ذاكرة
ثانية عن القاص المنتحر مهدي علي الراضي
تجربة مريرة عن ثقافة الخيبة ومحنة الانقطاع
يمثل مهدي علي الراضي
القاص والروائي والكاتب العراقي الذي انتحر في دمشق مؤخرا
جيل الخيبة والانقطاع في الثقافة العراقية.
فهو لم يكن من جيل
الستينات لان المواصفات التي وضعها فاضل العزاوي وسامي مهدي
وموسى كريدي وفوزي كريم وعبد القادر الجنابي لمن يحق لهم الانتماء
لهذا الجيل لم تنطبق كليا على الراضي.
ولانه لايصح انتماؤه
لجيل السبعينات لان المواصفات التي وضعها خزعل الماجدي وزاهر
الجيزاني وكاظم جهاد وسلام كاظم لم تنطبق عليه لاسباب تتعلق
بالعمر هذه المرة..
العمر الذي (تعدى الثلاثين)
انذاك طبقا لمظفر النواب (يلاحظ هنا ان الاجيال في العراق
دائما ذات مواصفات يضعها شعراء دائما حتى للقصاصين والنقاد
وتلك مفارقة بحاجـة الـى تأمــل).
تلك كانت خيبة التوقع
الاولى في حياة واعمال مهدي الذي ظل على قوائم الاحتياط في
كل شئ منذ تلك التواريخ التي كانت جميلة بالنسبة لنا وكئيبة
بالنسبة له ــ نحن الذين قدمنا اوراق انتسابنا جيليا بـ (سيفيات)
قوامها قصيدة هنا في هذه الصحيفة وقصيدة في ذلك المهرجان لمن
كان شاعرا وقصة هنا في هذه المجلة (يمكن ان تكون الاداب للبعض
بجلالة قدرها انذاك) لمن كان قاصا يحبو، ومقالة هنا عن تلك
المجموعة الشعرية او مقالة هناك عن تلك المجموعة القصصية لمن
كان او بدا ناقدا سبعينيا بمواصفات خزعل وزاهر وسلام مما ينطبق
على كاتب السطور.
غير ان الخيبات لم تقف
عند هذا الحد.. ففي السياسة كانت له خيبة لحقتها خيبة في الحب
(من طرف واحد) لزميلة لنا (ابتلت على نفسها حين ابتسمت لمهدي)
الذي كان قادما لاتحاد الادباء في ساحة الاندلس ولمجلة فنون
على نهر دجلة وللسينما والمسرح .. في حين كانت زميلتنا قد
قدمت لتوها من بيروت.. وما ادرى مهدي علي الراضي مابيروت انذاك
لان مهدي لم يكن قد غادر حاضنـــته القرويـــة بعد.
ولم يكن انذاك يفكر
بهيوستن او تكساس او حتى دمشق التي كانت محطته الاولى عند
رحيله من بغداد اوائل الثمانينات بعد ان اشترى سيارة (رينو
11) موديل 1972 لاسباب غامضة وليعود اليها منتحرا بعد تراكم
سنوات الخيبة ومحنة الانقطاع عن وطن خاص لم يشا الافصاح عنه
الا بعد عودته الثانية اليه بعد (تحريره) بمواصفات مناضلي
التحرير من النظام السابق الذين وضعوا مواصفات مابعد (التحرير)
حيث انخرط الراضي في المعارضة ايضا... الا انه بقي ايضا على
لائحة الاحتياط لان موصفات المناضلين لم تنطبق عليه كليا مثل
موصفات الاجيال التي وضعها للستينيين فاضل العزاوي وللسبعينيين
خزعل الماجدي .
لقاء في دورة مياه
الدنيا صغيرة ام كبيرة..
لست ادري، لكن كل ما ادريه هو ان مهدي علي الراضي تركنا ورحل
(خائبا) اوائل الثمانينات. وطوال اكثر من عقدين من الزمن كانت
تاتي اخباره.
فهو انقطع عن مراسلتي
كليا بعد نحو سنتين من خروجه من العراق سوى انه ارسل لي مرة
بالبريد روايته (بيان الحب والعذاب) وكان يفترض ان يضيف (والخيبة)..
وذات صباح ربيعي عام 2006 في دار الشؤون الثقافية حيث كنا
نذهب اسبوعيا الى هناك .. فوجئت كما فوجئ مهدي وقلت له.. ايعقل
هذا نلتقي بعد اكثر من ربع قرن في دورة مياه ؟ اجابني.. هذا
هو المكان المناسب. خرجنا الى حديقة الدار وبينما كنت اتامل
في ملامح مهدي قلت له انك لم تتغير على الاطلاق.. اين كنت
تعيش اليس في الولايات المتحدة الاميركية ؟ قال نعم، مالذي
تريدني ان افعل لكي اتغير.. شعرت ان فكرتي لم تصل الى مهدي
فاستانفت.. كيف هي لغتك الانكليزية ؟ قال لم اتعلم اللغة الانكليزية
بل على العكس من ذلك انا الذي علمتهم اللغة العربية!!!
عندها ادركت ان هناك
خيبة اخرى اضيفت الى سلسلة الخيبات الانفة وهي هنا اقرب الى
ان تكون تعبيرا عن محنة الانقطاع التي عاناها مهدي طوال غربته
خارج الوطن التي لم تكن سوى تكملة لغربته داخل الـوطن..
تلك الغربة التي لم
تصنفه جيليا ولم تسعفه سياسيا ولم تنجده عاشقا.. كتابيا استطيع
القول ان مهدي جسد واقعه الخاص ابداعيا منذ (حلم يوم ما) الى
(مدن الشمع) مرورا بـ (بيان الحب والعذاب) الى (حفلة اعدام)
الى (العراقي المهجور) الى سواها من الاعمال التي وصل بعضها
الى العالمية..
لعل السؤال المهم الذي
ينبغي طرحه هو.. لماذا انتحر مهدي ؟ حين رايته في دار الشؤون
الثقافية قال انه جاء لكي يكمل اجراءات عودته الى الوظيفة
بوصفه مفصولا سياسيا. ثم عمل فترة في الصحافة وكان يامل بانصافه
من قبل من كان معهم في صفوف المعارضة.
ولان شيئا لم يحصل على
هذه الاصعدة فقد اثر العودة من حيث اتى.
اخيرا حين قرات خبر
(انتحار) مهدي لم افاجا على الاطلاق حتى انني لم اضغط لكي
اقرا تفاصيل الخبرالمثير. بل قرات باقي العناوين ثم عدت الى
خبر الانتحار لا لانني لم اكترث بل لانني كنت على ثقة تامة
ان هذا هو اقل ما يمكن ان يعمله مهدي علي الراضي بعد كل ماحصل
له بدء من مدينته (الثورة) سابقا ايام السبعينات حتى تكساس
في الولايات المتحدة حيث ترك عائلته الصغيرة الى ضاحية (جديدة
عرطوس) التي نفذ فيها بهدوء تام بلا كاميرات تصوير ولاهواتف
جوالة ولامدعي عام ولامحلفين ولا شعارات ولا صيحات حفلة اعدامه..
لقد اندهش العالم للكيفية
التي ظهر فيها صدام حسين لحظة اعدامه مع انهم حاكموه لمدة
سنة وجلبوه من السجن الاميركي الى غرفة الاعدام العراقية ووجد
كل شئ جاهزا امامه المشنقة والحبل والمدعي العام ومستشار الامن
القومي والجلادين الاربعة وكاميرا التصوير والهواتف الجوالة
لتوثيق ما لم تستطع توثيقه الكاميرا.. انه دلال مابعده دلال..
اما مهدي فقد ظل خائبا حتى عند اعدامه.. فقد تولى هو نفسه
تقديم لائحة اتهامات لنفسه، وتولى تقديم نفسه للمحكمة وجلب
القضاة وهيئة الدفاع والمحامين واصدار الحكم ومن ثم تنفيذه
مع وصية غامضة لعائلة كانت ومازالت وستظل بعيدة عنه حتى في
المكان الذي سيدفن فيه متمثلا قول متمم بن نويرة (يقولون لاتبعد
وهم يدفنوني.. واين مكان البعد الا مكانيا)!!
لقد قدم مهدي نفسه لعدالة
غامضة وهو الذي ان ارتكب جريمة فلم تكن سوى (جرائم حب) ابادة
ضد الانسانية التي لم تسعفه في مسلسل خيباته المتوالي منذ
عام 1951 يوم ولد وحتى اعوام السبعينات يوم بدا يقول مايبدو
من قبيل المسكوت عنه في بيئته القروية (كان يقول لنا انه جعل
جزء من بيته في مدينته الثورة انذاك زريبة لبقرة تربيها امه)
الى عام 2006 حين عاد الى بلده ليقطف ثمرة معارضة سياسية لم
يتمكن حتى من اعادة توظيف نفسه كمفصول سياسي مع ان هذه (المكافاة)
منحت فيما بعد لاعداد كبيرة ممن ينطبق عليهم القولالماثور
(كل من هب ودب) الى عام 2007 حيث اكتشف ان من الصعب عليه ان
لايتساوى حتى مع من (هب ودب) فوضع نهاية لحلم يوم ما.. ان
مهدي الذي كتب عشرات الاعمال القصصية والروائية والمسرحية
نسي انه هو نفسه نموذجا فذا لشخصية روائية مازالـت بحاجــة
الى مــن يكتبهــا.
حمزة مصطفى / بغداد