حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

المشــهد الأخيــر للشــعراء
مـن الحكمـة أن يكـون المـرء شـاذاً

انتوني بيرغس

أشباح الموتى من الشعراء لا تمشي على ضفاف بحيرة ليك ديستكرت بل هي تتنزه. أشباح ممسوسة كبائعي القبعات. لربما تفاجئهم وهم واقفون على حافة بحيرة الرديال ووتر وتضبط ظلالهم في تلك المرايا السحرية التي تنظر برعب إلى تلك الوجوه التي دوخها الأفيون.

تبدأ حكاية النرجس بأقرباء ووردزوورث وأصدقاء وجميع من يرى شبحه في تلك المرايا المائية. في الليك لاند وبين أزهار النرجس التي ترتجف من ثلوج نيسان، من السهولة بمكان أن نتخيل الووردزورثيين وهم ينزوون في سبات الأفيون، ليقطعوا في اليوم التالي الأميال من دوف كوتيج4 إلى ويندرمير.

لا بد وأن ويليام ووردزرث وأخته دوروثي ذات العينين الشهوانيتين المتوحشتين على حد تعبير دي كوينسي، قد سحق الأفيون جمجمتيهما.

كانا يخرجان في حالك الطقس، في العواصف الصقيعية يتحديان أمطار الشتاء الجارحة ليحتلا قمة أخرى أو ليصلا إلى نور مختلف. شرائح لحم الخنزير والضأن الباردة المخبوءة في جيوبهما كانت غذاءهما في النزهات.

هناك من يقول إن وراء كل رجل عظيم امرأة سخيفة تظن بأن الشمس تخرج من خلفها. وبالمقابل وراء كل امرأة عظيمة شخص غضوب. ربما كان قدر العباقرة أن يعيشوا بؤسا أبديا. لكن أيضا من كان خلفهم كان يعيش ذات البؤس. إذ ليس هناك من جحود أكثر من صخب شخص يحتاج الرعاية.

الإدمان على الأفيون جنب ووردذورث وشقيقته ضغط المنزل، والإدمان على التنزه جنبهما ضغط الأفيون. ويليام ودوروثي شخصان حميمان. تراهما يجلسان قرب بعضهما طوال الوقت في منزلهما في دوف كوتيج.

سرعان ما كانا ما يبتعدان إذا ما سرى تيار العاطفة واتقد ليتطلعا من النافذة آملين أن يتوقف المطر عن الهطول ليهربا من توتر المشهد. ولكن أين المفر! في بعض الأحيان وبالرغم من المطر الشديد كان لا بد من الخروج إلى أصقاع أكثر رحابة للهروب من ضغط المنزل والأفيون والمشاعر المتقدة لتكنس الرياح العاتية وصقيع الشمال جذوة ملتهبة. أحيانا كانت دوروثي تحدق إلى جدول مائي يرغي ويزبد كي تهدأ. وعندما تهدأ يعودان إلى المنزل لتبدأ الفورة من جديد.

«كنت ألاطفه على السجادة» كانت دوروثي تقول في افتتاحياتها في العامين الأولين أثناء وجودهما في عزلتهما الغريبة في غرايسمر.

لكن تلك الملاطفات كانت مجرد رعاية. ولم يكن مسموحا بها إلا في تلك المناسبات العذبة القليلة قرب المدفأة حين يتأخر ويليام عن موعد نومه. لقد تأخر سن البلوغ عندهما.

وليام ودوروني

إذا سلمنا أن كل الفن ينشأ عن كبت جنسي فلا عجب عندئذ أن الردهة التي كانت تحتضنهما أنتجت الكثير من الشعر العظيم. وبما أن دوروثي كانت عاجزة عن التصعيد فإننا لنفترض بأن التوتر كله كان من طرفها.

المنزل في تلك الفترة كان غريبا بعض الشيء. ويليام في الثلاثين من العمر (كان يكبر أخته بعام) وفي أوج إبداعه. الليريكال بالادز في الحقيبة والبيرلود تتهيأ للخروج منها. أما دوروثي، آلته الناسخة، ضحيته الراغبة، فكانت تتألق حينئذ. كانت تحيط بهما مجموعة من المعارف والأصدقاء وفلاحان اثنان. كان معظمهم من مدمني المخدرات. كوليردج كان ضيفا دائما وأكمل دي كوينسي الشلة، رغم أنه جاء في وقت متأخر.

