حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

الصراع والمواءمة في مجاز
ما بعد الحداثة لأدب المنفى

ألدا بلانكو

ألفت صوفيا أي. ماكلينين كتاباً طموحاً، والذي تذكر في مستهله، إنه يعتزم " تحدي … النظريات المعاصرة حول الهوية الثقافية ". إن تدخّلها في حقل المعرفة النظري هذا، نجم عن خلافها العميق مع ما تدعوه استعمال مجاز ما بعد الحداثة لـ(المنفى) كاستعارة لـ" مرحلة جديدة من الاغتراب الاجتماعي "، الذي، كما تُجادل، في صميم العديد من الدراسات الثقافية والدراسات المقاربة. " وجدتُ "، تكتب في فصلها التمهيدي، " في العديد من الأعمال الثقافية، إن المصطلح (منفى)، فقد إشارته إلى حالة مؤلمة من الوجود، ومفرغاً من التأريخ واتصاله بالواقع المادي. ولذلك، هذا الكتاب مكرّس، جزئياً، للمواءمة بين الخطاب النظري للمنفى مع الحالات الواقعية له في الأنظمة القمعية الاستبدادية ”. هكذا، يتحرك كتابها بين الصراع والمواءمة في مجاز ما بعد الحداثة للمنفى بالأرقام والنتاج الأدبي لثلاثة مؤلفين منفيين ناطقين بالإسبانية: خوان جويتيسولو، أريل دورفمان، وكريستينا بيري روسي.

إنّ مشروع ماكلينين ثانوي، ولكنه مع هذا مهم لأنه يتولى نقد بضع " نظريات واضحة في كتابة المنفى "، والتي توسعت في الأدب الإسباني وذلك يعود، في رأيها، إلى أن المنظرين الرئيسيين في المنفى (جوليان، سيدل، كامنسكي، وأوغارت) يطرحون المنفى، والأدب الذي ينتجه بمصطلحات ثنائية، والأطروحة التي قدموها غير قادرة بالكامل على إدراك وكشف تعقيدات نصوص المنفى أَو تجربة المنفى. بالنسبة لماكلينين " التفكير الثنائي " الذي يسند الدراسات النقدية لأدب المنفى، في بعض درجاته محاولة لتعريف وتأسيس أنواع النصوص الأدبية للمنفى بواسطة بعض الخصائص النصّية التي تمتاز بها على الآداب الأخرى. الأطروحة البديلة التي عرضتها تُقدّم الجدل أَو التفكير الجدلي على أنه الإطار النظري الأكثر ملاءمة لترجمة حالة المنفى وتمثيلها النصّي، لأن هذه التجربة وبياناتها جدلية أصلاً. " فهم كتابة المنفى جدلياً " تكتب ماكلينين " تُفسّر الطرق المتعارضة، الثنائية، والتناقضات التي يمكن أَن توجد بشكل آني في النص نفسه ". بينما تعترف هي بأَنّ هؤلاء المنظرين للمنفى يلمحون للجدل في كتابة المنفى، وعبرت أَن مفهومها لا يعطي قراءة جدلية لنصوصها المختارة فقط، ولكن أيضاً لعمل الأساسات النظرية الواضحة لمشروعها. لهذا، فهي تقترح في فصل قصير جداً يدعى " جدل المنفى: نحو نظرية لكتابة المنفى "، التي " تقترح أطروحة نظرية مُنتجة لكتابة المنفى والتي يجب أَنْ تنظّم بواسطة النظرة الجدلية، فضلاً عن ذلك، يسمح لنظرية المنفى التي هي مرنة وسلسة، لأن السمات الجدلية المعيّنة لأيّ نصّ ستكون محدَّدة بالظروف التاريخية المعيّنة والمكوّنات القصصية ".

