حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

فردوس الحيوان.. فرانز مارك..
الفنان الذي يرى الحيوان أكثر جمالاً ونقاءً

جلس القرفصاء تحت شجرة ظليلة. كان عارياً مثلها، يلعب مع قرد وغزال وبقرة وثعلب. يصنعون رؤيا كلية لإنسجام سعيد بين الانسان والحيوان والطبيعة. قبل سنتين من قيام الحرب العالمية الأولى بدأ (فرانز مارك) مع صديقه (أوغست ماكه) يرسمان _ مارك يرسم الحيوان وماكه يرسم الانسان. اللوحة الوحيدة التي اشتركا في رسمها كان ارتفاعها أربعة أمتار وعرضها متران، أطلقا عليها أسم (الفردوس). وهي اللوحة التي يسعى أليها الكثيرون.

كتب (هاينرش فون كلايست): (الفردوس مغلقة بالرتاج والملاك خلفنا. علينا أن نقوم برحلة حول العالم ونرى ما إذا كانت ستفتح في مكان ما من خلفنا.) الرسام (بول جوجان) سافر حتى تاهيتي. وما بحث عنه في البحار الجنوبية، وجده فنانو دريسدن (الجسر) وصديقاتهم بالقرب من بحيرة موريتسبورغ: الفردوس المفقود، حسي وحيوي، عارٍ ونشوان.

فرانز مارك، ابن مدينة ميونيخ، على العكس من ذلك - أراد أن يكون قسيساً، درس فقه اللغة مدّة قصيرة قبل أن يصبح رساماً – لم يرحل إلى الخارج وإنما رحل إلى الداخل. أسقط أحلامه الفردوسية على الحيوان: (وجدت الانسان منذ وقت مبكر كائناً (قبيحاً) وبدا لي الحيوان أكثر جمالاً ونقاءً).

درس أستاذ الفن في (بريمز) حياة الحيوان في حديقة حيوانات ميونيخ وفي الأرياف البافارية. وقد تحرر ولكن بمشقة بالغة من وطأة الرسم التقليدي الذي تعلمه في أكاديمية الفنون في ميونيخ سنة 1900. كان يهرب دائماً من (صخب المدينة) إلى الريف. في صيف 1906 صحبته امرأتان؛ (ماري شنور) و (ماريّا فرانك)، كلاهما رسامتان تعرف عليهما في ميونيخ. في سنة 1907 تزوج من (ماري شنور) التي تكبره بأحد عشر عاماً، وصحبت معها طفلاً غير شرعي إلى الحياة الزوجية التي لم تتم: ففي ليلة الزفاف سافر (مارك) بقطار الليل إلى باريس تاركاً زوجته لدى أحد الأصدقاء.

في عاصمة الفن القائمة على نهر السين سحرته لوحات (جوجان) Gauguin كما سحرته لوحات (فان كوخ) Van Gogh. ومن رسالة له إلى بنت الصيرفي الشقراء (ماريا فرانك) – أصبحت زوجته الثانية فيما بعد – كتب الرجل الذي كان في السابعة والعشرين من عمره: (قطعة بسيطة من الطبيعة هنا المدخل إلى رسم كل ما نفتقد وكل ما نشتاق إلى رسمه. وهذا هو الأجدر حقاً.) في الرسم يسعى إلى التحرر من مخاوفه. يقول مارك: (لاينقذني إلاّ جمال اللوحة.) واستغرق وقتاً طويلاً حتى وجد عملاً، وجده (جميلاً). وبجزعٍ واستياءٍ من نفسه مزّق بعض لوحاته، حتى استرد ثقته بنفسه من خلال صداقته وتعاونه مع (فاسلي كاندنسكي). هذا الفنان الروسي الذي يعيش في ميونيخ رسم أول صورة تجريدية بالألوان المائية سنة 1910 وكتب في مقالة له (حول الفكر في الفن). كلا الرجلين خططا تقويماً أطلقا عليه (الفارس الأزرق).صار صيغة لأفكار فنية جديدة، وملتقى للصيغ (التي تنمو وتتطور بفعل ضرورات داخلية) على يد فنانين فطريين، فنانين كالأطفال، سواء كانوا في القرون الوسطى أم في القرن العشرين، في الهند أم في بافاريا.

وقبل أن يظهر أول – وآخر- إصدار للتقويم عرضت في ميونيخ سنة 1911 ولأول مرة لوحة (الفارس الأزرق) لِ (كاندنسكي) و(مارك) والمناضلين معهم. يبحثون عن أعمال فنانين، عن (دلائل متوهجة لعصرٍ جديد.) الدلائل وضعها (مارك) بألوان متوهجة لحيواناته. الانسان بالنسبة له كائن مريب باعتباره متحكماً ومستغلاً للطبيعة. والتقدم التقني عنده ليس موضع ثقة: (السكك الحديدية – ابتكار عامي مبتذل. والطائرة – هل بوسعها أن تخدم العقل بأي شكل من الأشكال؟) مارك رسم صوراً مضادة. الحيوانات عنده شاهدة على وحدة المخلوقات بالكون، وهو ما يمكن أن يكون مجرد حلم بالنسبة للإنسان: (غزلان و أبقار، خنازير وذئاب، قطط برية وقطط أليفة، كلاب وحمير، دببة وعصافير، ثعالب وخيول. طالما رسم الخيول راقصة متحركة وضخمة مكدسة، حمراء وصفراء وزرقاء. الزرقة، لون (الفارس الأزرق) وهي بالنسبة لـ (مارك) مبدأ رجالي، مُرّ وروحاني).

وشكل على اللوحة الخام (الشاشة) أجساد خيول مؤخراتها مكتنزة، كثيرة الانحناءات. وفي سعيه النهم من أجل شكل جديد فصل الحيوانات اكثر فأكثر عن نموذج الطبيعة، وساقها نحو الإبهام. اقتادته في غضون سنتين اثنتين من (الخيول الحمر –1911) إلى الصورة المعمارية المعقدة (للإسطبلات –1913) وانتهاءً بالأشكال (اللاعبة) أو (المحاربة). كتب يقول: (لا توجد موضوعات ولا توجد ألوان في الفن بل تعبير فقط).

كيف لهذا التعبيري أن يغير الحيوانات ولا يثير الإعجاب إلاّ لدى الأقلية فقط. الشاعر الوجداني (راينر ماريا ريلكه) سمى لوحات مارك (المؤثرة). أما بالنسبة إلى (الزا لاسكر – شولر) فـ (فرانز مارك)(إنجيلي كبير). لقد رسم الكاتبة بألوان مائية على بطاقات بريدية PostKarten، وزين بصوره ديوان شعرها (التآخي) الذي تتصدره الأبيات التالية:
(ستسقط في حجري نجمة كبيرة…
نريد أن نوقظ الليل.
نصلي في لغات.

كأنها مقتطعة من قيثارة.)
معظم أصدقاء الفن وأصدقاء الحيوان هزّوا رؤوسهم باستياء بلغ حدّ العداء لرسومات (مارك)، حتى أولئك الذين وجدوا في الحصان الأزرق قرباً من نموذج الطبيعة، انفجروا غيظاً، من صورة البقرة التي رسمها (مارك) صفراء ذهبية وطاغية تخطت نهر (آلم) Alm بقفزة جبارة. هذه اللوحة – كما ذكر كاندنسكي فيما بعد – واجهت ازدراء الجمهور على نحو غير مسبوق، فكان العاملون في المعرض الأول (للفارس الأزرق) الذي أقيم في ميونيخ ينظفون اللوحة ليلة بعد أخرى من البصاق الذي لطخها، باعتبارها نموذجاً يتحدى الفن.

رسم (مارك) أعماله المتحدية في (قمامة معزولة فواحة). استأجر داراً مع زوجته (ماريا) قرب الخطاط (نيجل) في (زندل دورف) أحد أرياف بافاريا العليا، ووضع حاملة رسمه فوق صومعة واطئة وبدأ يجرب رسم الأشكال المكعبة، كما في لوحته (النمر – 1912) وهو لون جديد في الرسم ابتدعه في فرنسا التكعيبيان (بابلو بيكاسو) Pablo Picasso و (جورج بروك) Georges Braque.

قال كاندنسكي فيما بعد يصف صديقه: (لم تصدر عنه حركات سريعة ولم يفقد في الساعات الحرجة هدوءه وتوازنه النفسي.).
اشترى (مارك) سنة 1914 منزلاً ذا حديقة في قرية صغيرة تعرف بأسم (ريد). وعند أطراف الغابة أستمال اليه غزالين كانا يأكلان من يديه ويعدوان حواليه) يقول كاندنسكي: (كان يحبهما كحبه لأولاده.). في هذه البيئة الممتعة أبدع (مارك) لوحة (غزالة في غابة): حيوانة أم حمراء اللون وعنز أزرق وحمل رمادي بلون الأرض، لوحة تشبه نافذة زجاجية لكنيسة مبنية على الطراز القوطي. لوحة ترمز إلى السلام.
وبعد أيام من ذلك تندلع الحرب، ويصبح (مارك) جندياً احتياطياً في كتيبة المدفعية الملكية البافارية. جندياً تضم حقيبته الميدانية كتاباً واحداً: أنجيل مرقص. كان يحدث أصدقاءه عن الحرب بحماسة بالغة ويحلم بـ (تحول فكري) وظنّ أنّ أوربا التي تحكمها المادية ستحصل في الحرب على فرصة لتطهير نفسها تطهيراً كبيراً.

الجحيم، الجانب المظلم من الفردوس، قلما وضعها (مارك) في الصورة. في سنة 1913 رسم كارثة طبيعية، ظهرت فيها الخيول والخنازير البرية والذئاب وغزال أزرق يشرئب بعنقه – استعداداً للموت. أطلق على اللوحة اسم (مصير الحيوانات). وعندما أرسل له أحد أصدقائه نسخة منها بحجم البطاقة البريدية إلى الجبهة، شعر(مارك) بالذهول والاضطراب وكتب إلى زوجته: (إنه يشبه التشاؤم من هذه الحرب.)
(أرنست لودنيج كرشنر) صور نفسه سنة 1915 جنديا بذراع مقطوعة وينزف دماً. (إرش هيكل) حفر على الخشب صورة لـ (جريحين). (ماكس بيكمان) رسم (بيت الموتى). (اميل نولده) رسم (الرقود في القبر). أما (مارك) فعلى العكس من ذلك. لقد خطط بقلم الرصاص (كتاب تخطيطات من الجبهة) تصميماته تدعو إلى عالم جديد.

في أعياد السنة الجديدة 1916 بعث (مارك) من جبهة القتال ببطاقة تهنئة إلى زوجته تمنى لها فيها أن تنعم بعيد سعيد: (ثمّ نعود ثانية لنرقص الفالس القديم) وبعد شهرين من ذلك سقط (مارك) قتيلاً، نتيجة انفجار مخزن للذخيرة قرب (فردون). وتسلم (باول كلي) Paul Klee برقية تحمل اليه نبأ وفاة صديقهِ.وبنفس اليوم تلقى أمراً بالالتحاق بالجبهة، فشعر كأنه نائب عن (مارك)، ونائب عن صديقهِ القتيل عندما أصلح (كلي) سنة 1917 (صورة الكارثة) هذه التي تضررت جزئياً إثر احتراق مخزن يعود لإحدى المصانع المنتجة للذخيرة.
الفارس الأزرق (فرانز مارك) باعتباره فارساً سقط في جبهة القتال، صيغ بعد موته، أقرب ما يكون إلى شكل أسطوري، خصوصاً من قبل الفنانين والأدباء والمؤلفين في ميونيخ وبرلين، الذين روّجوا منذ وقت مبكر للمدرسة التعبيرية في الفن.وتوطدت شهرة (فرانز مارك) بعد ذلك أيضاً في أوساط المتاحف الألمانية.

في سنة 1919 اشترى المتحف الوطني البرليني لوحته (برج الخيول الزرق) التي أبدعها سنة 1913. في ريف خيالي مع قوس قزح. بنى (مارك) برجاً من أربعة خيول ورسم على الحصان الأمامي هلالا ونجمة – رمزا للانسجام بين المخلوقات والكون. وبعد ثمانية عشر عاما، خلال عاصفة الفن النازية، استبعدت من المتاحف الألمانية مائة وثلاثون لوحة من أعمال (مارك) ونقلت لوحة (برج الخيول الزرق) إلى (معرض الفضائح للفن الفاسد) الذي أقيم في ميونيخ. ولم تعرض مدة طويلة، وشوهدت اللوحة في برلين سنة 1945 وفقدت منذ ذلك الوقت.

(كرشنر) كان في الثامنة والخمسين عندما أصابته اطلاقة في قلبه، و(كلي) مات عندما بلغ الستين. كلاهما عاش زمنا طويلا ليرى شيوع أعماله الفنية وانتشارها أما (مارك) فقد ترك عندما سقط قتيلا في السادسة والثلاثين من عمره أعمالا غير كافية: 250 لوحة زيتية والكثير من الصور بالألوان المائية والتخطيطات، ورسم أيضا بطاقات بريدية وصورا زجاجية ومنحوتات وبعض الأعمال البلاستيكية. وقد احترق قسم من أعماله في الحرب العالمية الثانية أو اختفى: (في لوحاتي التي لم أرسمها تكمن ارادة حياتي كلها). من رسالة له إلى أمه بعثها لها من جبهة القتال، قبل مصرعه بشهرين…

 

آنا غريت جروسكوبف
ترجمة: قاسم مطر التميمي


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri