
من الأعمال الصحفيّة وأعمال النقد الأدبي، كما عرف عنه أنّه
ترجم بعض أعمال الكاتب الأميركي: "ادجار آلن بو". وربّما كان
قد استحقّ لقب "الشاعر الرجيم"، لغرابة أطواره وهندامه، وللحياة
البوهيميّة التي كان يتّبعها، ولفلسفته الجديدة المتعلّقة
بالطبيعة، مخالفاً بها شعراء وفلاسفة سبقوه، من أمثال "لامارتين"،
و"جان جاك روسّو".
وكان على ما يبدو، من
روّاد "المدرسة الرمزية"، الأوائل، ولذلك لم يفهمها آنذاك
القرّاء ولا النقّاد، الذين اعتادوا على أنماط سابقة من الرومانسية
التي كانت سائدة في عصره، لدرجة أنَّ الصحافة هاجمت ديوانه
الذي أحدث فضيحة عند نشره، وأحيل هو والناشر إلى القضاء الذي
حكمه بدفع غرامة مالية، قيمتها: (300 ف) خفّضت فيما بعد إلى
(50ف) مع القرار بحذف بعض القصائد التي اعتبرت منافية للأخلاق
في ذلك العصر.
وقد لقي بعد ذلك بعض
التأييد والتشجيع مع الشّاعر الكبير "فيكتور هوغو"، ومن الكاتب
المشهور: "غوستاف فلوبير"، الذي كان قد تعرّض لمحاكمة مماثلة
عند نشره روايته المعروفة: "مدام بوفاري".
1 – L’Albatros.
2 – L’Ennemi.
3 – Correspondance.
4 – L’ Homme et la
mer.
ـ "القوطرس"
أو الشّاعر والطائر
كثيراً ما يمسك بحّارة
السّفن، وهم يلهون،
بعض طيور "القوطرس"،
تلك الطيور البحرية الضخمة،
التي تتبع السفن ماخرة
العباب، وترافقها محلّقة بخمول،
ولا يكاد البحّارة يضعونها
على ظهر السفينة،
حتّى تترك هذه الطيور،
التي كانت ملوك الأجواء،
أجنحتها الكبيرة تتدلى
كالمجاديف وتزحف على جانبيها،
هذه الطيور المهاجرة،
كم تبدو عند ذلك، ضعيفة وفاقدة الحيلة،
هي التي كانت في الجوّ،
ساحرة الجمال، لكم أصبحت مضحكة وقبيحة
يلهو بها البحّارة،
هذا بمشربه، وذاك بتقليده الطائر العاجز عن الطيران.
وأنت، أيها الشّاعر،
مثلك في ذلك مثل أمير الأجواء، هذا
الذي يتحدّى العاصفة
في الجوّ ويهزأ بالصيّاد،
ولكنّه عندما يقع على
الأرض، منفيّاً، تعيق ذلك العملاق أجنحته
الضخمة، وتمنعه من المشي.
ـ العدوّ
لم يكن شبابي سوى عاصفة
مظلمة هوجاء،
تتخلّلها هنا وهناك
بعض أشعّة الشمس السّاطعة،
وقد أحدثت فيه الرعود
والأمطار تشويهات كبيرة،
بحيث لم يبق في بستاني
سوى القليل من الثمار الناضجة،
وها أنا قد بلغت خريف
العمر.
وعليّ أن أستعمل الرفش
والمجرفة،
لكي أرمّم من جديد التراب
الذي غمرته المياه،
وأحدثت فيه حفراً عميقة،
كحفر القبور.
ومن يدري فيما إذا كانت
الزهور الجديدة التي أحلم بها،
ستجد في تلك التربة
التي جرفتها المياه وأصبحت كالحصى،
الغذاء الروحاني الذي
يمنحها القوّة.
ياللألم! ياللألم! إنَّ
الزمن يلتهم الحياة!...
وهذا العدوّ الغامض
والمجهول، الذي يقضم قلوبنا،
من الدّم الذي نفقده
نحن، ينمو، هو، ويقوى.
ـ تواصل
الطبيعة معبد يزخر بالأعمدة
الحيّة،
التي تطلق أحياناً كلاماً
مبهما،
والإنسان يمرّ عبر غابات
من الرموز،
التي تراقبه بنظرات
أليفة.
وكالأصداء البعيدة التي
تختلط ببعضها،
عبر وحدة غامضة وعميقة،
واسعة الأرجاء كالليل
وكالضياء،
تتجاوب العطور، الألوان
والأصوات.
هنالك عطور ناعمة كبشرة
الأطفال،
عذبة كألحان المزامير،
خضراء كالبراري في الربيع،
وهنالك عطور أخرى، فاسدة،
قويّة وغالبة،
تشبه بانتشارها ما هو
لا نهائي.
