
مقاطع
من كتاب الأب بيار الجديد "يا الهي لماذا؟"
زواج
المسيح بالمجدلية لا يستند إلى أي برهان ملموس
"يا الهي، لماذا؟" عنوان
جديد يضاف إلى مجموعة مؤلفات "الأب بيار" الفرنسي واللاهوتي
الذي خرق تقاليد دينية كثيرة ليرسم مسيرة متميزة لكنها بقيت
ضمن حدود العطاء والانفتاح وضمن المعايير الإنسانية والدينية.
كتابه الجديد الذي يحتوي على وجدانيات خاصة لكنه يتطرق فيها
إلى مسائل سياسية وقضايا عالمية تدعو إلى الجدل. ويتزامن صدور
هذا الكتاب الذي ساعده في كتابته وإعداده فريديرك لونوار مع
إطلاق وثائقي ـ خيالي خاص بالسينمائي كلود بينوتو يُبث على
قناة فرنسا الثانية بمناسبة عيد الميلاد في الشهر المقبل،
وسيكون الأب بيار بطل هذا الوثائقي بعد أن صار بطلاً متوجاً
من قبل الفرنسيين الذين اختاروه ولمدة سنوات عديدة متوالية
واحداً في لائحة أفضل الشخصيات برأيي الفرنسيين.
يبلغ الأب بيار اليوم
93 عاماً ولا زال يكتب بشكل خاص في محور "سر الإيمان". وفي
كتابه الجديد يتأمل في موضوعات عديدة ويكتب عنها: السعادة،
الحب، الخطيئة، أسرار الافخارستية وأسرار الثالوث المقدس في
أفكار جريئة قد تعجب البعض وتصدم البعض الآخر. ولكن في مطلق
الأحوال، يبقى الأب بيار "أيقونة" فرنسا المعاصرة في نظر مواطنيه.
نقتطف من كتابه بعض الفصول وننقلها إلى العربية.
مقاطع من الكتاب
أبلغ 93 عاما وما زال
إيماني يتجه أكثر فأكثر ناحية التساؤل: "يا الهي، إلى متى
ستستمر هذه المأساة؟ يقولون لنا في كل الكتب الدينية وفي كل
الأديان إن الحياة تمتلك معناها. ولكن كم من عدد النساء والرجال
الذين تمكنوا خلال عشرات المليارات من السنين من أن يكتشفوا
هذا المعنى؟ وكم عدد هؤلاء الذين امتلكوا بحق وعي الحياة الروحية
وبالتالي الأمل؟ وكم عدد الآخرين وعلى عكسهم، الذين عاشوا
تقريباً مثل الحيوانات، في الخوف والعوز والحاجة إلى النضال
في سبيل حب البقاء، وفي الألم والمرض؟ كم عدد الذين كان لهم
الحظ في التأمل في معنى الوجود؟
أبلغ اليوم 93 عاماً
وإيماني الذي يلازمني منذ حوالي ثمانين عاماً ما زال يتجه
أكثر فأكثر ناحية التساؤل. يا الهي، لماذا؟ لماذا العالم؟
لماذا الحياة؟ لماذا الوجود الإنساني؟"
عرفت الرغبة الجنسية
"شخصياً، اخترت أن أكرس
حياتي للرب وللآخرين وأنا شاب يافع، وعندها التزمت العفة.
وبطريقة ما، صارت حياتي أشبه بحياة أسير. وحين نعلم أن ثمة
أموراً نشتهيها غير قابلة للتحقيق ـ وذلك لأن حياة الراهب
المنذورة لمساعدة المحتاجين والمعوزين لا تسمح له بإقامة علاقة
غرامية ـ علينا أن نبعدها عنا. وعلينا عدم إعطاء الرغبة الحظ
في أن تنبت فينا، أريد القول هنا إنها مسألة الطاعة بالرضى.
ورغم ذلك، لا شيء يلغي قوة الرغبة، وحصل معي أن وقعت تحت إغراءاتها
بشكل عابر. لكنني لم أقم أي علاقة ثابتة ومتواصلة كي لا أجعل
الرغبة الجنسية تبني جذورها فيَّ، وإلا لكنت أقمت علاقة طويلة
الأمد مع امرأة معينة، وهذا يتعارض مع خيار حياتي. إذاً لقد
اختبرت الرغبة الجنسية وفهمت ندرة احتمال إشباعها، لكن هذا
الإشباع كان النبع الأساسي للإحساس بعدم الإشباع، وذلك لأنني
كنت حينها أشعر بأنني لست حقيقياً، وشعرت بأن إشباع الرغبة
الجنسية بحاجة لأن يحصل ويتم التعبير عنه من خلال علاقة غرامية
حنونة وواثقة. غير أن علاقة مماثلة كانت ممنوعة عليَّ بسبب
خيار حياتي. وبهذا كنت سأترك ورائي نساء تعسات وكنت سأظل ممزقاً
بين خيارين لا يتوافقان معاً".