بدا الشقيقان وكأنهما قانعان بتلك الحياة البسيطة. اعتاد ويليام على أن يعتني بمساكب البازلاء لبعض الوقت ومن ثم ليذهب إلى السرير ليرتاح. كان يمضي الكثير من الوقت في السرير تاركا ما تبقى من أعمال لدوروثي، التي تحملت أعباء أعمال التنظيف وغسيل الأطباق والطهو «خبز ـ وبازلاء».

بدو أن هذا كان تخصصها. كانت ترعى الخدم. رغم أن آل ووردذوورث لم يكونا من الأثرياء فقد كانا بعيدين عن الفقر. كانت دوروثي تساير الشحاذين وذوي الحاجات. اثنان أو ثلاثة منهم في اليوم. جنود معوقون أطفال بلهاء أو يتامى ونساء غجريات حوٌل ويليام حيواتهن إلى شعر.

بالإضافة إلى ذلك كانت تطبع وتصحح وتنقح وتنقد ما يكتبه شقيقها.
رغم ذلك لم تكن هي جنية الشعر، بل كانت صبية المنزل التي توسلت لجنية الشعر. ويا له من دور!

ولكن على ماذا حصلت من ذلك كله؟ أهو المجد الذي ارتد عن شقيقها؟ نحن نعلم على ماذا حصل ويليام من هذا كله. لقد حصل على اللغة الغريبة بل الشاذة التي كانت تكتب بها، وعلى الدقة المتناهية التي كانت تدون بها المشاهد الجميلة من حولها. ألم تكن مرجعه الوحيد عندما يتعلق الأمر بالورود والأزهار والأشجار وحال الجو؟ لقد أصاب روبرت غرافيز عندما قال: «لم يكن ويليام على معرفة دقيقة ومعمقة بحياة الطبيعة، ذلك أنه لم يكن يستيقظ باكرا أبدا».

من حين لآخر كانت تقفز إلى ذهن ويليام ذكرى علاقته البشعة مع آنيت فالون التي تعرف عليها وهجرها في باريس. كان ذلك قبل سنوات من عزلته مع شقيقته.

«رسالة من آنيت» كانت دوروثي تنوه إلى تلك العلاقة دون أن تبدي أية مشاعر. افتتاحياتها كانت تتبعها ملاحظات تتعلق بالصداع. ذلك أن دوروثي هي الأخرى كانت تعاني من الصداع. كان كلاهما عرضة لصداع مخيف. ولم تكن آلام الأسنان أو أوجاع القولون والبواسير والأرق بأحسن حالا.

«كنت أستلقي وأنا بأسوأ حال» كانت تقول. «أما ويليام فكان يجلس بهدوء بائس». أوجاع المعدة مزعجة هي الأخرى. تسكع لخمسة أميال يتبعه بلل يدلف إلى العظام ليرجفها. كان يسبب الرقاد في الفراش بسبب النزلات الصدرية. ولكن أي أحمقين كانا. كان كلاهما مريضا على الدوام. يمرضان داخل المنزل بسبب الأرق والضغط النفسي، ليعالجاه بتسكع بري وحشي في الخارج ما يسبب لهما آلاما أخرى.
حبها له قارب الجنون.

«ترفرف النار بلهيبها، وتتكتك الساعة. ولا أسمع سوى تنفس من أحب. كنت تراه يدفع بالكتاب من حين لآخر ليقلب صفحة».

هذه ليست لغة حب، فالحب أكثر عدوانية. إنها لغة الموت العذب. كانت عيناها تعلنان انسحاقها أمامه. كانت طامحة لأن يصبح عبقريا.

في ما بعد وبعد أن تزوج وبات مشهورا، تعرضت دوروثي للشلل ومن ثم العجز. لكنها كانت ما تزال تلقي قصائده. ربما كانت تحاول أن تبعث من جديد تقديرها الفطري لذاتها في شهادة الجنون التي منحتها لنفسها والتي اعتقدت أنها هي من سطر كلماتها.

 

ترجمة: صخر الحاج حسين / (٭) كاتب سوري - (عن السفير)



.Copyright ©2003-2007 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri