حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

إذا كان السكوت من ذهب فالصراخ من جوهر وياقوت!

هنا الحديقة ليست سعيدة.

لذلك يجلس فيها العشاق ويتخاصمون.

هنا الطرقات ليست سعيدة،

لذلك تتلوى من شدة الألم وتنمو على وجهها حفر يسقط فيها الناس

هنا القرية ليست سعيدة

لذلك يبيعها الفلاحون بالتقسيط ويهجرون شجيراتها بلا ندم

هنا المدينة ليست سعيدة لذلك تسعل بشدة بسبب التلوث وتنام في المستشفيات

هنا القطارات ليست سعيدة لذلك تتأخر عن مواعيدها وأحيانا تتعطل وتقف في الخلاء. هنا الشرطي ليس سعيدا لأنه يقف تحت المطر، وحيدا إلا من صفارته وغشاء مسدسه الفارغ.

هنا الإشارات الضوئية ليست سعيدة لأن هناك من يحرقها بلا رحمة

هنا الكتب ليست سعيدة لأن الناس لا يفتحونها كل مساء قبل النوم، ويفتحون مكانها أفواههم في تثاؤب طويل بلا نهاية.

هنا الأطفال ليسوا سعداء لأن الدولة لا تفكر فيهم بما فيه الكفاية، وتنشغل بصنع صناديق ألعاب للكبار أكثر من بناء حدائق ألعاب للصغار

هنا النساء لسن سعيدات، لأن الرجال أصبحوا عازفين عن الزواج، والذين يتزوجون يعزفون بعد العام الأول للزواج عن الحب، وما يصمد في النهاية داخل العائلة ليس شيئا آخر سوى التعاسة.

هنا المقاومون ليسوا سعداء، لأن أوسمتهم التي تبرعت بها عليهم الدولة ليستعملوها كل عام في عيد الاستقلال لا تنفعهم أمام فواتير الدواء الذي يشترونه من الصيدليات كل أسبوع.

المقاومون الحقيقيون الذين قاوموا الاستعمار ووجدوا أنفسهم في آخر المطاف يقاومون الأمراض المزمنة، وليس المقاومين المزيفين الذين لم يشاهدوا بندقية في حياتهم غير بنادق الصيد المعلقة على الجدران، ولم يغتالوا شيئا آخر غير الوقت في رحلات صيد مملة، ومع ذلك حصلوا بسبب هذه المقاومة على رخص الصيد في أعالي البحار نكاية بكل الذين كانوا يغتالون المعمرين والجبناء

هنا المعتقلون السابقون ليسوا سعداء، لأن مصروف الجيب الذي تقاضوه من جلاديهم ليقايضوا به سنوات العذاب أنفقوا نصفه على علاج الأمراض التي ربحوها من الزنازين، ونصفه الآخر أنفقوه في اقتناء زنازين في السكن الاجتماعي يعتقلون داخلها أنفسهم وعائلاتهم إلى الأبد.

هنا الفنانون ليسوا سعداء، لذلك يلتهمهم سرطان مخيف يقضي وقته في البحث عنهم وسط الناس، يتعرف عليهم من قلوبهم الهشة ووجوههم الشاحبة ونظراتهم المتحسرة على أبنائهم الذين يتشردون بعدهم وعلى وطنهم الذي قسا عليهم أكثر من اللازم.

هنا الرياضيون ليسوا سعداء، لذلك يذهبون للركض تحت رايات أجنبية، ويعلقون ميداليات ذهبية مرددين أناشيد وطنية أخرى بغصة في الحلق وحرقة في القلب على رايتهم ونشيدهم الوطني الذي بحت حناجرهم من كثرة ترديده دون أن يسقط لا النشيد ولا الراية في حبهم.

هنا السياسيون سعداء، لأنهم في كل مرة يفتحون دولاب ثيابهم يلتقطون معطفا جديدا ويلبسونه ثم يذهبون إلى الشعب، وعندما يختلون به يخدعونه بالوعود المعسولة ويخطبون وده ثم يطلبون صوته عوض يده. وبمجرد ما يجلسون فوق الكرسي يطلقونه طلاقا بائنا. هنا الوزراء سعداء، لأنهم محصنون ضد كل شيء. ضد المتابعة، ضد المحاسبة. ولشدة حرصهم على كراسيهم أصبحوا محصنين حتى ضد الاستقالة

هنا السماسرة سعداء، لأن الحكومات التي تناوبت علينا وفرت لهم شعبا غارقا في المشاكل التي لا يحلها سوى السماسرة بمعارفهم في الدواوين والوزارات، ومفكرات هواتفهم حيث الأرقام السرية لصامصونيت هذه الورطة الوطنية

هنا اللصوص الكبار سعداء، لأن الدولة تعرف أسماءهم واحدا واحدا ولا تفكر في اعتقالهم خوفا من أن يعترفوا أمام الملإ بأسماء كل الذين يقتسمون معهم سرقاتهم، وتفضل بالمقابل اعتقال لصوص صغار وأنانيين لا يقتسمون سرقاتهم التافهة مع أحد، وبعض الصحافيين الذين لا يريدون التقاط نصيبهم من فتات السرقات

هنا المثقفون سعداء، لأنهم يفتحون أفواههم عندما يكون هناك من يهدد جيوبهم ويغلقونها عندما يكون هناك من يهدد كرامتهم

هنا النخبة سعيدة، لأنها تقاضت ثمن صمتها حتى آخر مليم، وعندما أرادت أن تستعيد صوتها وجدت أنها قايضته بكراسي تافهة في مناصب لا تمارس فيها سيادة أخرى غير سيادتها على رواتبها السمينة التي تصرفها الدولة لها كل شهر

هنا المتفائلون سعداء، لأنهم يفضلون رؤية نصف الكأس المملوء ويغضون الطرف عن النصف الآخر المهرق على جنبات الطاولة التي يحملها الشعب على أكتافه

هنا النقابات العمالية سعيدة، لأنها ارتاحت من عبء الإضرابات والاعتقالات، زعماؤها يتفرغون الآن لتخليد أنفسهم إلى الأبد على كراسيها الحجرية، فيما الطبقة الشغيلة تباع في المزاد لمن يدفع أكثر

هنا الضمير خرج في عطلة وترك على بابه يافطة يخبر فيها الجميع أنه مغلق من أجل الإصلاح. هنا الكرامة استعذبت طعم الأحذية التي تدوسها، واختارت أن تعيش مخلوطة بالتراب على أن تموت وأنفها في السماء

هنا كلاب الحراسة أصبحت تحب أن تسمى بأسماء السادة، والخنازير البرية أصبحت تطمع في الاحترام

هنا السعداء يتحدثون نيابة عن البؤساء، لأن البؤساء يحترفون دائما فضيلة السكوت مطمئنين إلى حكمة "السكوت من ذهب

"المساكين، لا يعرفون أنه إذا كان السكوت من ذهب فإن الصراخ من جوهر وياقوت! تعلموا إذن أن تصرخوا من حين لآخر، ولو من شدة الألم على الأقل.

 

رشيد نيني / كاتب من المغرب - الجريدة


 

.Copyright ©2003-2005 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri