حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

روجر شاتوك Roger Shattuck و"سنوات الوليمة"

حجة أميركية في أدب القرن العشرين الفرنسي

وصف جون سيلبر، رئيس جامعة بوسطن السابق، روجر شاتوك، البروفسور الفخري بنفس الجامعة والحائز على جائزة الكتاب الوطنية وأحد أبرز الأكاديميين الأدبيين في الولايات المتحدة، على أثر علمه بوفاته في شهر ديسمبر الماضي، بأنه "أحد أرستقراطيي توماس جيفرسون الطبيعيين، فهو متفوّق في المعرفة والفضيلة". وأضاف الأكاديمي البارز الذي ارتبط بشاتوك بعلاقة صداقة حميمة منذ 1956، "قد عاش على أساس المبدأ من كل جوانب الحياة. فهو لم يفقد أبداً بوصلته الأخلاقية. وكان يعرف الفارق بين الخير والشر، وبين الثقافة والانحطاط. وقد تضافرت جميع هذه الخصال بطريقة لا تعلوها شائبة في هذا الرجل الموهوب موهبة خارقة".

إن مؤلفات روجر شاتوك، الذي تُوفي عن 82 سنة، لا حصر لها، ومن بينها "منظار بروست المكبّر" (1963) و"طريق بروست: مرشد ميداني الى "البحث عن الزمن المفقود" (2000).

وقد شهد مختلف النقاد لشاتوك بتعمقه في الأدب الفرنسي في القرن العشرين، أو كما كتب مايكل ديردا في صحيفة "واشنطن بوست" في 1999 "إنه حُجّتنا في أدب القرن العشرين الفرنسي". وعلى الرغم من أهمية تراثه الأدبي الذي خلّفه، يجمع النقاد على أن دراسته الأكاديمية عن أدب الأفانجارد وفن الأفانجارد في بداية القرن العشرين، المجلّد الذي صدرت طبعته الأولى في 1958 بعنوان "سنوات الوليمة" إكتسب وضع المؤلف الأدبي الكلاسيكي. ولا يزال كتاب "سنوات الوليمة: أصول الأفنجارد في فرنسا، 1885 ـ الى الحرب العالمية الأولى" يطبع حتى الآن، ولا تزال دعاباته الماكرة وتحليلاته طازجة ومسليّة وضرورية لفهم العصر الحديث مثلما كانت يوم صدور المجلد الذي يقع في 400 صفحة. وكذلك، البورتريهات النابضة بالحياة التي رسمها شاتوك لشخصيات الكتاب الرئيسية: ألفريد جاري، وهنري روسّو، وإيريك ساتي وجيوم أبوللينير ـ الرباعي الناشز الموهوب، والمواهب غريبة ـ الأطوار التي مثلت منجزاتها، على الرغم من أن أبرز القائمين على الحياة الأدبية الفرنسية قلّما يشيرون إليها، نظرة مستقبلية للحداثة والتي تعطي فنون القرن العشرين، من جوانب عدة، بل والقرن الواحد والعشرين، طابعها الخاص.

ويؤكد هليتون كرامر، رئيس تحرير مجلة (New Criterion) أن دراسة شاتوك لحركة أفانجارد القرن العشرين سدّت فجوة لم يتحد لها المفكرون الفرنسيون. ويتساءل كرامر لماذا تُرك لكاتب أميركي مهمة إنتاج هذا التاريخ النهائي للأفنجارد الفرنسية. ويقول في تفسير ذلك أن المؤسسة الأدبية الفرنسية تُحسن استفزاز الموهبة المتمرّدة أكثر من تغذيتها. وأياً كان تفسير هذه الظاهرة، كان كتاب "سنوات الوليمة" إنجازاً رائداً، ولا يزال نصاً لا يمكن الاستغناء عنه لأي مثقف يحاول أن يفهم دور الأفانجارد في العصر الحديث.

وكان هذا الإنجاز يتطلّب تشكيلة من القدرات التي قلّما تتوفّر في شخص مفرد ـ ليس فقط التمكن من المعرفة بالشعر، والموسيقى والمسرح، بل أيضاً بالأيديولوجيات التي أفضت الى تطوّرها والفضائح التي نتجت من ممارستها. ومن هذه الناحية، كان روجر شاتوك الندّ الحق لتحدّيات هذا الموضوع الصعب. وذلك لأنه فهم أن ما قدمته الأفانجارد لم يكن مجرد أسلوب بقدر ما كان "أسلوب حياة مكرّساً وعابثاً في الوقت نفسه". "وإن أهميته الحقيقية لا توجد في أعمال أكثر المواهب شهرة، لكنها على عكس ذلك، توجد في تطلعات المواهب الأصيلة التي لم يكن قد اعترف بأصالتها.

يقول شاتوك في مقدمة الطبعة الثانية من "سنوات الوليمة" (1968) أنه فكر في التصدي لهذه المهمة في إحدى ليالي آذار القارسة البرد في 1949 في بيان، بكورسيكا، بعد قضاء عام في ترجمة أبوللينير، ذلك الشاعر الرائع، الذي قاده الى عصر فاتن بشكل لا يمكن مقاومته. لكن بداية القرن العشرين في باريس كانت تزخر بطاقات تعمل جميعها في أغراض متعارضة استعصى عليه الإلمام بشكلها ـ ثم أتته خاطرة، قد لا تخلو من مغامرة، وهي أن روسو ـ ساتي ـ أبوللينير كانوا يمثلون جوانب هامة عدة من العصر، ويمكن أن يكشفوا عنه افضل من أي شخص مفرد. لم تمت الفكرة. وبعد عامين، سمح تعيينه بجمعية زملاء جامعة هارفارد بأن يبدأ. وفي غضون بضعة أسابيع شقّ جاري طريقه الى الثلاثي ووضع نفسه قريباً من محور الأشياء. وقد ساعده في توضيح موضوعه الأساسي: كيف تبلورت الحالة "المائعة" التي تعرف باسم البوهيمية، حركة سرية ثقافية تتهم بالفشل والزيف، خلال بضعة عقود في شكل أفانجارد واعية بذاتها نقلت الفنون الي عصر تجديد وإنجاز متنوعين بصورة مذهلة. وبعد الحرب، يقول شاتوك، استطاع جيل الدادا والسوريالية أن يستغل طبقة جديدة من الاستياء المتحضر. لكن انتهى مزاج وعصر.

ويعترف شانوك في تواضع وثقة بأن هذا العصر كُتبت عنه مؤلفات لا حصر لها، كما كُتب الكثير عن رواده الذين نصبهم كعلامات للافانجارد منذ صدرت الطبعة الأولى من كتابه في 1958. وقد أحاط علماً بمواد بيوجرافية جديدة حسب أهميتها. ولكنه لم يدخل أي تعديل على نصه الأصلي فيما عدا تصويبات صغيرة.

الزمن الجميل

وبعد أن رسم الكاتب الستارة الخلفية المزمن الجميل من قرابة 40 صفحة يقول.. للفن الحديث/ مثل الفن اليوناني وفن عصر النهضة، أساطيره المهنية الخاصة به.. ومن حسن الحظ، استطاع فاساري أن يجمع ثروة من القصص من عصر النهضة ويحكيها ببراعة. وهو يحكي عندما طالبه مبعوث البابا بإثبات مهارته، كيف رسم جيوتو دائرة متقنة بيده من دون الاستعانة بأي أداة، وكيف كان دوناتيللو يهمس بحرارة لتماثيله أثناء انخراطه في صنعها انطقي، لماذا لا تَتَحَدِّين؟ وأن أوتشيللو كان يغمغم أثناء نومه "يا له من شيء رائع هذا المنظور". ويشير الى أن هذه القصص، النابضة بالحياة مثل أي متحف، سواء كانت حقيقية أو خيالية، جعلت عصر النهضة لا يزال حياً أمامنا. "لذلك، نحتاج الى هذه الميثولوجيات لكي نفهم الماضي".

أما قائمة الحكايات المألوفة عن الفن الحديث، فهي تمتد من اذن ان جوخ المقطوعة الى كيف لم يستطع بيكاسو أن يرسم بورتريه جيرترود شتامين خلال ثمانين جلسة ـ ثم رسمه بعد أشهر من الذاكرة. لكن قلة من هذه القصص التي تكشف، كما تكشف قصص فاساري عن عصره، عن أعمق تطلعات وأهمية فن اليوم.

ويرى شاتوك أن إحدى أكثر الأساطير الحديثة استفزازاً تتجسد في حياة هنري روسو المهنية. ومن حسن حظه، بالنسبة لمعظم معاصريه، أن روسو "الجمركي"، كما كان يسمى، اجتذب "فاساريه" من شخص الشاعر غيوم أبوللينير ـ "وكان صانع أسطورة أكثر منه كاتب سيرة ذاتية".