لم أفهم
"لم أفهم يوماً لماذا
أكد البابا يوحنا بولس الثاني والكاردينال راتزنجر بأن الكنيسة
لا تسمح للنساء بالوصول إلى مراكز ورتب فيها. أعتقد أن هذه
المقولة لا تتوافق مع الإيمان المسيحي، وأظن أن الذين تشددوا
في هذه الأفكار، أياً كانت مراكزهم مرموقة، فهم لم يعطوا ولا
مرة دليلاً واحداً أو برهاناً دينياً واحداً يؤكد مقولة إن
وصول النساء إلى الكهنوت أو الاكليروس أمر يتنافى مع الإيمان.
الدليل الوحيد الذي
تقدموا به إلى الكنيسة هو أن المسيح لم يختر ولا امرأة من
بين تلامذته أو رسله، مع أنه كان محاطاً كثيراً بالنساء. بالنسبة
لي، أجد أن هذا الدليل ليس دينياً بل اجتماعياً محض، لأنه
في تقاليد ذلك العصر، لدى اليهود، كما كان أيضاً لدى اليونانيين
والرومانيين، لم تكن النساء تمارسن أي وظيفة رسمية. لكن هذه
التقاليد المكتسبة، كما نعلم جيداً، تعود إلى العقلية أو الذهنية
الذكورية المتصلة بفكرة سيطرة صورة الأب على المجتمع. وهنا،
يصور الرجل على أنه أعلى شأناً من المرأة ومتفوق عليها فكرياً
وقادر على السلطة وحدة ومن دونها، في هذا الإطار، نكون نرى
يسوع بشكل مغلوط، إذ أنه وعلى الرغم من فكره المتحرر، لم يكن
يرغب في المضي عكس التيار في ذلك الزمن وعكس المعتقدات التي
كانت مسيطرة على كل شعوب منطقة حوض المتوسط، ولو فعل ذلك،
لكان حرك من حوله العديد من التساؤلات ولكان أبعد شعبه عن
فهمه. لكن ما لا أفهمه، لماذا وبعد كل التطور الذي لحق بالنفوس
حول هذه المسألة، بقيت الكنيسة مخلصة لتلك الأفكار المسبقة.
من يستطيع بعد اليوم
أن يبرهن مقولة إن المرأة أقل شأناً من الرجل في كل المجالات،
وأنها غير قادرة على الحكم وعلى تعليم الآخرين وإرشادهم؟..
وهناك حجة أخيرة لدى المدافعين عن حق الاكليروس للرجال فقط
وهي أن المسيح كان رجلاً وبما أن الكاهن هو "صورة المسيح على
الأرض" لا يمكن إلا أن يكون من نفس جنس المسيح. وأنا أجد أن
هذه الجملة شبيهة بالسابقة، فالمسيح، من جهة اعتباره دينياً
الثاني في الثالوث الأقدس، فهو هنا بالتحديد لا ينتمي إلى
جنس معين، فهو ليس ذكراً ولا أنثى في الثالوث الأقدس، ولكن
حين تجسد على الأرض، لم يكن ممكناً إلا أن ينتمي إلى جنس معين
وكان رجلاً. ولا أعرف لو كان امرأة فهل كان ممكناً أن يصير
له اتباع في ذلك العصر؟ وهنا أيضاً اعتقد بالبعد الاجتماعي
الطاغي لخيار جنس المسيح ولا علاقة له بالدين. من هنا. أجد
أن تقبل المرأة في الأديان هو مجرد تطور للعقليات في المجتمعات
كافة، وأنا أجد أنه من الممكن وأتمنى ذلك بقوة أن تتطور الكنيسة
حيال هذه المسألة في العقود القادمة.
نعم
"أفهم الرغبة الصادقة
لدى العديد من المثليين الذين عاشوا مشاعرهم تجاه من يحبون
في الخفي والظلمة في أن يظهروا علناً في المجتمع. لقد عمل
الأب بيريتي سكرتيراً في مكتبي وبقي حتى مماته يعلن أنه مثلي
الأحاسيس ولقد ناضل من أجل تأسيس مؤسسة مسيحية تسعى إلى الاعتراف
بحقوق المثليين الجنسيين. لقد تعرفت أخيراً والتقيت أعضاء
هذه المؤسسة والمسؤولين فيها: دافيد وجوناثان. ولقد قلت رأيي
صراحة لهم بأن كلمة "زواج" هي متأصلة جداً في ذاكرة الناس
الجماعية على أنها مؤسسة تجمع رجلاً بامرأة، ولكي نتمكن من
يوم لآخر أن نجعل استعمال هذه الكلمة من أجل ثنائي ينتمي إلى
جنس واحد أمر صعب للغاية. فذاك سوف يحدث صدفة في المجتمع وسوف
يحدث أيضاً خللاً اجتماعياً قوياً، لماذا لا نستخدم كلمة "ارتباط"
بدلاً من "زواج" في لقاء المثليين الجنسيين، وهي كلمة جميلة
وغير متعلقة بالذاكرة كثيراً في الاستخدامات اللفظية اليومية.
أما مسألة تبني الأطفال
من قبل المثليين فهي مسألة غاية في التعقيد كما لا يمكن معالجتها
بخفة، لأنها حسب رأيي الشخصي وطبعاً حسب دراسات كثيرة تؤكد
ذلك، تتصل بالبعد النفسي لدى الأطفال. لنترك الأمر يأخذ مجراه
ونستمع بالتالي إلى المحللين النفسيين ونعرف ونفهم إلى ما
توصلوا في هذا المضمار وإذا حقاً لا يتأذى الولد نفسياً واجتماعياً
إذا كان لديه أبوين من جنس واحد. وإذا صح العكس وتبين أن في
الموضوع إساءة للولد، فأنا ضد تبني الأطفال من قبل المثليين
الجنسيين".
المسيح والمجدلية
"إن النجاح العالمي
الذي حصدته رواية "دافنتشي كود" أو "شيفرة دافنتشي أعاد إلى
الواجهة مقولة أو فكرة أن يكون المسيح قد تزوج من مريم المجدلية،
وحسب ما وصل اليّ من معلومات فإن هذه المقولة قد صدمت الكثيرين
من المسيحيين. اعترف أنه بالنسبة لي هذه المقولة التي لا تستند
أصلاً إلى أي برهان ملموس لكن هذا البرهان قيد التشاور لإطلاقه
من قبل من يريد ذلك، هذه المقولة بالذات لا تزعزع إيماني على
الإطلاق. إيماني يتغذى من الصلاة ومن الإنجيل ولا شيء حتى
الآن في كل الأناجيل يجعلني أشك أو أعتقد أن المسيح قد تزوج
أو قد أقام أي علاقة جسدية مع امرأة.
ومع هذا، لا أرى أي
مانع لاهوتي كان يحذر المسيح وهو الإله المجسد على الأرض من
اختبار العلاقة الجنسية. وأكثر من هذا، فأنا متقنع بأن المسيح
الذي أراد أن يلتحم كلياً بالطبيعة البشرية قد عرف من دون
شك تجربة الرغبة الجنسية مثله مثل كل رجل. ولكن، هل هو أراد
أن يشبع هذه الرغبة لديه؟ إذا كان الجواب نعم، فهو بالتأكيد
قد أقام علاقة وتقاسم الحب مع إحداهن وهنا تبدو مريم المجدلية
هي الاحتمال الأول لأنها كانت الأقرب اليه بعد والدته. ولكن
يمكن أن يكون قد امتنع عن إشباع هذه الرغبة، وبالتالي، فهو
هنا لا يفقد طبيعة الرجل.
بمعنى آخر، أنا ضد كل
الذين يؤكدون بإصرار ويفرضون احتمال أن يكون المسيح قد اختبر
العلاقة الجنسية نسبة إلى الوهيته وفكرة طهارته. لكنني في
الوقت نفسه ضد كل الذين يصرون على تأكيد أنه أقام علاقة جنسية
نسبة إلى طبيعة البشرية. وأظن أن الله المجسد على الأرض في
طبيعة البشر يمكن أن يعرف اللذة الجسدية كما يمكن له أن يرفضها.
وفي الحالتين، أعتقد أن الأمر لا يؤثر في جوهر الإيمان المسيحي".
الخطيئة الحقيقية في
الرذيلة أي حين نقرر التصرف المدمر للآخرين "اعتقد أن هناك
سؤالاً لاهوتياً كبيراً على الكنيسة أن تعيد النظر فيه من
جديد وهو: الخطيئة، لا يجب أن ننكر الخطيئة. وهذا ما يجعل
حرية الإنسان محدودة ويجعله يعيد النظر في علاقته مع الآخر
ومع الرب. لكننا شددنا على فكرة الخطيئة وأيضاً على فعل ذلك،
فنقول مثلاً: "لقد ارتكبت خطيئة معينة" ونحن نعترف وكأننا
بذلك نرد قيامنا بعمل ما إلى جوهر الخطيئة. ولكنني أرى أن
الخطيئة ليست في عمل ما مشين إنما في تكراره.
العمل المشين إن كان
جريمة عن غير قصد أو ارتكاب الرذيلة حين يكون الفرد تحت وطأة
إغراء قوي أو ما شابه ليس الخطيئة بحد ذاتها، بل تكرار هذا
الموضوع أو هذه الرذيلة هو الخطيئة، وذلك حين نقطع الحدود
ونستمر في الخطأ ونعتاده. هذا الوضع هو الذي يتأزم ويجعل حريتنا
ومسؤوليتنا كأفراد في المجتمع في خطر..
وهذا ما نسميه في الديانة
"العادة" في الخطيئة أي الرجوع اليها مراراً وتكراراً من دون
العمل على ردع النفس.
وبمعنى أكثر دقة، يمكن
الحديث عن "الرذيلة". فتماماً كما تولد الفضيلة من فرط تكرار
العمل الحسن (نصل إلى الفضيلة بفعل تكرار الأعمال الحسنة)،
كذلك تولد الرذيلة من فرط الاستمرار في العمل المشين وبكامل
وعينا الإنساني له. الخطيئة الحقيقية هي في الرذيلة أي حين
نقرر أن نضع أنفسنا في خدمة تصرف مدمر لأنفسنا وللآخرين.
التقديم والترجمة: كوليت
مرشليان - المستقبل