من
لا يصدّق فليسأل شعراء العالم
بورتريه
للمرأة المهجوّة
"لِمَ لم يُستغنَ
عن النساء في تناسل الجنس البشري؟"، هذه الصرخة المريضة
التي أطلقها أحد أبطال مسرحيات يوريبيد، لا بد لها من تتمة:
لِمَ لم يُستغن عن النساء في إنتاج الأدب؟ بين الصرختين،
الأولى والتتمة، يقع المرء على الهوّة التي تفصل بين النظرة
السلبية للمرأة في المجتمع، والنظرة السلبية إليها في الأدب.
هجاء المرأة الاجتماعي هو غيره هجاؤها الأدبي؟ صحيح، والمسافة
بين الاثنين هي المسافة بين الاحتقار والحنق. بلباقة أكثر،
بين الازدراء والغيرة.
كبداية، يؤكد أفلاطون
في الكتاب الخامس من جمهوريته عدم وجود وظائف وأعمال تختلف
في أدائها طبيعةُ الرجل عن طبيعة المرأة، وفي سبيل ذلك وضع
تمرينات رياضية واحدة، للرجال والنساء، تجعل المرأة قادرة
على القيام بأعمال القتال والحراسة وسوى ذلك من الأعمال
التي تتطلب جهداً عضلياً. هكذا أراد أفلاطون للفارق بين
المرأة والرجل ألا يتعدى الفارق بين الرجل الأصلع والرجل
ذي الشعر. وهكذا باتت المرأة لا تعدو أن تكون "رجلاً ذا
بنية ضعيفة"، على ما كتب أرنست باركر.
الصحيح أن هذه الأفكار،
التي جعلت البعض يعلن أفلاطون رسولاً للحقوق النسائية في
العالم القديم، قامت في أساسها على فكرة التماثل، لا على
فكرة المساواة. في معنى بناء النظرية على بداهة النقص النسوي،
والكمال الذكوري. فكرة التماثل بين الرجل والمرأة، التي
تقوم على مسلّمة النقص لدى النساء، والتي تعني، في ما أول
ما تعنيه، وجود نموذج مثاليّ هو الرجل، ومادّة خام هي المرأة،
اقترحت أن تكون هذه المرأة صلصالاً قابلاً لإعادة إنتاج
ذكورته، وكرّست، استتباعاً، الذكورة مقياساً لفكرة الكمال.
أفلاطون، الذي لم
يجد حرجاً في القول إن الأدنياء والظالمين والجبناء تتقمّص
أرواحهم، لدى ولادتهم الثانية، أجساد بهائم أو أجساد نساء،
بنى نظريته على فكرة يمكن صوغها كالآتي: المرأة رجل ناقص.
وهذا ما قاله صراحة تلميذه أرسطو: "أربعة لا مسؤولية عليهم
لعدم كمال النفس فيهم: الولد، العبد، المجنون، المرأة".
هنا لا بد من وقفة.
تستدعي مقولة أرسطو
وصف "النقص" الذي يعانيه كل من هؤلاء الأربعة: الولد بما
هو نقص الجسد، العبد بما هو نقص الإرادة، المجنون بما هو
نقص العقل. لكن المرأة؟
الحاصل أن أرسطو،
حين لزّم صفة النقص لكل من هؤلاء، وجد في المرأة خليطاً
من كل واحد منهم: الولد والعبد والمجنون، أي نقص الجسد،
ونقص الإرادة، ونقص العقل. لكن هذه الفكرة، التي أثبت الزمن
خطأها، والعلم أيضاً، والتي كانت الأصل للنظرة السلبية العامة
للنساء في الثقافة الاجتماعية، لم تكن كذلك في الثقافة الأدبية.
ذيل السلّور
لم يهجُ الأدباء المرأةَ،
الشعراء خصوصاً، بالطريقة التي هجاها بها مجتمعُها، في معنى
ارتكاز هجائهم على علّة عجزهم تجاهها، لا على علّة "النقص"
فيها: في حين اتفق المجتمع على سباب المرأة في جنسها، اختار
الأدباء هجاء خصال في عينها. وفي حين نظر المجتمع إلى المرأة
من خلال ذكورته، نظر الأدباء إليها من خلال أنوثتها.
أدب هجاء المرأة،
الذي استند في غالبه إلى الغيرة، انطلق وعاد إلى شخصية الكاتب،
التي لم تتنكّر يوماً لطينتها الأنثوية. وهذا ما يؤكده أصلاً
تقلّب هذه النظرة وتحوّلها لدى الكاتب نفسه. فكثيراً ما
قرأنا شاعراً أو روائياً أو مسرحياً يقول، أو يقوّل أبطاله،
أحكاماً متناقضة حول المرأة في العمل نفسه. هذا التناقض،
الذي يبلغ ذروته في حالة الشاعر، لجهة أنه هو بطل قصيدته
الوحيد والسافر، والمتكلّم بلسان حاله، غالباً ما يكون مردّه
الإحساس بالعجز عن الاستحواذ على هذه المرأة، وتالياً فقدان
السيطرة على "ثعابينها". لذا فإن أكثر ما قيل في المرأة
أدباً هجّاءً هو مقولة الخيانة والغدر. وليس للريبة من حجة
حين نأخذ، عيّنةً، العبارة التي قالها ميغال دي ثرفانتس،
"أن يتمسك المرء بعهد امرأة أشبه ما يكون بأن يتمسك بذيل
السلّور"، والتي قيل طبق أصلها قبل ثرفانتس، وأُعيد قولها
عشرات المرات من بعده: "وعد المرأة سأسجّله على الماء" (سوفوكليس)،
"إيمان المرأة، الثقة بالمرأة... خطّوا هذه الحروف على الرمال"
(سكوت)، "حب المرأة مكتوب على الماء، وإيمانها مرسوم على
الرمال" (إيتون)، "العهود التي تقطعها المرأة لحبيبها جديرة
بأن تُكتب على الأثير، أو على مياه الجدول السريعة" (كاتولوس)...
إلخ. والحق أننا نستطيع سوق أمثلة لا تنتهي، ولن.
صفتا الخيانة والغدر،
اللتان لازمتا امرأة الأدب المهجوّة، لم تكونا من الصفات
ذات الشأن والأهمية، قياساً بالصفات الأخرى، في المتداول
الشعبي، الذي ركّز على جبن المرأة وثرثرتها، أكثر من تركيزه
على أي شيء آخر. وفي وسعنا استحضار عبارة شعبية من مثل "أخت
الرجال"، كي نفهم أن قيمة المرأة لا تُستحقّ إلا بمقدار
اقترابها من بنية الرجل الجسدية والنفسية.
نسبياً، رسمة المرأة
المهجوّة في الأدب، جاءت على شكل لعوب، خفيفة القلب، بلغة
كونديرا. ورسمتها في المجتمع جاءت على شكل رجل ممسوخ، أملس
الجلد.
من ذا الذي يصدّق
أن هجّاء النساء الأكبر فريدريك نيتشه، الذي أوصى بعدم الذهاب
إلى المرأة من دون سوط، والذي قال إن المرأة عندما تصبح
عالمة، غالباً ما تكون أعضاؤها التناسلية في اختلال، من
ذا الذي يصدّق أن هذا الرجل، الذي كتب وقال كل ما من شأنه
الحطّ من قيمة المرأة وإنسانيتها، انتهى إلى مستشفى للأمراض
العقلية بسبب غيرته على فتاة أحبها، ورفضت الزواج منه: لو
سالومي الفتاة الروسية، هي التي أفقدت فيلسوفنا وشاعرنا
عقله، وأوصلته إلى عيادة مدينة إيّنا (قسم الطب النفسي)،
كما صرّحت بذلك أمه، وقامت على رعايته حتى وفاتها العام
1897.
وإذا كنا قد اقترحنا
شخصية الأديب الفريدة سبباً أول لتمايز هجائه للمرأة عن
هجاء مجتمعه لها، فإن سبباً آخر يستحق تسجيله: مقام البطل.
بديهي أن فكرة البطل
كانت من بين الأفكار الكبرى التي شكّلت للأدب كيانه. ولأن
المرأة "استولت" على دور البطولة في الأعمال الأدبية الكبرى،
الشعر على وجه الخصوص، لم يكن في الإمكان الانتقاص من قيمتها
الإنسانية، ومعاملتها ككائن أقل. تفترض هذه الفكرة تأمين
شروط البطولة، أو على الأقل عدم اعتراضها. لذلك لم يتجاوز
الكاتب في هجاء المرأة عوامل ندّيتها. بل غالباً ما بنى
هجاءه عليها.
هكذا تطرد الغيرة
كل ما ليس فردياً، وبالغ الخصوصية في شخص الكاتب. وهكذا
لا يكون متاحاً لسوى التجربة الذاتية استحضار أدواتها. شخصية
الكاتب الهشّة، والتي تستغرق مباحث كثيرة في أوالية العامل
الأنثوي في تشكيلها، وجدت في صفتَي الخيانة والغدر قنوات
"شرعية" لتصريف عجزها عن امتلاك المرأة والاستحواذ عليها.
أكثر من ذلك، تعوّد الكثير من الأدباء والشعراء الهيام بالمرأة
الصعبة، وأحياناً المستحيلة المنال، لإبقاء فتيل هذا العنصر
(الغيرة) مشتعلاً. من يطّلع على سيرة غوته في شبابه، يكتشف
أنه كان سرعان ما يهرب من المحبوبة حالما تصبح في متناول
يده.
قلوب وقفّازات
بالطبع، لا بدّ لصفة
كالخيانة من استدعاء صفات أخرى، مرتبطة بها، ومنطلقة منها:
التردّد والتقلّب؟ كان راسين أفضل من عبّر عن هذه الفكرة
في قوله: "إنها تتردد وتميل، بكلمة أخرى: إنها امرأة". أيضاً،
نتذكر ما قاله بالزاك عن أن المرأة تبدّل قلبها بسهولة كما
تبدّل قفّازيها. وثرفانتس الذي لا يغامر في غرز دبوس بين
كلمتَي نعم ولا تقولهما امرأة. هكذا فعل ولكنز الذي رسم
للنساء صورة متحوّلة على الشكل الآتي: النساء متعبّدات في
الكنائس، وملائكة في الخارج، وشياطين في البيت.
لكن صفة عامة كالكذب
تمّ "تأنيثها"، في شكل يدعو إلى الريبة، وخصوصاً أنها طاولت
ما يمكن أن يكون، أو ما يشترط أن يكون، أصدق شيء من ناحيته
الإنسانية: الدموع. "المرأة تضحك عندما تستطيع، وتبكي عندما
تريد، فقد درّبت عينيها على البكاء. لذلك يجب ألا تخدعك
دموعها"، هذا ما يقوله آرثر ميللر، متداركاً أن أفضل ما
تفعله المرأة، هو تجفيف دموعها عندما تبكي، لأنها لو تركت
هذه الدموع تسقط على الأرض لتحولت هذه الدموع تماسيح تبكي!
لكن ارتباط هذه الصفة،
صفة الكذب، والتي دفعت كاتباً الى إقامة التشبيه بين النساء
والأطباء في أنهم وحدهم يعرفون متى يكون الكذب ضرورياً ومفيداً،
مثلما دفعت آخر الى القول إن المرأة المخلصة هي تلك التي
تكذب بإخلاص... أقول إن ارتباط الكذب بالمشاعر الإنسانية
لدى المرأة، ووقفه عليها في زعم هؤلاء، يؤكد جذره السابق:
الغيرة، ولا شيء سواها.
بالطبع، فكرة هجاء
المرأة كخاطئة، وبؤرة للخطيئة، هي فكرة مكرّسة على المستويات
كلها، دينياً وثقافياً واجتماعياً. "المرأة شيطان متقن الصنع"،
يقول فيكتور هوغو. وما قاله غوته في أننا "عندما نخطو نحو
بيت الشيطان، تكون امرأة قد سبقتنا بألف خطوة"، عاد أحد
مواطنيه، وهو الروائي كريستوف هاينه، فزايد عليه بالقول:
"المرأة تفاحة وأفعى في آن واحد". أما الشاعر الإنكليزي
جون ميلتون، وهو من أكبر شعراء القرن السابع عشر، فقد صنّف
المرأة في خانة "سيّئات الطبيعة الجميلة". بعد ذلك قرص جون
درايدن أحد أبطاله لكي يصرخ: "أيتها النساء! أيها الجنس
المشؤوم! إن القدرة الإلهية كلها على صنع الخير لا تداني
في شيء قدرتكن على الإساءة والضرر".
يقول أورليان شول
إن النساء، أثناء حصار باريس، أكلن لحم الكلاب، فساد الاعتقاد
أن هذا الطعام سيلقحهن بمبادئ الإخلاص والوفاء. لكن الذي
حصل كان على العكس من ذلك: "بتن في حاجة إلى قيود"!
بعد ذلك، لا ضير إذا
سمعنا نساء يدخلن الحلبة شاهداتٍ ضدّ بنات جنسهن، أحياناً
على سبيل الدعابة، مستخدماتٍ الأدوات نفسها. "أحب الرجال،
لا لكونهم رجالاً، إنما لأنهم ليسوا نساء"، هذا ما قالته
الملكة كريستينا. وبتحوير بسيط، قالت مدام دو ستايل المعنى
نفسه حين عبّرت عن سعادتها لكونها ليست رجلاً، "ذلك أنه
كان عليّ الاقتران بامرأة". شهد شاهد من أهله؟ عبارة ربما
قصد لا برويير تفسيرها حين ذهب إلى أن الرجال هم الذين يجعلون
النساء يكرهن بعضهن بعضاً.
الغزل الحامض؟
هو من باب قلة الحكمة
تناول موضوع غريب كهذا. أيضاً، من بابقلّة الدراية والحيلة.
وهل تُهجى المرأة؟ هل تُهجى التي طالما كان وجه الأدب على
مثال وجهها، وأصابعه؟ هل تُهجى "علّة" الأدب، من دون هجاء
هذا الأدب؟ ثم، هل ينجو أدبٌ جرح وجهه بزجاج مرآته؟
هجاء المرأة، بما
هي امرأة، في الشعر ضرب من ضروب الإلحاد: لا يلحد الشاعر
حتى يكفر بالمرأة.
لكن الأرجح أن الشعراء
هجوا تلك التي لم تطلها يدهم، أو التي خسرتها تلك اليد.
هجوا نساءً أرادوا التشبيب بهن، فوجدوا الصدّ (راجعوا ابن
الرومي الذي جعل من ديوانه "دستوراً" في ذلك). وهجوا نساء
حاولوا الانتحار في سبيلهن. وهجوا نساء دخلوا بسببهن المصحات
العقلية. تخيّلوا الآتي: شاعر بهره الضوء في عيون امرأة،
فقال: شيطانة. وسحره جلدها الأملس، فقال: أفعى. فلنقل إذاً:
هجاء المرأة كان الوجه الآخر للتغزل بها، والمستحيل. غزل
مقلوب، أو غزل حانق. غزل يحمل فأساً، ويحمل مذراة. غزل ينتقم
لنفسه بنفسه: غزل منتقم؟ واستنطاقاً لحكاية الثعلب، الذي
ولا بدّ - ملّ حكايته مع العنب، نقول إنه الغزل الحامض.
لم ينتقص الأدباء
من المرأة، كما فعل المجتمع، بل كرهوها. غاروا منها، وعليها.
شتموها، وبكوا في أحضانها. قالوا: أنتِ إلهتنا، وكفروا بها.
تحوّلوا ديوك جنّ حمصية: أحرقوها وسكروا من رمادها. عانقوها،
وغرزوا السكين في ظهرها. ولأنها هي التي أخرجتهم، حين أخرجت
أباهم، من الفردوس، فقد عادت وانتقت الأجمل بينهم، وأعادته
إليه. مَن قال "المرأة نصف المجتمع"، كان عليه أن يكمل معروفه
فيتمّم عبارته: وكلّ الأدب. وإذا كنت لا أذكر من قال إن
أكثرية النساء يمضين حياتهن في سرقة الشجرة القديمة التي
اقتطفت منها حواء الثمرة الأولى، فإني أعرف تماماً أن سقراط
هو القائل: يوم تصبح المرأة مساوية للرجل، تسمّى سيّدته.
مَن لا يصدّق فليسأل
شعراء العالم كلهم: هؤلاء الذين كتبوا قصائدهم على وقع سكربينتها.
ماهر شرف الدين