سولجينيتسين..
خريف
البطريق او سقوط الأسطورة
سيذكر تاريخ روسيا
السنوات الاخيرة من القرن الماضي بانها مرحلة انهيار الاساطير
التي كونها الوعي الجمعي الروسي عن شخصيات تاريخية.لقد انهارت
الاساطير التي احيطت بساسة وكتاب وفنانين وعلماء وغيرهم،
وحل وعي جديد محل الاساطير المختلقة يتمثل بادراك الدور
الفعلي لتلك الرموز الأسطورية وحقائق سيرتها الشخصية.وثمة
من يتحدث اليوم عن انهيار اخر اسطورة كبرى احيطت بالكسندر
سولجينيتسين كاديب وداعية انساني ومؤرخ.واللافت ان روسيا
تغاضت عن الاحتفاء حتى بعيد ميلاده الاخير، او الاشارة اليه.
لقد كانت عودة الأديب
والمفكر والمؤرخ الروسي الحائز على جائزة نوبل للأدب الكسندر
سولجينيتسين إلى بلاده ( 1994) بعد أن أمضى عشرين عاما في
منفاه لروسيا عودة المنتصر واستقبل باحتفائية كقديس، ونعته
رجال فكر بـ "ضمير روسيا الحي " وبالمقارنة مع كل ذلك فان
الاديب الكبير يعيش اليوم في عزلة ويغرق بالوحدة.
لقد نال شهرته بعوالم
رواياته المستقاة من أجواء المعتقلات ومعسكرات العمل الإجباري
التي أقامها النظام الستاليني لمعاقبة المنشقين والمشكوك
بولائهم للسلطة. عوالم لا تعرف الشفقة غارقة بالعطن والرطوبة،
يستولي عليها الرعب وتنقرض فيها الحياة بالعمل الشاق المضني،
والمنهك. واستقصى في قصصه القصيرة معاناة الحياة في الأقاليم
البعيدة في الزمن السوفياتي( والان ايضا) حيث الجوع والإهمال
والخراب الروحي وتحويل العمل إلى عبودية. فهل كانت اعماله
استجابة لهموم ومشاغل مرحلة عابرة بعيدة عن الهموم الانسانية
والاسئلة الخالدة ففقدت اهميتها وستهمل كرواية "الام" لغوركي
و"الفولاذ سقيناه" لاستروفسكي. و تدنى الطلب في السنوات
الاخيرة على اعمال سولجينيتسين.ومن الجلي ان هناك عدم فهم
بين الاديب والعصر الذي يعيش فيه .سولجينيتسين لم يعد مطلوبا،لافي
الحياة الادبية ولا الاجتماعية ولاالسياسية.
دخل سولجينيتسين
عالم الأدب إبان مرحلة الدفء الذي تسرب إلى الحياة السوفييتية
في منتصف الخمسينيات عقب فضح الزعيم السوفييتي الأسبق نيكيتا
خروشوف جرائم نظام ستالين، ومنحه فسحة لحرية الكلمة والفكر.
وتحول سولجينيتسين بعد صدور روايته الأولى "يوم واحد من
حياة إيفان دينيسوفتش" عام 1962 بغتة إلى أديب صاعد "النجومية"،
وتلقفت الرواية دور النشر الغربية، فترجمت إلى اللغات الأجنبية
وطبقت شهرته الآفاق. ولم تعرف الأوساط الأدبية قبل ذلك عملا
يذكر لسولجينيتسين. فمؤلفاته كانت مخطوطات أو محفوظات في
الذاكرة، يخشى عواقب نشرها. وحصلت يوم واحد... على المباركة
الشخصية من خروشوف، الذي كان يفتقر إلى منظرين وحلفاء لتعميق
خططه بفضح الجرائم الستالينية واستمالة الرأي العام لجانبه
في مقارعة الحرس القديم من بقايا القيادة الستالينية. وشكلت
رواية سولجينيتسين الأولى تمردا جسورا على مبادئ منهج الواقعية
الاشتراكية الذي ألزم الكتاب السوفييت باتباعه، وليست شخوصاً
سلبية أو إيجابية في يوم واحد... بالمعنى المتعارف عليه
حينذاك. ولم تتضمن أحداثها وقائع لتجميل المنجزات الاشتراكية
ولم تختتم بنهاية تبعث على التفاؤل.
وداعا للاسطورة
ويعيش سولجينتسين اليوم في وطنه في ضواحي موسكو، كما عاش
في فيرمونت الاميركية، خلف اسوار عالية مزود بعدسات التصوير
تخوفا من ان يشوش غريب ما عليه عزلته. وربما يعود هذا "
كما يقال، بعض الشيء لطبيعة سولجينيتسين الذي اعتاد فرض
العزلة على نفسه وفضل دائما حياة القبو المكفهرة على حياة
الاضواء العامة.وماعدا هذا فالاديب الكبير تخطى مرحلة الشباب:
وبلغ عمره في 11 كانون الاول (ديسمبر) 2005 ، 87 عاما (ولد
في 1918).
بيد ان هناك من يرجع
السبب الرئيسي للعزلة التي وجد الحائز على جائزة نوبل نفسه
فيها، لسلوكة الذي خيب امال المجتمع الروسي به.وكشفت روسيا
انها كانت ساذجة حينما خيل لها انها كانت تنتظر نبيا، ومخلصا
من المحن.وبالطبع لم يكن بمقدور سولجينيتسين تبرير الامال
الكبيرة المعقودة عليه. ولم تسمع الامة من الاديب والمفكر
فكرا جديدا حينما حصل على فرصة الحديث مع المجتمع عن قضايا
الساعة الملتهبة حينها من على شاشة التلفزيون.وسرعان ما
دب السام في نفوس المشاهدين من برنامجه الاسبوعي!
حينها لم يتفوه حتى
بنصف كلمة عن الحرب في الشيشان التي بدات حينها.ولم يطرح
للمتلهفين سوى افكار قديمة. وظهر صوته على خلفية التحولات
الكبيرة التي عصفت بروسيا غير منسجم مع الجديد والمنشود
.كان الانسان يبحث عن روسيا جديدة.
فكر قديم
واصبحت فكرة احياء التسيير الذاتي للفلاحين، واحياء اصلاحات
رئيس حكومة القيصر بيوتر ستوليبين(1862ـ1911 ) العتلة الوحيدة
التي استحدثها سولجينيتسن لبناء روسيا.وقد تكون الفكرة صحيحة،
ولكن شريحة الفلاحين، وياللتعاسة، ازيحت عن الارض كما يُزاح
ثلج فصل الشتاء، ولم يتبق اليوم من هذه الشريحة الجبارة
التي كانت تعد بالملايين سوى بقايا راكدة، تعيش بالكاد على
محاصيل مزارعها. .وظل سولجينيتسين وحيدا في الثقافة الروسية
المعاصرة.
والجائزة الادبية/الثقافية
التي استحدثها سولجينيتسين تقدم عادة لدعم الاصوليين (القوميين)
من انصار الفكر السلافي والروسي ومن الذين ثبتوا منذ زمن
بعيد اقدامهم في عالم الثقافة.وبينهم مثلا فلاديمير توبوروف
(77 عاما) الذي توفي مؤخرا، والاديب فالنتين راسبوتين.ولم
يغامرسولجينيتسين بشد ازر كاتب غير معروف. وسرعان مانضبت
اسماء هذه الدائرة الضيقة( المختارة) فبدات تبرز اسماء الموتى
مثل كاتب الروايات الحربية قسطنطين فوربيوف.ويقول الباحث
الادبي اناتولي كورولوف حقا ان الدولة لم تقدر بحق عبقرية
فوربيوف وهو على قيد الحياة بيد ان جائزة سولجينيتسين لم
تعد تحمل المفاجآت ففقدت الاهتمام بها.ومن بين الذين حازوا
على جائزة سولجينيتسين اسماء جديرة بالاعتبار مثل الكاتب
ليونيد بوردين بيد ان سولجينيتسين تعاطي مع بوردين كواحد
من المنشقين السابقين ومن الذين اعتقلوا في العهد الشيوعي
وليس على اساس قيمته الادبية.
ويلوح ان قدرات سولجينيتسين الابداعية قد نضبت، فلم يصدر
عملا ادبيا جديدا ذا وزن له منذ سنوات طويلة. واكتفى باصدارعمله
التاريخي " مائتا عام معا" الذي كرسه لتاريخ اليهود في روسيا
في غضون قرنين، وعلاقاتهم المتبادلة مع الامة الروسية.واثار
العمل ردود فعل متباينة. وانقسم القراء الى معسكرين في الموقف
منه.حيث استقبلته غالبية القوميين الروس بترحاب بينما رفضه
اصحاب التوجه الغربي ومن اصول يهودية، ورصدوا فيه مشاعر
العداء للسامية. حقا لقد تناول سولجينيتسين واحداً من اكثر
الموضوعات حساسية في روسيا.
وشهدت الفترة الاخيرة
ظهور العديد من الاعمال التي تعمل على تهشيم صورة سولجينيتسين
ككاتب ورجل مقاومة وفكر. وكان مؤلف الاديب المعروف فلاديمير
فوينوفتش "صورة على خلفية الاسطورة" اكثرها ضجة. ويقول فوينوفتش
ان سولجينيتسين خرافة صاغها الخيال الجمعي.وعلى مدى زهاء
200 صفحة يتابع ظهور سولجينيتسين من تحت الرماد ليرسم صورته
الحالية. ويقيمه على انه اديب متوسط المستوى لايستحق جائزة
نوبل، وان العمل الوحيد له الذي يحظى بالتقدير هو يوم واحد
من حياة ايفان دينسوفتش، والروايات الاخرى تبعث على السام.
وقال انه كف منذ زمن طويل عن قراءة سولجينيتسين. ويتابع
بدقه المحلل النفسي تطور سولجينيتسين من معلم مدرسة الى
شخصية جذبت الاضواء وحازت على جائزة نوبل، وفق سيناريو حاذق.وتابع
بدقة تدرج سولجينتسين من اديب مغمور جاء من اعماق الأقاليم
النائية ليكتسح موسكو ويخطف الاضواء ويجذب اهتمام الدوائر
الغربية.ويتلمس فوينوفتش بذلك سيناريو اعده سولجينيتسن للارتقاء
على سلم المجد والشهرة التي هو غير جدير بها.والراي لفوينوفتش.
ويذهب الكسندر اوستروفسكي
ابعد في كتابه" وداعا للاسطورة".وهو سيرة شخصية وكتاب وثائقي
سياسي، اعتمد على كم كبير من الوثائق بما في ذلك مؤلفات
سولجينيتسين بمختلف الطبعات وكم من كتب المذكرات الشخصية
من ضمنها لمقربين من سولجينيتسين، لرسم بطله.ويسير خطوة
بعد اخرى لتهشيم الاسطورة الني حيكت عن سولجينيتسين كداعية
انساني عظيم وعبقري وصوت الملايين ووريث التقاليد العظيمة
وضمير الامة ومعلم الحرية وغيرها. ويتمحور كتاب اوستروفسكي
على موضوعة علاقة سولجينيتسين بجهاز الكي جي بي.ويقول انه
كان صنيعة اجهزة الامن السوفياتية.وعمل مخبرا في فترة اعتقاله
لينقذ نفسه من الموت.وحسب فريضة اوستروفسكي فان ثمة قوى
اصلاحية في الكي جي بي استغلته من اجل ترويج افكار المنشقين
الاصلاحية واضعاف النظام الشيوعي، والاكثر من هذا فان الكي
جي بي فتحت لسولجينيتسين ارشيفها الذي استفاد منه لكتابة
عمله الكبير "ارخبيل الكولاغ" الذي تناول به في عدة اجزاء
حياة المعتقلين في المعتقلات الستالينية وما كابدوه هناك.
ومن زاوية اصولية
بتعقب فلاديمير بوشين في كتابه " الكسندرسولجينيتسين " طريقاً
للاديب ليطرح امام القارئ صورة ممقوتة لشخص اناني ليس له
حظ من المعرفة، بيد انه حاذق بالمراوغة والحيلة ويتحسس مواقع
الضعف البشري.وانه اختلق لنفسه صورة محسنة عن دوره في الحرب
مع المانيا الهترلية وسلوكه في المعتقل.
د. فالح الحمـراني