(الذكوري
والأنثوي)
جاك
لاكان:
التحليل
النفسي بلا قواعد
يعرف جاك لاكان، الجنون،
في واحدة من توصلاته وكشوفاته المتأخرة بالصيغة التالية:
"ذلك أن المجنون هو الذي يقول بالأحرى، بأنه "آخر" غير ذاته".
ولأن لاكان يتمتع بفكر تفصيلي، مكثر بالفواصل والاستطرادات
مقلل من طغيان العلمية الزائدة عن الحد لصالح "الميكروفيزيائية"
والعيانات والكشف السريري / اللساني فإننا لا نتوقع منه
تبسيطات أسلوبية كفاية ولا حتى ملخصات أو جاهزية أو ما يسمى
بـ(الدليل الإيضاحي).
ولا بأس بالقبول
بـ(الكل) ونحن نوسع الخطى باتجاه "بنيوية" خاصة بـ(التحليل
النفسي) ترغب بالصبر الطويل والتحليل المضاعف والقراءة المستعادة.
من زاوية النظر إلى
الجنون في التحليل النفسي لا يخفي "جاك لاكان" الجوانب المعرفية
من هذه الإشكالية والتي يمهد لها عبر دراسته للوظيفة الرمزية
للأنا والتي سبق له أن عرضها في مباحثه الخاصة بطور (المرآة)
وهي المرحلة التي تطرح فيها الذات الإنسانية وتتخارج وتكتشف
صلادتها وأشغالها حيزاً في (المكان والزمان والآخر).. مرحلة
إعادة النظر بالموجود وحدوده وثقله الجسدي، التطلع إلى المرآة
في المرحلة الطفلية وحدوث آليات ما يسميه لاكان بـ(التجبير)
أو (التشكيل) الصوري، إعادة استيعاب الذات بواسطة النظر
من خلال المرأة أو من خلال (الآخر).
وسيكون ذلك مفيداً
في عرض "الجنون" وتذليل بعض من إشكالياته، خاصة من الجانب
الوظيفي الذي يخوض فيه لاكان في الموضوع نفسه الذي يتحرك
فيه كلود ليفي ستراوس في (الانثروبولوجيا البنائية).
حيث يقيم سترواس
موقعاً أكبر للرموز في الثقافة وأن العلاقات الرمزية تقدم
الممارسة الأولى لفعل الخيالي في النسق الثقافي، ولا يفعل
لاكان أكثر من "فردنة" هذه الرموز والاستدلال عليها في اللاشعور.
هناك مرحلة ترميز عالية في تاريخ – حياة الفرد، ستكون لعبة
الحضور والغياب الكيان والموت هما عناصرها الأساسية. إن
الخيالي يقلل من عمل الواقعي المسرف في واقعيته، ولو ترك
الإنسان للواقع وحده لمات قبل أن يحيا!!
يعبر لاكان عن وحدة
(اللا شعور والموت) من حيث الأصل، يترك الفرد حياته للفراغ،
أنه يرفض التخارج عن (الكهف المثالي)، أي الرحم، ثم يحاول
أن يطيل ما أمكن فترة الطفولة وهي المرحلة القائمة على الجهل
بالعالم ومرحلة العطالة المدللة، إلا أن بداية (الاستلاب)
هي بداية (التعلم) ويكون عبر الوظيفة الترميزية إمكانية
تقليل صدمة اللا معقولية في هذا العالم. وبقليل من الشعر
وبالكثير من اللغة يصبح الوجود ممكناً!
إلا أن آليات التجبير
وسيرورات الخداع الذاتي تتطلب عناصر استهلاك يومي من أجل
الحصول على ذات متماسكة ومكررة ما يؤهلها لأن تكون ذاتاً
عاقلة وسوية وقابلة للوجود والتكاثر، وهنا يصبح الرمز مدخلاً
"للنسيان الضروري" وهذا وجه آخر لأفكار نيتشه عن (الأوهام
الشرعية) تلك الأوهام التي نحارب من خلالها كل ما هو غرائزي
وأصيل لمصلحة ما هو أخلاقي وزائف!! فيكون "الرمزي" و"الخيالي"
بديلاً مقنعاً للواقعي والحقيقي.
إن الإنسان هو وفقاً
للتحليل النفسي اللاكاني، مقلوب ضد ذاته ملتبس ومشتت بين
العوامل المستلبة منه والمعدلة فيه وبين الارتداد الطبيعي
للذات القبل – ثقافية. ذلك أن الوجود الإنساني لا يشبع كثيراً
من فوضى غرائزه ومن ميوله الطفلية – البربرية (أن تاريخ
الجريمة يثبت أن المجرم هو عبارة عن طفل محروم من اللعب
الجاد) وأن الميول المنحرفة للكثير من الناس هي تنفيس عن
رغبات، قديمة، محبطة.
كما أن المرحلة "البين
– ذاتية" لا تفرق من الناحية الطبيعية بين (الذكوري والأنثوي)
في تكوين الشخصية الإنسانية المزدوجة في مكوناتها الأولى
ولكن الثقافي هو العنصر الأكثر تحيزاً في الفصل الجنسي بين
الكائنات.
يبدو أن خلل تعاطي (الثقافي) وما يفعله (الأخلاقي) من ضغوطات
عالية ومن حراسات (فوق – طبيعية) يجعل الذات، حريصة، على
تعطيل فاعليتها العقلانية لصالح ما هو رمزي أو خيالي أو
جنوني في غالب الأحيان!
سوف يذهب "لاكان"
بعيداً إلى درجة عدم القبول بالمرض النفسي (كما هو) أي مجرد
حالة مرضية تقع لشخص ما ويتم عرضه على وجهة نظر العيادة
الطبية، بل سيكون المرض هو (نص مكتوب بأسلوب العيش وما على
المحلل النفسي سوى أن يكون قارئاً جيداً لهذا النص (المعقد)!
المرض هو الحامل اللغوي لطلاسم العلاقة المعقدة بين الكائن
وذاته.
لا يمكن إيجاد قواعد
كافية في نظريات لاكان قابلة للتطبيق خارج أسلوبه الشخصي
على عكس فرويد وإلى حد ما يونغ، فإن لاكان يقرأ التحليل
النفسي بالوقت الذي يكتبه وسوف يعرض سمعته إلى الخطر عندما
يصبح تطبيقه السريري نوعاً من اللعب ومن التقصي خارج القواعد
العلمية والذهاب إلى حد الكلام بلا أدلة كافية أو مرجعيات
علمية مساندة مع أن هذه مآخذ أن الكثير من نقاد لاكان، يعجبهم
ما يقوم به من تنوع معرفي واكتشافات سابقة له، بمعنى أنه
كان مولعاً بالقراءة النفسية بحد ذاتها، أكثر مما هو معنياً
بالعلاج النفسي. من الناحية الطبية يعد هذا مأخذاً إلا أنه
كسب مهم من الناحية المعرفية والنظرية من نظرات تحليلية
استطاعت تفجير إشكاليات معرفية كافية حول الكيان النفسي
للإنسان بقدر ما فعله لاكان، على صعيد زعزعة (الكوجيتو)
المركزية للخطاب النفسي الكلاسيكي الذي كان يرغب بالحديث
عن (الوحدة) النفسية أو القاعدة السوية التي سنحدد على ضوئها
ما عداها من الحالات المرضية.. بينما، يهرع لاكان إلى تفكيك
هذه الوحدة المصطنعة التي وضعها التحليل النفسي التقليدي
من أجل راحته هو لا من أجل دراسة وكشف مركبات المرض النفسي
ونصوصه الثرية.
كان جاك لاكان درساً
منفلتاً في التحليل النفسي بالرغم من أهماله المقصود والاعتراض
عليه في المحافل الدولية للتحليل النفسي، إلا ان الدروس
العظيمة تدرك غالباً بعد فوات الآوان.
خضير ميري