النسق الوجداني
و”مجرات التأثير“
من مأثور القول ، إن
المبدع الحقيقي، هو من ينجز عمله الثاني، وهي إشارة ضمنية
إلى أن المادة الأولية او الموضوعات غالباً ماتكون متوافرة
في بواكير الأعمال، وتأخذ طابعاً شخصانياً، أشبه مايكون بـ
(السيرة النفسية) لحقبة مبكرة من حياة المبدع، ونشدد على تسمية
(السيرة النفسية) بدلاً من السيرة الذاتية التي ثبت خطأ تسميتها،
التي توحي بعزل ذات المبدع او تقديمها كذات متعالية ذات هوية
صافية، حيث يقول (بورديو) في كتابه (إعادة النظر بالفلسفة):
(ان نحاول فهم الحياة كسلسلة فريدة ومكتفية بذاتها من الأحداث
المتتابعة بلا أي صلة سوى الارتباط بـ (ذات). لاتكون ديمومتها
بدون شك الا ديمومة اسم العلم - كجوهر مكتف بذاته- هو تقريباً
محاولة عبثية، مثلها مثل فهم مسيرة احد خطوط سكة الحديد دون
ان نأخذ بنظر الاعتبار بنية الشبكة، أي رسم العلاقات الموضوعية
بين المحطات المختلفة) وهكذا يتم تخصيبها- أي الذات- ولاتعود
(كذات عينية) أي أصلانية وانما كمزدوجة او منظومة بشكل أدق.
وبسبب من ارتكاز التجربة على حقبة مبكرة من حياة المبدع، وهو
هنا يأخذ صفة الشاعر في هذه المقاربة. فأن (مجرات التأثير)
ليست ببعيدة عن مؤثرات الفضاء العائلي والحلقات ذات الصلة
بالاهتمام الشخصي كإقامة العلاقات العامة والعلاقات ذات الخصوصية
كالصداقات بالإضافة الى الأحداث ذات التأثير المباشر كالحروب
وفقدان الاقربين، والإخفاقات ذات المناشئ المختلفة التي تؤثر
وتعمل عملها في البنية النفسية للشاعر، حيث تتمظهر كل هذه
المؤثرات في أسلوب الشاعر وتلونه بصبغتها، هذا الأسلوب الذي
يتسم غالباً بالحماسة والاحتدام وطغيان النبرة العالية المصحوبة
بالمد الوجداني الذي يشكل مهيمناً او نسقاً بارزاً، يؤطر مجمل
النصوص، ناهيك عن الحرية الكبيرة في حركة الكتابة، بعيداً
عن المحاذير وسلطة معايير الحرفة او مستلزمات الصنعة المحكمة،
حيث يعود ذلك إلى عدم اكتمال النصاب الفني والرغبة المحمومة
لإثبات الحضور السريع الذي يسبب كثيراً من الإرباك على مستوى
الصياغة وانتقاء الموضوعة والخبرة الكافية للإقناع، بيد أن
هذه الإرباكات والمؤاخذات سرعان ما تتلاشى مع مرور الزمن بالمثابرة
والكد المعرفي لتحصيل الأسلوب شريطة توافر الموهبة وأصالتها.
في مجموعته البكر، والموسومة
بـ (لاشيء لظهيرتي)، لايشذ الشاعر (حيدر الحجاج) عن مواضيع
ومناخات بواكير الأعمال التي اشرنا إلى طبيعتها آنفاً فابتداءً
من النص الأول، يبرز احد عناصر النسق الوجداني متجلياً بدائرة
الأصدقاء، حيث يقول:
((أصدقائي
الذين يتماثلون إلى المواجع
المدهشون أينما حلوا
.................
أخزن أحلامكم
لئلا يلوكها التلف
وأتأبط سلالكم الملأى بالنسيان
أحبائي
سأنتظر دموعكم
وهي تحل ضيف شرف)) ص8
: مثلما هو واضح، فهنا
ثمة فيض من المشاعر الإنسانية الإيثارية، والعلاقات الحميمة،
التي يكنها الشاعر لهذه الحلقة الاجتماعية المؤثرة، وهي مشاعر
تتسم بالوفاء، بدلالة قوله ( أتأبط سلالكم الملأى بالنسيان)
حيث التشبث والاحتفاظ بالذكرى كتاريخ مشترك مقابل النسيان
واللامبالاة واستقبال الدموع (كضيف شرف) على الرغم من الجحود
والغياب المتعمد، وضمن دائرة الصداقات ذاتها، التي احتلت مساحة
كبيرة من النصوص وبالإضافة الى اشتغال الشاعر - استعارياً-
عند البوح والإشارة الا إن الصفات والنعوت كانت حاضرة كما
في قوله:
((المعلم والعراب (كبيران)
وأنا خطأ في الجينات)) ص26
وترتبط هذه الدائرة-
أي دائرة الصداقات- بدائرة أخرى إلا وهي دائرة المكان بوصفه
عنصراً رئيسياً في تشكيل الهوية الشعرية ويشكل - أي المكان-
علامة فارقة على مستوى التأثير ونوعية إقامة العلاقات الشخصية
للشاعر:
ياعراب طفولتنا
أيها الأب الطاعن
أعناقنا تشيخ،
في جدائل الماجدية))
ص16
لانعدم القول، إن للمكان
هنا، تأثيراً نفسياً سالباً فـ (جدائل الماجدية) والماجدية
احدى مناطق محافظة ميسان - معادلاً موضوعياً ووسطاً صالحاً
للهرم والشيخوخة المبكرة للطفولة، كما يحضر (الجنوب) بقوة
في نصوص المجموعة وهو مكانياً لايختلف عن الأمكنة الخاصة التي
ورد ذكرها من حيث السلبية والخراب الذي يزداد خراباً عندما
يشتبك الأصدقاء بخياناتهم وجحودهم في صناعة ذات الشاعر وبلورة
رؤيته للعالم، فالجنوب، وعلى حد تعبير الشاعر هو: (جنوب الوجع
المستديم / جنوب الوحشة والغروب) مما يجعله يبوح بعد هذا الانكسار
والخذلان باستسلام ملحوظ: ( الآن / نصفق جميعاً/ لركائز البؤس)
ص30
في الفضاء العائلي يبدأ الشاعر بـ (الأب) عبر نصٍ عنوانه (عالياً
أيها الأب)
حيث يقول:
((أبي
كنت عاشقاً سماوياً للرغبات
سادناً....بلا هبات
.................
وعلى غفلة من حشود العائلة
أسرجتك السماء قنديلاً
في شعابها
..................
هي ذي ذكراك
تنشد أشجاراً، لاتعرف سر الذبول)) ص12
في هذا النص، لانلحظ تلك العلاقة الاوديبية التي عادة ماتربط
الابن بالأب وفقاً لاكراهات السلطة الأبوية والتمنيات المحرمة
بموت الأب للخلاص والانعتاق من هيمنة واستحواذ الأب الذي يمثل
من جانب آخر وبالاستناد الى الواعز الأخلاقي (عادلاً / مستبداً)
كراعٍ تدين له الرعية بالطاعة والتبجيل، في هذا النص لاوجود
لمثل هذه العلاقات وانما هي علاقات في غاية المودة والشفافية
والحب العميق، يقابلها كشف شعري عن طبيعة هذا الأب ذي الرغبات
الطهرانية بدلالة ارتباطها بما هو سماوي، والإشاحة عن الظواهر
المادية عبر الزهد بالمكافأة والجزاء.
فالاب (سادن... بلا هبات)، وهو مايجعل صعود روح الأب الى بارئها،
صعوداً اسطورياً حيث يصورها الشاعر كـ (قنديل) تتكفله السماء
بحفاوة الاستقبال والديمومة ، لذلك فأن ذكراه خالدة هي الاخرى
لتقمصها معادلاً رمزياً يتمثل بأشجار لاتعرف سر الافول.
وفي نفس السياق العائلي يخص الشاعر، شخصية (الأم) بنصٍ عنوانه:
(عن همسكِ ، واشياء اخرى) يقول فيه:
((كنا نتدلى
نحن المحبين الصغار
من ندى حنينِكِ
ومن أغصان نظارتيكِ العذبةْ
نشاكس معقل شبابك
وهو يسيل تعباً وانتظار
هكذا يا أم
انفرطت شاراتكِ حقولاً
لتجتاح السماء)) ص31.
بذات الخطاب الذي يقطر
مودةً وقداسةً، الذي سبق وان خاطب به الأب يخاطب الشاعر (ألام)
التي تشترك مع صنوها بالطهارة والروح السامية حيث تكشف الصورة
الشعرية المركبة من المستوى المعنوي: شاراتكِ، والمستوى المادي:
حقولاً/ تجتاح السماء- عن طبيعة نورانية، تؤطر الاب والام
على حدٍ سواء.
وبناء على ماتقدم من خيبات امل وتشظٍ روحي واخفاقات فالشاعر
يعلن بصيغة الاقرار قائلاً:
((هكذا انمو
متوارياً عن عشبتي
ارسم قمماً
من التلويح
ونساءً
لحروبكَ العالقةُ
تماماً كنصبٍ قديم)) ص36
ان النمو هنا، هو نمو
ناقص بحكم التواري بمعنى التنازل وفقاً لمعطيات السياق، التنازل
عن مبررٍ للوجود الممثل له استعارياً بالعشبة ومرجعياتها الاسطورية،
مما يجعل ممارسات الشاعر من اجل تبوأ مقعد يليق به كانسان،
ممارسات في غاية العبث واللاجدوى، فما يخطط له ويرسمه مجرد
قمم من الفقدان بدلالة (التلويح)، كعلامة على الغياب، ونساء
بلا طائل، مادامت الولادات قرابين مسبقة لارضاء نزوات تجار
الحروب وغرائزهم المتعطشة لاراقة الدماء.
هذا، وقد جاء اسلوب الشاعر متناغماً مع طبيعة الموضوعات والمفاهيم
المطروحة شعرياً، حيث سيطرة النبرة الغنائية ذات الطابع الرثائي
على مجمل نصوص المجموعة عبر تشكيل من الصور الشعرية البعيدة
عن التمركز حول الاداء المجرد، والدلالات المتوارية تحت اغطية
المجاز السميكة، وانماطه المعقدة التركيب.
والان، بعد لوحة الفَقدْ، وخراب المكان، وجحود الاصدقاء، وويلات
الحروب الغاشمة: بماذا يؤثث او يرمم الشاعر زمنه الذي مثل
له بـ (الظهيرة)؟ بالتأكيد ومن الطبيعي ان الجواب سيكون بـ
(لا شيء) الذي نتمنى من الاعماق ان يحصل عليه ولو بعد حين
لتستمر عجلة الحياة بالدوران.
حسن السلمان / كاتب من
العراق