"كان روسو يملك حساً قوياً بالواقع حتى أنه عندما كان يرسمم موضوعاً خيالياً، كان أحياناً يخالجه خوف وترتعد أوصاله، ويضطر الى أن يفتح النافذة.

وعندما يرسم بورتريه لشخص ما، كان يشعر بهدوء أكثر. وكان، قبل أي شيء، يأخذ مقاييس موديله وينقلها مصغرة على الكاناس بالنسب المناسبة. ولكي يحافظ على ارتفاع روحه المعنوية، كان روسو الجمركي ينشد أغاني شبابه والوقت الذي قضاه في خدمة الجمرك".

وبينما كان روسو يفتقر الى التعقيد الجمالي، يلاحظ أبوللينير، فقد رسم مع ذلك أعمالاً حداثية على نحو لا يمكن تعليله. وقد شعر التكعيبيون والسورياليون بالانزعاج والإطمئنان معاً إذ وجدوا ان حساسية على هذا القدر من الأصالة يمكن أن تنتج لوحات ثورية مثل أعمالهم، وعلاوة على ذلك، فإن حياة روسو تحتل مكانة بارزة في سجل شهداء "سنوات الوليمة" "ففي حياته وفي عمله معاً، يمكن أن نختبره كدرس من الفن الحديث.

وقد حيكت حكايات تعزو حياته الفنية بأسره الى كذبة رددها الفريد جاري حول اكتشافه المزعوم لموهبة روسو الذي التقاه حيث كان يعمل في رصيف على نهر السين فقال له "يا صديقي، أستطيع أن أرى في وجهك أنك رسام. ينبغي ان تمارس الرسم".

وفي الحال، حسب القصة، وجه جاري روسو في إنشاء تكوين أولى لوحاته "آدم وحواء".

لكن شاتوك يرى أن الحقيقة أبعد ما تكون عن ذلك. فلا أحد اكتشف روسو. فقد حقق في بداية احترافه الفن اعترافاً مثيراً للفضول ومتناقضاً لم يسهم فيه أي من جاري أو أبوللينير. لكنهما لعبا دوراً في سنواته اللاحقة. وهناك رواية موضوعية بالكامل واحدة لحياته ـ تأبينه في "سجل الفنون في 1910. وقد خصص الكاتب لحياة وتحليل أعمال روسو 67 صفحة.

ويخلص قارئ "سنوات الوليمة"، الى جانب إعادة اكتشاف مواقع الرباعي لافي تاريخ الأفنجارد فقط، بل الفن الحديث بشكل عام، الى أن هنري روسو، وإيريك ساتي وألفريد جاري وغيوم أبوللينير يكونون فريقاً مفرداً. روسو حرفي حقيقي، رسم بتركيبة من نفاذ البصيرة والغرابة اللتين عادتا عليه بمكانة مزدوجة كفنان حديث وفطري. وتساهم موسيقى ساتي في البساطة نفسها، ومع ذلك، فقد عاش في سلسلة من الفضائح في مقدمة المشهد الفني في باريس. ومسرحية جاري "أوبو ملكاً" خلعت عليه سمعة سيئة من عمر 23 سنة، وفي غضون عشر سنوات لقي حتفه من جراء العمل المفرط، والفقر والخمر. وقبل أن يموت خلال الساعات الأخيرة للحرب العالمية الأولى، كتب أبوللينير بعض أرقّ الشعر الغنائي في القرن العشرين وتبوأ قيادة الأفانجارد في باريس. وقد أمضى الرواد الأربعة حيوات مهنية متنوعة وهامة، حيوات يمكن أن تحتل المرتبة الثانية من حيث أهمية العصر.

"إن حيواتهم المهنية المتداخلة في باريس استغرقت الفترة من 1885 ـ 1918 وتوحي بوحدة من المعتقد الفني والممارسة تتجلى بوضوح أقل من أي شخص مفرد أو في أي مسح عام للعصر. وقد وضعوا حدوده زمنياً وروحياً. وعلاوة على ذلك، أثرت أصالتهم ومثابرتهم إيجابياً على فنانين أكثر استقراراً واضطرتهم إلى أن يضعوا في الاعتبار تطلعات العصر الأشد جسارة، وأحياناً أشد حماقة. / المستقبل.

 

أحمد مرسي / كاتب عربي مقيم في نيويورك


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri