حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

ضد القتل

إدانة على طريقة أندريه مالرو

بدت لي عبارة اندريه مالرو للوهلة الأولى غير واقعية.. مباغتة مكتنزة بوجعها الملحد. يقول مالرو: الرجل الذي لا يقتل هو رجل بكر. وما هو طريف في هذه العبارة إنها تخلق على الفور نقيضها الآخر الذي يقول: الرجل الذي يقتل هو رجل غير بكر. ان افق جملة مالرو ينفتح على افق الجملة النقيض كاشفاً البعد اللا أخلاقي والهش لوجود الإنسان ليس في القرن الذي مضى وانما على طول التاريخ الإنساني.

تلعب عبارة مالرو دورها في إدانة القتل، لكن الإدانة هنا تطرح بطريقة وجودية او بعبارة ادق بمجاز وجودي يوحي بالكثير. وباستطاعتنا العثور على ادانات مشابهة لإدانة مالرو للقتل. فسارتر وكامو كلاهما أدانا القتل بالأسلوب نفسه حيث يتحكم المجاز او الموقف الدرامي بكل تناقضاته او تصميم الموت العبثي ببناء الجملة الوجودية برمتها.

القتل ليس هو الموت.. هذا جانب آخر من جملة مالرو نبصرهُ بوضوح.. القتل ابتكار إنساني كالاغتيال تماماً. ابتكار له جذور قديمة تصل الى بدايات التاريخ حيث جرت اول جريمة قتل.. أخوان ينتميان لنبي اخطأ وهو في الجنة. يقتل أحدهما الآخر ومن ذلك الوقت يبدأ القتل بسحق الأبناء الواحد تلو الآخر.

هذه البداية الخاطئة.. كانت اول خطأ مرتجل بحق الوجود.. وخلف غشاوة ذلك الخطأ كمن دافع شخصي غير مفهوم بالنسبة للقاتل. ان عبارة مالرو تجسد - في أعماقها التي تبدو غير ظاهرة-هذه الحقيقة التي لم ينتبه اليها قابيل حتى قتل أخاه بمعنى ان القتل هو زعزعة للوجود برمته.. الوجود المتمثل بالإنسان. فالرجل البكر لا يرتجل خطأه على طريقة قابيل. وهكذا نستطيع ان نفهم دفاع عبارة مالرو من خلال مجاز بارع وهو دفاع يمت بصلة قوية الى نظرة نعطي الاولوية للوجود على حساب اي مسمى آخر.

ان القتل-وهذا ايحاء جديد للعبارة-تلويث للموت بحد ذاته، ولكي يكتمل الجانب اللامرئي من المجاز وربما يكون القارئ بعيداً عن رؤيته فان كلمة (بكر) تؤدي وظيفتها جيداً فهي من جهة تعيد الى الموت بساطته المسلوبة منه كونه- اي الموت-عملية طبيعية يفارق الجسد فيها الحياة ويصبح جثة هامدة. ومن جهة اخرى تعري وتفتح الصورة التي تفرض على الموت. عبارة مالرو تضيء لنا ما يمكن تسميته بـ(صورة الموت) فالموت الجسدي يحدث لكن صوره تتنوع ويلعب القتل دوره الكبير في تنوع صور الموت.

ثمة إشارة وردت في بيت شعري لابي الطيب تحاول الاقتراب بنا من نبع مالرو. إشارة المتنبي تتطرق الى تنوع صور الموت وانتهاك حق الوجود لكن بأسلوب آخر يقول:

- تعددت الأسباب والموت واحد.

الملاحظ هنا هو ربط الموت بأسباب عديدة. وهذه الأسباب تؤدي بلا شك الى تنوع ظاهرة الموت، لكن المرجو هنا اقل بريقاً من الكشف الذي تتبناه الجملة الوجودية.

فصور الموت عند مالرو تختلف عن أسباب المتنبي. ان صورة الموت تعني الصورة المفردة لموت فرد ما ولكل فرد على هذا الكوكب صورة موت واحدة يسهم القتل برسم الوانها وظلالها. تعيننا العبارة السابقة-مرة اخرى-على رؤية البشاعة الكامنة في قتل يتكرر كل يوم بدوافع لا تختلف عن دوافع اول جريمة حدثت عبارة مالرو تعكس حقيقة واضحة يشعر بها الجميع مفادها: ان القتل اصبح كما لو كان مبرراً. وانه لم تعد هناك قدرة على ادانته باسم الوجود كما فعل مالرو لقد هيأ قابيل مسرح جريمته البدائي. وقبل ان يشرع بالقتل كان في أعماقه قد انتهى من خصمه هابيل. فقد انكسرت صورة القتيل في داخل القاتل. ويبدو ان القتل الذي نشهده اليوم ينطلق من المبررات ذاتها التي بدأ بها قابيل الضائع.

تجسد ابسط كلماتنا الرغبة او الأمنية في السيطرة على مظاهر القتل والعنف والاغتيال. ونحاول من خلال كلمة واحدة لا غير ايضاح الهوة اللاإنسانية لوجودنا في هذا القرن. ان اي مواطن يلفظ كلمة الامان او الامن فهذا يعني انه يشاطر مالرو إدانته.

لكنه يفعل ذلك بطريقة تخلو من استعمال المجاز. كلمة الأمن في اي حديث نسمعه تكتسب مظهراً له دلالة غريبة اذ لا يصدق أحد إن القتل يحدث بهذا الشكل ويلخص اي مواطن رعبه وقرفه عبر جملته المفضلة التي تتكرر كلازمة في صيغة او صيغتين هما: نريد الأمن أو توفير الأمن. هذه الطريقة المباشرة في التعبير تكشف لنا عن فقدان شيء ما.. شيء له وجود مادي اذا وجد فان الحياة ستعود الى طبيعتها السابقة ونحن نتحدث عن الأمنية بطريقة تبدو ساذجة جداً. لكن السذاجة هنا تنشط الانتباه المشتت على الأقل وتسلط الضوء على العلاقة بين شخصين يكون الأول قاتلاً والثاني قتيلاً. في قصة القتلة صور همنغواي تسمم الموقف بين البطل وقتلته فلا مجال لاقناع القتلة بعدم القتل والأغرب من ذلك أن لا مجال لاقناع القتيل بالهرب.

ان القتيل يسلم بموته المحتم وهو يجيب النادل الذي أرسله صاحب المطعم لتحذيره: انا اعرف ذلك ولا فائدة من الهرب. القتلة في هذه القصة مميزون وهادئون الى اقصى حد هم ارتكبوا جريمتهم في اعماقهم قبل ان يشرعوا بالقتل الحقيقي.

وبالتالي فان التداعيات التي يمكن ان تسبق عملية القتل تنتهي كذلك اذ تحول القتيل او الضحية الى (هدف) تماماً كما تحول هابيل الى هدف محدد في نظر قابيل.

قصة همنغواي تضعنا في إطار الموقف المسمم الذي يجمع بين قاتل وقتيل وكأنه يريد أخبارنا عبر سرده المنضبط بالاتجاه الدائري لسير التاريخ لا سيما انه لم يتطرق في قصته الى دوافع القتلة او محاولة الضحية لتفادي قدره.

 

نوزاد حسن


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri