روائي
دنمركي
يحلم
باختراع ظلام اصطناعي
ويغتال
نوبل!!
يقدم الروائي الدنمركي
من أصل عربي أسعد الجبوري في روايته (اغتيال نوبل) حالة طريفة
في المواءمة بين الفانتازي المتخيل والواقعي الملموس، السياسي
والبوليسي، العاطفي الشخصي والإنساني العام، في تفاعل كيميائي
لا يغلب عليه واحد من هذه التسميات (التصنيف) بل يجعل منها
جميعاً بنية سردية واحدة.
اختراق "نص" الجبوري
يحتاج إلى أكثر مسبار، فهو محاولة جادة لتقديم رواية فيها
ملامح جديدة تخرجها عن مألوف السرد الروائي النمطي وتفسح مجالاً
واسعاً للاجتهاد الفني والإضافات على تجربة وموروث الرواية
العربية باختراق أنظمتها المتعارف عليها.
تتصدى الرواية /الخطاب/
لإشكالية مفتوحة على الحوار والمساءلة طالما ألهبت عزائم المفكرين
وقرائح الأدباء هي: الصدام بين الغرب والشرق /صدام الحضارات/
تفاعل الثقافات... تعبر الرواية عن ذلك برمزية لا تقلص المسافة
بين الرمز ورموزه، بل تترك أفقه للقارئ لتحديد العلاقة بينهما
/ الدلالة /.
العلاقة الرمزية في
الرواية بين واشنطن /الأب/ وشوكتر /الابن/ الولايات المتحدة
الأمريكية ونزوعها للهيمنة بينة الدلالة في الرواية، بوش /الأب/
وبوش /الابن/ وتاريخ الولايات المتحدة على اختلاف وتعاقب رؤسائها
مشبع بالجرائم ضد الشعوب وكذلك ضد الأفراد وخاصة المتميزين
منهم /سرقة الأدمغة والعقول/.
تقول (فيكي) لولدها:
لقد كبرت يا شوكتر، وصارت عظامك من حديد، إنه قدرك، قتلت شيخوخة
حاولت اعتراض طريقك /قتل الأب/ إلى مجد تبحث عنه، ما فعلته
كان عظيماَ، هكذا أعتقد أنا أمك "فيكي" فالأمهات أدرى بمكونات
خلقهن، قد تعرف ذلك فيما بعد يا ولدي، لابأس إلا أنني رسمت
لك حياتك رسم اليد لتصبح خالصاً، خالصاً وليس قطعة فسيفساء
خليط من مختلف التواريخ ومختلف الجغرافيات ومختلف الألوان،
الرجال الذين يولدون على شاكلتك يتسمون بالاختلاف لمحو المختلف
عنك ومعك، أريد قبضتك أن تشد على رقبة العالم وتشتد لتجعل
منه عالماً مختلفاً، أنت من يقرر منحه بعض نقاط الهواء. فأوكسجين
الكون من مستحقاتك وحدك يا ولدي".
المقطع السردي واضح
الدلالة على سياسة الولايات المتحدة الأمريكية واستراتيجيتها
في العالم /التدمير والإلغاء والإقصاء/ التفوق والطغيان. الوقائع
السردية تقود إلى المعنى الرمزي والتخيل الروائي يفضي إلى
الدلالة بين الرمز ومرموزه (فيكي الأم) والولايات المتحدة.
"لورا" عشيقة "فيلمون"
تصرخ في وجه واشنطن /الأب/: "وهل عليكم استخدام أرحامنا خنادق
لألعاب تخترعونها من أجل بسط الحلم الذي عادة ما تقومون بتكوينه
تكويناً نيتشوياً".
فيكي عشيقة واشنطن كما
في فاتنازيا (أسعد) الحامل منه والمخطوفة إلى كوكب آخر، تزرع
جنينها في أحشاء "لورا" عشيقة "فيلمون" وفق الفانتازيا التخيلية
في الرواية.
يصبح "فيلمون" الشخصية
المركزية ومدار كثافة السرد في مواجهة مباشرة مع "واشنطن"
في حكاية تعتمد الشد البوليسي والجذب الفني لحدث متخيل يقدم
في إطار واقعي يشبع الحاجة إلى المطاردة الداخلية والخارجية
ومشروعية الانتماء البوليسي، واشنطن وعصابته، حبك الجرائم
وتنفيذها /مقتل لورا/ وامتدادها مقتل "فيب" على يد شوكتر /الابن/.
صدام فيلمون /الشرق/
مع واشنطن /الغرب/ يسبقه صدام مع /الدانمرك/ حيث يواجه فيلمون
حالة تحدٍ في البلد الذي يعيش فيه بصفته مقيماً.
الصدام يأخذ شكلين كتعبير
عن المواجهة بين الغرب والشرق في سياق جديد من تشكل قطبي المواجهة
/التطور المتفاوت للتاريخ، وازدياد الهوة بين المركز والأطراف
الشمال والجنوب/
1-فيلمون والعلاقة مع
المرأة (الوجه الأول للمواجهة):
"النصوص تتضمن في بنائها
أنساقاً مضمرة ومخاتلة /مراوغة النص/ تحتاج للإمساك بحقيقته".
العلاقات التي ربطت
"فيلمون" بالمرأة على امتداد الرواية غير قليلة، ليست علاقات
بين رجل شرقي وغربيات (دانمركيات)، الشرق: العداء التاريخي،
مشروع الانتقام السري أو السافر، الصدمة الاستعمارية وعقد
النقص والإحساس بالدونية، الفحولة الشبقية والقمح الجنسي والغرب
المتحرر المتقدم الإنساني الحرّ.
العلاقات كانت إنسانية
متكافئة بين طرفين ندين بعدها إنساني تلبي حاجة التكامل في
الشخصية الإنسانية وتشبع متطلبات الروح والجسد /الحب الجنسي/.
علاقات "فيلمون" متنوعة
ومختلفة، وغالباَ ما تأتي صدفة .فالرجل لا يبحث عن المرأة
وهي ليست طريدة، وهو ليس صياد.. "فيب" المصرفية تقتلها العلاقة
الجامدة والبرودة العاطفية. علاقتها مع فيلمون تحررها من عبودية
المادة وروتين العمل الوظيفي،فتحول إلى كتلة مشتعلة من العواطف
والعطاء المنقذ من الضياع الإنساني /فيلمون/.
"جوانكا" المشبعة بالواقع
وفيلمون الذي يريد تقويضه ونسفه /المسافة الفاصلة بين الحمامة
والصقر/ لورا الطالبة المغدورة "شيكا" الفنانة البلطيقية والصراع
بين امرأتين ورجل في شقة واحد ليلة عيد الميلاد، الأمل الداخلي
الحاد الذي تحسه الفنانة والذي تحسمه لمصحة "فيب" بوضعها على
السرير وفيلمون إلى جانبها، وإغلاق الباب عليهما، والبدء بعزف
الموسيقى والتضحية بالرغبة في عملية يصعب أن تقوم بها امرأة
أخرى...
"سامبالا" التي ستحمل
جنين "فيلمون" /وهي قصة داخل الرواية/ أراد أهلها "تخصيبها"
من رجل صالح طيب لتلد لهم وريثاً لأملاك الأبوين، قصة"سامبالا"
مع "فيلمون" تجربة غريبة وطريفة، طريقة تقديمها يجعلها أقرب
إلى الواقعية وهي نموذج عن اضطهاد المرأة في المجتمعات الغربية
التي تتدعي المساواة، لقطة "سامبالا" وعلاقتها "بفيلمون" من
أمتع اللحظات الإنسانية في الرواية لبساطتها وجمالية عرضها.
شخصية "فيلمون" شخصية
فنية بامتياز، ابتدعتها مخيلة الكاتب وأحاطتها بصفات واقعية
مخادعة إضافة إلى طبيعتها التخيلية، لتحافظ على المسافة القائمة
بين الشخصية الواقعية والشخصية الفنية المتخيلة.
قدم الكاتب شخصية "فيلمون"
الروائية من منظورين /الداخل والخارج/ فيلمون المهاجر القلق،
المتوتر، يعاني من ضغط الماضي /الوطن/ ومشاكل الحاضر/ الغربة/
واللعبة الفنية في توازي العالمين وتداخلهما /الداخلي والخارجي/
البعد الدرامي، بطل إشكالي متناقض "هؤلاء لا يعرفون عني شيئاً،
أجل لا يعرفون بأنني ممتلئ ببلازما العدم في هذه الدنيا الهاوية،
وهي تزداد تألقاً بالخيبات والهزائم" /تشظي الشخصية الروائية/.
"أغرب أيها الخنزير
الأسود، ليس لك موطئ قدم هنا، هذا المكان للبشر فقط".
"كن طفلاً يبحث هناك
ويلعب هنا، لا تخرج إلى أراضي غيرك فهي مصابة بالبور والقحط،
تأكد من ذلك جيداً أيها الشرقي المبنية أحجاره من الشموس،
دع أيامك ممتلئة بالوهج وأركض على خط الاستواء، كأيّل لا يلتفت
لغبار أو عزلة أو حريق أو موت، فأنت الشهوة إلى أقصاها، الشهوة
المنظومة، والشهوة المنفلتة لتخصيب المصابيح والأرحام والأدمغة..
تذكر أن تكون شيئاً خطيراً وهاماً ومتألقاً .لا تعش على الجذور
فقط بل التقط مياهك التقاطاً، وخض تبدلاتك، تذكر بأنك فيلمون
المختلف المتعدد لا فيلمون الواحد".
2- فيلمون الكفاح من
اجل التفوق /الموجهة مع نوبل/ الوجه الثاني للصراع.
استحضار روح نوبل والصعود
إلى مملكته والصراع الفانتازي معه واستعراض أبرز سكان المنطقة
(الوسطى) سكان مملكة نوبل من كبار مفكري وشعراء وفناني العالم
الذين قدموا من قبل المؤلف ليس وفق القار
والمعروف عنهم في الذاكرة وإنما حسب الرؤية
الخاصة للكاتب وإطلاعه على مواقفهم وآرائهم المخالفة للمألوف
والعرف العام /الرواية والمعرفة/.
المواجهة بين فيلمون
– نوبل أحد أشكال الصراع بين الشرق الروحاني /المتعدد/ والغرب
العلماني /الواجد/، اتخذت شكلاً فانتازياً، النص قادر أن يتضمن
بداخله السياق الذي أنتج فيه /الحرب على العراق/ موقف فيلمون
أمام نوبل يقوم على أساس التحدي والثقة بالنفس وعمق المعرفة
وقوة الشخصية والتحرر من الدونية المعرفية وعدم الاعتراف بالتفوق.
أي بمعنى آخر :تحطيم الثنائية /الشرق المتخلف، الغرب المتقدم/
نوبل ينظر إلى فيلمون بإحساس مشبع بالسخرية والاستعلاء والشعور
بالتفوق الحضاري والتقدم العلمي، وفيلمون يتحدى بأنه سيكتشف
ما هو أعظم وأهم من اكتشاف نوبل دون أن يشكل الاكتشاف خطراً
مدمراً على البشرية اختراع نوبل سلاح ذو حدين والحضارة الغربية
لها وجهان! وجه عملي تطبيقي نافع ووجه تدميري يقضي على الإنسان
جسداً وروحاً، حرب فيلمون ضد نوبل ليست حرباً ضد التقدم والحضارة
وإنما ضد الجانب التدميري اللإنساني فيها، وانتصار للجانب
الإنساني في حضارة الشرق العربية وتأكيد على مؤهلاته التاريخية
المواجهة تعيد ترتيب الحقائق التي زيفت.وتقلب المعادلة أو
الأصح تضع الأمور في نصابها، أساس الحضارة منبعها في الشرق،
وهي الآن في الغرب. لأن الحضارات دورات وهي متكاملة. وهذا
يعني نسف المركزية الأوروبية ومن ثم امتدادها الأمير كي، وربما
كانت مركزية شخصية فيلمون في الرواية معادلاً فنياً للمركزية
الأوروبية في لا وعي الكاتب.
في نهاية الرواية وبعد
مقتل "فيلمون" تذهب روحه إلى عالم /نوبل/ وتحدث بينهما المواجهة
الأخيرة وهي قاتلة تنهي نوبل /المدمر/ وتبقى مملكته المتمردة
عليه بسبب تعسفه وطغيانه، يثبت فيلمون جدارته العلمية بعد
اختراعه الغاز الأسود أو ما أطلق عليه اسم (الظلام الاصطناعي)
'gr ugdi jsldm hg/ghl hghw'khud ونجاح التجربة في الولايات
المتحدة التي قلبت الموازين وهزت أركان النظام التسلطي فيها.
انتصر فيلمون /الشرق/
في الرواية حطم نوبل الاستعلائي فهل هذا يعني أن المعركة قد
حسمت وكسب الشرق الرهان؟ تحطمت عنجهية الغرب، أم أن المعركة
ما تزال قائمة والهوة بين الشرق المتخلف والغرب المتقدم ما
تزال في اتساع والسباق التاريخي قد حسم وهل يلتقي الشق والغرب...
الجواب على هذا السؤال قد نجده خارج فضاء الرواية وربما وجدناه
في حقائق التاريخ وليس في الجغرافيا.
"فيلمون" يتجاوز أزمته
الحضارية.. وهو أصلاً لا يشعر كشخصية فنية بالانشطار والتوزع
بين المسافة الخطيرة الفاصلة بين شرق ينتمي إليه وغرب يعيش
فيه ،وهو بعيد عن مرض انفصام الشخصية الذي يعيشه معظم منتفعينا
بوعي أو بغير وعي بسبب الطلاق بين منطقنا العقلي وسلوكنا العملي
بين الداخل والخارج في كياننا الروحي.
فيلمون حالم من الشرق
يريد إنجاز هدف تاريخي، هو حلم بشري لمواجهة طغيان القطب الواحد
أو الفك المفترس "نيويورك مضاءة بقدر ما أزهقت من بشر، أرواح
الضحايا هي من يشع الآن أمامنا... المخلوقات البشرية هم من
يمنحون للمدن جمالها، لأن دموع الغرباء وحدها هي التي تنظف
هذه المدن /فيلمون/.
الموت هو نهاية معظم
أبطال الرواية، تعبير عن حضارة تقود إلى قتل من ساهم إنجاز
أهم معالمها /التناقض الداخلي/ ما بناه الإنسان الغربي من
حضارته العظيمة قد تحطم على صخرة ضخمة من صنع الحضارة نفسها،
التقدم العلمي المذهل الذي لم يستطع في ظل أنظمة الاحتكار
الإمبريالية أن يسهم في حل مشكلات المجتمع فضلاً عن حله طلاسم
الوجود "/أسئلة فيلمون الكبرى/ الإصابة الأولى لوجدان الإنسان
في الغرب استهدفت أكبر مكاسبه وآماله في الحرية والديمقراطية
/إشكالية وعبثية شخصية فيلمون/.
"اغتيال نوبل" مستويات
الرواية واحتياجات التلقي:
تستجيب الرواية عند
المتلقي لعدة احتياجات وهي على عدة مستويات، الحبكة البوليسية
والتشويق وحالة الجذب تلبي متعة المتابعة والانشداد للنص المقروء
وهو أساس عملية التلقي /التشويق/ لمتابعة الحدث والوصول إلى
الدلالة /الخطاب الأعلى للرواية/ والراغب في الكشف السياسي
وفضح تعرية طبيعة المجتمعات المدعية بالتقدم والديمقراطية
والحداثة /الدانمرك – الولايات المتحدة/ ففي الرواية ما يكفي
من اللقطات المكثفة الدلالة والتي تظهر ما اختفى في عمق هذه
المجتمعات بإظهاره إلى السطح، كما تقدم الواقع هناك على حقيقته
دون تزيف وادعاءات أنظمة معادية في جوهرها للإنسانية، أنظمة
تقتل الروح والجسد، التمييز العنصري في الدانمرك، ترويج "سامبالا"
أفكار واشنطن وممارساته، شوكتر وسلوكه حتى قتله لأبيه. فقتل
فيلمون وأصداقائه، فالرواية سياسية فكرية بامتياز المستوى
الأعلى في الرواية /البناء الفني/ يقوم على التوازي والتناغم
والانسجام بين جميع عناصر العمل الروائي، فهي تفاعل ركبت عناصره
بأيدي كيميائي بارع /المؤلف/ وأعطت هذا النص "المتخيل والمؤدي
في إطار واقعي".
قوة الحبكة وتفاعل العناصر
المكونة، وإتقان استخدام ألوان السرد /الوصف، الحوار، المونولوج/
أضفت على الرواية حالة من الجاذبية والتنوع وساهمت في تشكل
المتعة الجمالية عند القارئ.
لعل تداعيات "فيلمون"
السرد الشعري أو شاعرية السرد في منولوجات فيلمون وحواراته
تذكرنا بأن مؤلف الرواية شاعر في الأساس وقد تسللت موهبته
الشعرية في نسيج روايته مؤكداً أن الأجناس "لا تذوب، لكنها
تشتغل وفق مبدأ إخضاع الجنس الآخر والخضوع له، فالرواية عندما
تستضيف الشعر / وتستثمر آلياته لا تتخلى عن خصوصيتها السردية
بقدر ما تستفيد من الطاقات اللإيحائية والتخيلية للشعر، وقد
تجلى ذلك بوضوح وفنية في حوارات فيلمون ومنولوجاته، فهي مقطوعات
شعرية مكثفة في لحمة السرد الروائي /عناصر السيرة الذاتية
وحضور المؤلف في البناء الروائي/.
رواية "اغتيال نوبل"
متعددة المتسويات تلبي حاجات مختلفة عند المتلقي، مفتوحة على
قراءات متنوعة مشغولة بهاجس تغير العالم وقلب السائد والثابت
من مفاهيمه، وإعادته إلى حالة التوازن والاستقرار والتفاعل
الخلاق بين مختلف مكوناته دون طغيان أحدها على الآخر ،مما
يؤكد أهمية نشر الوعي المعرفي وتنمية الحس الجمالي ويبرر "الدور
الخطير للأدب في تشكل الوعي والدور الخطير للوعي في تشكيل
التاريخ"، تأسيساً لعملية تثاقف توليدي بين الحضارات يتخطى
كل أشكال الصراع والهيمنة.
د. عاطف البطرس / كاتب
وناقد من سوريا