كالمسك والعنبر، عطر
الشّرق والبخّور،
التي تنشد تحليق الأرواح
والحواسّ.
ـ الإنسان والبحر
أيها الإنسان الحرّ،
سيظلّ البحر عزيزاً على قلبك،
البحر مرآتك، تتأمّل
بإعجاب روحك في تموّجاته الأبدية.
ونفسك ليست أقلّ عمقاً
من أغواره.
يحلو لك أن تغوص في
أحضان صورتك،
وتعانقها بعينيك وبذراعيك،
بينما يلهو قلبك أحيانا
عن أهوائه، بالاستماع
إلى صخب وهدير أمواج البحر، العاتية،
أنتما الاثنين، غامضان
ومتكتّمان.
أيها الإنسان، لم يستطع
أحد سبر خفايا نفسك.
أيها البحر، لا يعرف
أحد كنوزك الخفيّة،
لشدة حرصكما، على كتمان
أسراركما.
ومع ذلك، فقد مرّت قرون
لا تحصى،
وأنتما تتصارعان، دون
ندم ولا شفقة،
لفرط ما تحبّان المجازر
والموت.
فيالكما من متصارعين
أبديين، أيها الأخوان المصرّان على الشراسة والعناد.
ثانياً: من هو "جورج
فوريست"؟؟
إنَّه الشّاعر السّاخر،
والهزلي الظريف، الذي ولد في مدينة "ليموج" الفرنسيّة سنة
1864، درس الحقوق في جامعة "تولوز"، ولكنّه لم يمارس المحاماة.
ومن دعاباته المبكّرة أنَّه كتب على بطاقته: "محام بعيد عن
المحاكم"، و"محام متعطّل عن العمل". وبدلاً من ذلك، كان يواظب
على ارتياد المكتبات العامّة والمقاهي، ومنتديات الحيّ اللاتيني،
حيث كانت أشعاره تثير إعجاب وفرح الجمهور، كيف لا وهو الشّاعر
الإنساني الفكه والظريف، الذي قال عنه أحد النقّاد: "إذ تقرأ
جورج فوريست، فأنت تتناول العلاج الذي يحقِّق لك البهجة والمرح."فهو
بالحقيقة خفيف الظلّ وله قصائد ظريفة وغريبة الشّكل، لدرجة
أنها تثير الدهشة والاستغراب: على سبيل المثال، وقد اخترت
القصيدتين التاليتين: والأولى أعطاها عنواناً لديوانه:
1- La Négresse Blonde
2- Ballade, Pour faire
connaître mes occupations ordinaries.
ـ الزنجيّة الشقراء
إنّها سوداء قاتمة
كالغيوم في سماء عاصفة
وكريش الغربان
وكحرف (A) ،حسب رأي
"رامبو"
كالليل الدامس، كالسأم
كالحبر الأسود، كالسخام
ولكنّ شعرها، شعرها
الطويل
ناعم كالحرير
أشقر، أكثر شقرة من
الشمس، ومن العسل
عقيقي أكثر من العقيق،
ومن حوّاء
من "هيلين ومرغريت"،
ومن نحاس أواني المطبخ،
ومن السنابل الذهبيّة،
في شهر الحصاد
حتّى ليخيّل لنا أنّها
مخلوقة من الأبنوس والذهب،
الزنجيّة الحسناء، الزنجيّة
الشقراء
إنّها من أكلة لحوم
البشر، ولكنّها بريئة وساذجة،
تجلس عارية تماماً على
جلد "قنغر"
في جزيرة "تمامورو"
قصيدة للتعريف بأعمالي
واهتماماتي الشخصية والاعتيادية
نرى بعض الناس يعملون
بقالين،
محامين أو باعة صوف
ونرى بعضهم حجّابا ومباشرين،
أو قوّاسين في الكنائس،
والبعض يصنعون البورسلين،
الصباغ، الورق المقوّى
والمسلسلات
وآخرون يذهبون لاصطياد
الحيتان،
أمّا أنا فأصطاد الجعل
ـ (الخنافس)
وبعض الناس نراهم كتّابا
فاشلين،
مهووسين مساكين
(المشرحة ملأى منهم)
"أناس مساكين كما يقول
فيرلين"
أمّا نحن فنبحث عن لحنكم
ونغنّيه:
هيّا احرقي نفسك أيتها
الفراشة الجميلة!.
أنا أصطاد الخنافس
وعبثا يثرثر حولي الجهلة
الثقلاء،
إلى أن تنقطع أنفاسهم:
"يجب أن يختار أحدكم
مهنة يمارسها هيّا!
هيّا!
أيّها السّادة لتكونوا
حكاماً لبعض الولايات،
ولتضعوا الحبوب لفراخ
البطّ،
أو لتضغطوا غاز الأسيتيلين
فأنا أصطاد الخنافس!
ترجمة: علي باشا