(الكوابيس
القوطية)
متجر
ليلي لبيع الأشياء السود لزبائن عميان
كانت لدي فكرة فتح
متجر. متجرٍ اسميه المتجر الأسود، ابيع فيه الأشياء السود
فقط، يفتتح عند الغروب ويغلق عند الفجر. من بين الأشياء
التي ابيعها فيه: عرق السوس، خبز محمص، خنافس. ملابس سود
صغيرة. غربان محنطة. إيصال زهرة التوليب السوداء. رسائل
أرسلها جنود وسجناء (شطبت الرقابة سطورها بحبر اسود).
سألني صديق: كيف سيستطيع أي شخص شراء أي شيء طالما انه من
الصعب رؤية المواد السود في المتجر المظلم. قلت له: سيكون
جميع الزبائن عمياناً. لم تكن خطة تجارية خرافية تماماً،
فأهملتها مع بعض أسف. لكنني فرحت كثيراً عندما اكتشفت ان
مؤسسة تيت البريطانية قد تقدمت وفتحت لي متجري الأسود: كوابيس
قوطية، وهو المعرض الذي يبرز أعمال هنري فوسيلي ووليام بليك
ومعاصريهما.
ان جوهر الفن القوطي هو الظلمة، عدم قابلية الشيء على التطبيق،
منطق محرف تزاوجه الرغبة. بمقدور القلة فقط الحفاظ على حساسية
القوطي الحقيقي في سنوات بلوغهم، وعادة ما يقترن حب الظلمة
بالناس الذين يحومون بين الطفولة، حين تكون مخاوف الليل
حقيقية جداً، وبين سن البلوغ، حين نبعد أشياء كهذه بالإضافة
إلى لذاتنا غير المعقولة. البالغون المعاصرون يشملون الظلمة
والجانب اللا معقول من الأشياء بالحماسة: بدءاً من "بافي"
قاتلة مصاحي الدماء وانتهاءً بعوالم الجن والسحرة عند الروائية
سوزانا كلارك. يبدو ان شهيتنا للغيبيات لا تشبع. أسلافنا
من ما بعد عصر التنوير شملوا ظلمتهم بمسرحيات شكسبير، اما
نحن فنفضلها مشمولة بالتهكم وبالكثير من الجنس.
قد يؤول القوطي بانه قصة الأشياء التي ستلتهمنا في النهاية،
انها محاولة لإخضاع الأشياء وللرقص معها. انها عنادنا وتجربة
ادائنا للحقيقة بملابس تنكرية. عندما يكون القوطي دارجاً،
نسمح لانفسنا بان نكون مفتونين بالسيد الموت، ان نراوده
وان نحس بانه يلمسنا. اعتقد باننا نكون اكثر جنوناً عندما
يكون بمقدورنا ان نمازحه قليلاً، واكثر صحة حين نكون فنيين
بشأن موتنا. ان الصبر العنيد للفن الذي نسميه القوطي هو
شهادة لحاجتنا لجماليات الموت. لقد فاتتني الفترة القوطية
الاصيلة، فانا اكبر بسبع سنين لاكون فتاة قوطية بمتطلبات
الوخز والوشم.
ان معرض تيت يغطي الفترة الاكثر اصالة في الازدهار القوطي،
وهي السنوات الواقعة بين 1765 و1830. بالاضافة إلى لوحة
فوسيلي الشهيرة "الكابوس"، يضم المعرض لوحات مثل: الموت
على حصان شاحب لوليام بليك، مارغري جورديان وبولنغبروك يستحضران
الشيطان لجورج رومني، حفار قبور ووحش لجورج مونتارد وود
رود - هذه العناوين تخبرنا الكثير عما نتوقعه من المعرض.
يتفاوت الفن من الكئيب إلى التهكمي، من الايروتي النزق إلى
الغريب. هنالك لوحة في المعرض تغرز اسنانها في عقلي كلما
نظرت اليها:شبح البرغوث لوليام بليك. هنا يحكي احد اصدقائه
كيف رسم بليك اللوحة: "مررت به ذات مساء، وجدت بليك مثاراً
اكثر من المعتاد. اخبرني انه رأي شيئاً رائعاً - شبح برغوث!
سألته: هل رسمته؟ قال: كلا، ليتني فعلت، لكنني سأفعل ان
ظهر لي ثانية. نظر بليك بجدية إلى زاوية الغرفة وقال: ها
هو - اجلب لي اغراضي - سابقي نظري عليه، ها هو يأتي، لسانه
المتحمس يهف من فمه، وكأس في يده لجمع الدم، يكسوه جلد حرشفي
بالذهبي والاخضر - ورسمه كما وصفه لي تماماً".
انها لوحة مروعة - مثل النظر إلى صورة شيطان يمتلك روحك.
لكنها ايضاً مستغربة - الوحش هو برغوث، ليس برغوثاً حتى،
بل شبح برغوث. في العام 1820، عندما رسم بليك هذه اللوحة،
لم يكن هناك من شيء اكثر عادية من البرغوث. قد يكون المعادل
المعاصر هو النظر إلى صورة مكبرة لخلية سرطانية، ان كانت
للخلية السرطانية عينان جاحظتان ولسان يهف. حماسة بليك وصدقه
يقترنان هنا بالرسم التهويلي لانتاج شيء اصيل لا يمكن تعليله.
في اعمالي انا، ككاتبة وفنانة، احاول ان اجد التوازن بين
المألوف والغريب. زميلة لي قالت ان زوجها ارتدى زياً ذئبياً
في عيد الهالووين، الآن اطفالها يطلبون كل يوم ان يرتدي
والدهم الزي المستذئب ليخيفهم قبل العشاء. هرعت من فوري
إلى الحمام لادون ملاحظاتي.
للقصة توليف تام للعادية، للسلوك الممسوس، وتراصف البراءة
مع الوحش. نزوتي الاولى كانت ان اجعل الوالد يتحول إلى مستذئب،
لكنني متأكدة بانني استطيع ان افكر بشيء اكثر غرابة. الغرابة
الواضحة استهلكت، ولكشف طبقات الغرابة التي تدعم حياة العائلة
المعاصرة عليّ ان اكون اكثر حذاقة، واكثر مجانبة بشأنها.
يتشاطر القوطي في هذا مع الدين ومع نظريات المؤامرة: نريد
نحن ان نكون شيئاً ابعد من العالم اليومي، عالم السطوح والمواد.
في الفن والادب القوطيين، ليس بالضرورة ان يكون الموتى ميتين
فعلاً: في العالم القوطي يعيد العلماء الحياة للجثث، الارواح
تلقي علينا التحية من عالم الآخرة، المقابر تعج بالاشباح
والرجال المبعوثين. خلال الفترة التي تتعامل معها "الكوابيس
القوطية"، كان العلماء - وليس رجال الدين - يصوغون خيالات
الناس عن بداية الحياة ونهايتها: ان الفن في هذا المعرض
يقدم نوعاً من حرسٍ خلفي، فاغلبه مستلهم من الحكايات الشعبية،
الكتاب المقدس، اشباح شكسبير والخرافات. انه التخيل الذي
يمحو العقلي، بالرغم من وجود مخاوف واثارة حقيقية هنا. لعل
ذلك بسبب كوننا غير عقلانيين تماماً، لان كل ما اعرفه عن
نفسي عندما اكون نائمة، هو ان "كابوس" فوسيلي قد يكون فلماً
وثائقياً. مذ كنت طفلة ابقيت على سر حياة الليل التي استطيع
فيها ان اطير، ان اتحول، احادث الموتى، اتحدث الفرنسية بطلاقة،
اشرب حامض النتريك من دون ان يصيبني اذىً، وان ارى المستقبل.
جميعها مهارات مفيدة واشعر بالأسى كل صباح عندما استيقظ
واكتشف انها لا تستمر خلال النهار. اصنع فناً واكتب قصصاً
لأجلب كل هذه الغرائب إلى العالم اليقظ لامنحها الصلابة
والواقعية التي لن تكون لها الا في هذا. بليك فعل الشيء
ذاته برؤاه. جميع الفنانين الذين يعملون من مخيلتهم تتملكهم
هذه الرغبة: جعل اللاحقيقي، حقيقياً. جلب اشياء الليل إلى
ضوء النهار. ليس عرضاً ان تكون اغلب اللوحات في "كوابيس
قوطية" مظلمة جداً. هنالك الكثير من الحمرة المحروقة والصباغ
الاسود في المعرض، والسبب هو ان البياض تقليدي، هو لون الخير،
وضوء النهار مرتبط بالمألوف. الاسود ينحف وبأمكانه اخفاء
اشياء. ان الحياة الخبيئة هي التي تؤلف احلامنا وكوابيسنا.
في حياتنا النهارية، الاشياء التي نخبئها هي حياتنا الجنسية
وخوفنا من الموت ومن الاذى الجسدي. قد تعتقد ان هذه الاشياء
لا تخبأ على الاطلاق، فالعالم مليء بالاعلانات التي تصور
النساء نصف عاريات، والبرامج التلفزيونية يطغى عليها العنف،
لكنني هنا اتحدث عنك وعني. انت لا تمارس الجنس علناً (آمل
ذلك في الاقل) وعندما يقوم احدهم بعمل عنيف في الحياة الحقيقية،
يصدم الجيران ويخبر الصحفيون: كم كان هذا الرجل لطيفاً وكيف
كان يعتني بعشبه (اخذت هذا الوصف من مادة خبرية قرأتها صباح
اليوم في صحيفة نيويورك تايمز عن رجل قتل صبيين بمطرقة).
كما اننا نخفي احوالنا المالية، لكن المال لا يمثل في القوطي،
بل الطبقة. مصاصو الدماء هم من طبقة اقل نبلاً، الساحرات
هن فلاحات هرمات. في القوطي لا ينفصل الجنس عن الموت. المعرض
مليء بالفتيات المغمى عليهن. وبالأبطال شديدي العضل، بالإضافة
إلى بعض الشياطين.
ان القوطي المعاصر هو انعكاس للاصل الرومانسي: بدلاً من
اظهار اللا عادي لنا ودعوتنا لنبتسم في غاليري مريح ومضاء
جيداً، يجد القوطي اليوم كوابيسه في المألوف.
ان القوطي يومض من تحت سطح حياتنا العادية. بعد هذا الفناء
سأعيد التفكير بفتح متجري الأسود.
بقلم: اودري نيفنغر
ترجمة: زهير رضوان