إذا كان الفصل النظري للجدل يُمكن أَنْ يُرى أيضاً كملخص يظهر تعقيد هذا المفهوم، تعاليمه الفلسفية، واستعماله الكافي في التحليل الأدبي والثقافي " كلمات رئيسة للمنفى "، التقسيم الفرعي لمقدمتها يثبت لكي يكون مفيداً جداً للقارئ لأنها قدمت تعريفات ممتازة للمصطلحات الرئيسة (المنفى، ما بعد الحداثة، ما بعد البنيوية، الثقافة القومية، ما وراء الحدود، ما بعد الثقافة)، والذي شيدت عليه البراهين الموسعة والمعقّدة في أغلب الأحيان. إن وضوح هذا القسم، يُهيّئ القارئ للفصول الباقية من الكتاب، الذي أنشئ حول المواضيع (الثيمات) أَو الإشكاليات الخمس الأساسية في كتابة المنفى : الأمة، الزمن، اللغة، الفضاء، والهوية الثقافية.

لتلخيص أَو تفسير العدد الكبير من الحجج التي طورتها في كل من فصولها الثرية، إذ أنها تُبسّط التعقيد المطلوب في حججها وقراءاتها المتبصرة المعقّدة لنصوص ما بعد الستينيات، التي تشكّل القاعدة الأساسية لتنظيرها للمنفى وأدب المنفى. تعرض فصول الكتاب الطرق التي فيها (جويتيسولو، دورفمان، بيري روسي)، على الرغم من أن كُتّاب ما بعد الحداثة، يُقدّمون رؤى بديلة لعدّة عقائد أساسية لفكرة ما بعد الحداثة كما وُجدت أولاً في أعمال بودريلارد، دريدا، بهابها، دولوز، وكواتاري: البداوة كهوية ثقافية مرغوبة ؛ مخربة للذات ؛ والتي تدعى " نهاية الموضوع " ؛ وتتشظى كخاصية وجودية لذات ما بعد الحداثة. هكذا، في هذا الكتاب، الذي ينظم تقاطع أدب المنفى مع ما بعد الحداثة، نجد أن العنصر الابتدائي الذي يُميّز قصص المنفى في فكر ما بعد الحداثة هو وضع الكاتب كمنفي.

أي أنه يُشكّل تجربة النفي التي تجعل أدب المنفى في عصر ما بعد الحداثة عالمياً ومختلفاً عن تجربة الشكل " المشهور " للبدوي؟ الذي، فضلاً عن ذلك، منح أدب المنفى مكانه الخاص ضمن تصنيف النصوص الأدبية كصنف منفصل ومُتميّز من الكتابة، خصوصاً في العصر الذي كان هذا الأدب يتداخل مع العديد من سمات تفكير ما بعد الحداثة ؟ بينما لا تُجيب ماكلينين عن السؤال الأخير، تردّ على السؤال الذي قبله، لكن ردّها يُحبك في كافة أنحاء الكتاب، ويتشابك مع العديد من البراهين التي توضّح مواضيعها (ثيماتها) الخمسة عن المنفى. بالرغم من أن عرض خصائص المنفى سيكون مفيداً لقارئها، إحساسي بأنّها تنشر هذه الإستراتيجية النقدية للنفي لكي تؤكد عدّة خصائص للخطاب النقدي حول المنفى الذي ارتبط بشكل معقّد بأدب: الخسارة، الحنين، الذاكرة (القدرات المزدوجة للتذكر والنسيان)، والصدمة. مثل هذه النظرة إلى أدب المنفى يمكِن أَنْ تُوجد، على سبيل المثال، في مقالة إدوارد سعيد الشفافة الجميلة المسماة " انعكاسات على المنفى "، إذ يكتب: " المنفى يُجبر بشكل غريب على التفكير بشأنه، لكنه تجربة فظيعة. هو الصدع القسري غير القابل للالتئام بين إنسان ووطنه الأصلي، بين النفس وبيته الحقيقي: حزنه الجوهري لا يمكن أنْ يُقهر. وبينما أن حقيقة ذلك الأدب والتأريخ يحتويان البطولة، الرومانسية، المجد، وحتى حوادث الانتصار في حياة المنفى، هذه ليست أكثر من جهود أرادت التغلّب على الحزن الشديد للإقصاء أو الإبعاد. إنّ إنجازات المنفى تُقوّض دائماً بخسارة شيء ما تركته وراءك إلى الأبد.

ماكلينين في " اعترافاتها " تُعيد سرد القصّة التالية: " حدثان مبكّران ساعدا في تشكيل منحى هذا الكتاب وقاداني لدِراسة أدب المنفى كتحدٍ للنظريات المعاصرة حول الهوية الثقافية. حدثت التجربة الأولى بينما كنت طالبة في جامعة ديوك. جاء (جين بودريلارد) لإلقاء محاضرة وتكلّم عن الحرب البوسنية. حاضَرَ في صالة مكتظة مليئة بأعضاء إدارة الكلية والطلاب كانوا مسحورين، مذهولين، بمقالته حول نهاية التأريخ، والثقافة السطحية للمجتمع المعاصر. عندما كنت جالسة أدون الملاحظات، كان (أريل دورفمان) في المقعد المجاور، يفرك عيونه ويتململ. عندما تكلم (بودريلارد) حول التغطية الإعلامية الهزلية لأحداث في أوربا الشرقية، انحنى (دورفمان)، أمسك قلمي وكتب " ألم " على قمة دفتر ملاحظاتي. (بودريلارد) لا يستطيع أَنْ يحسب الألم. نظرته إلى العالم غير قادرة على توضيح حقيقة معاناة الإنسان، والطرق العديدة التي يحاول بها الفنانون أَنْ يظهروا مثل هذا الألم في أعمالهم. أنا أعرف بعد ذلك، بأنّني أردت مواجهة الطريق الملتوية، بأن المنفيين تخصصوا بالنظرية، وتجردوا من حافتهم المأساوية.

نأخذ كإطار لكتابها، الذي يكشف عن الأصل المفاهيمي لكذبة وعجز (بودريلارد) لمعرفة، فهم وتوضيح " حقيقة " الألم المادي والعاطفي. بالرغم من أنه في (جدل المنفى)، الألم وعاطفة المنفى حاضرة، يبدون صامتين بتحولهم إلى فارغين من العاطفة والخطاب التحليلي. ليس في نيتي هنا تمجيد أَو تمييز الألم وحزن المنفى وتمثيله النصّي. لأنه، مع ذلك، لماذا يجب أَنْ يكون الخطاب النقدي حول هذا الأدب المعيّن مترابطاً بوضوح مع العاطفة، متى يكون هذا الصنف ليس المحور النظري لتحليل النصوص الأخرى الناشئة عن آلام مساوية، أحزان واقعية وتجارب الحياة؟ رغم ذلك، يظهر أنّ الاختلاف المهم الوحيد في أغلب الأحيان بين (جويتيسلو ودروفمان) ونصوص (بيري روزي) ونظرية ما بعد الحداثة بالضبط هو الإحساس بخسارة الوطن، الحنين الذي يُرافقه، والتشظي السردي الذي يظهره، والتي هي أيضاً من خصائص أدب المنفى الأسباني قبل 1960. نرى، على سبيل المثال، في النصوص المكتوبة من قبل المؤلفين المنفيين من إسبانيا بعد الحرب الأهلية (1936 -1939)
على الرغم من هذا، يعد كتاب ماكلينين مساهمة مهمة وثمينة في التنظير للمنفى في عصر ما بعد الحداثة لأنها بشكل ذكي وكليّ تكشف تعقيدات أدب مهم.

-------------------------

مراجعة لكتاب جدل المنفى: الامة. الزمن. اللغة والفضاء في الاداب الاسبانية، للكاتبة ماكلينن

 

محمد عباس الربيعي - كاتب من العراق


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri