ترانيم
ووثائق عن بلاد التفخيخ والحرائق..
نصّ بين حدّيْ المحنة والمفارقة
مع أولى الشرارات التي
التهمت (المتحف) و (بناية القشلة) و (المكتبة الوطنية) و (مركز
الفنون) و. . . . . . . . . . و. . . . . . . . .
ومع أولى العجلات العسكرية التي انتهكت تراب بابل ونينوى وأور
و. . . . . . . و. . . . . . . اختل التوازن الدقيق في الصراع
الأزلي الأبديّ بين لحظتي (الفعل) و (العبث)، أو (الوجود)
و (العدم)، وحينها فقط سمع صوت شيء يتهاوى ويرتطم في اعماق
(المؤرخ) كأنه شهقة الموت، دخل (المؤرخ) بعدها في طور الصمت
الشامل الكامل.
- 1 -
ترنيمة:
* قال علي الورديّ: سيمتدّ زمن الحرائق حتى يأتي على الحرث
والنسل.
* قال مصطفى جواد: في ازمنة الحرائق لا يملك العقلاء الاّ
الصمت.
* قال حسين أمين: في أزمنة الهمج يطول الأنتظار والكظم.
* قال عباس العزاوي: في أزمنة الرعاع تنبعج (اللقى) المركونة
في المتاحف وتسيل (المخطوطات) كساعات سلفادور دالي.
* قال جلال الحنفي: ما من اشارة على امكانية الكلام.
* قال كوركيس عواد: ما من أمارة على امكانية الكلام.
- 2 -
كان (المؤرّخ) يخبر طلابه وهم يتجولون معه في اروقة (المدرسة
المستنصرية) أنّ شيوخها وطلابها مازالوا أحياء منذ القرن الهجريّ
السابع وأنهم يحفّون بهم الساعة:
- أصغوا جيدا: انهم يتناظرون هنا، وينشدون القصائد هناك، ويُملون
دروس الفقه والبلاغة، ويتعالى ضجيجهم حين استلام الأرزاق والجرايات
اليومية والشهرية.
- شمّوا معي رائحة الورق والمداد.
كان يقشّر أمامهم بطريقة ساحرة أغلفة الأزمنة والأمكنة ويزيح
الطبقات الجيولوجية ليمروا من خلالها بيقظة منْ لا يدع زمام
الحاضر يفلت من يده:
- أنظروا. . . . . . هاهنا (دار المسناة): ((أنشأها الخليفة
الناصر لدين الله لتكون دارا للعلم والعلماء، وهي التي سمّيت
في العقود الأخيرة بالقصر العباسي ومازال قائما، والمدرسة
العلائية المجاورة لها المنشأة في أخريات القرن السابع للهجرة،
بيد أن وظيفة هذه القصور وغيرها تحوّلت بعد ظهور الميدان والقلعة
الى وظيفة عسكرية بحتة حتى عُدت جزءا من القلعة ذاتها وأصبحت
مخازن للبارود والسلاح، وبعد انتقال مركز الثقل الاداري من
القلعة الى السراي في القرن الثاني عشر الهجري جدّد والي بغداد
علي باشا بناء المدرسة العلائية القديم تجديدا شاملا وسُميت
بالمدرسة العلية نسبة اليه وهي التي حوّلها والي بغداد مدحت
باشا سنة 1869م الى مدرسة للصنائع ومطبعة لطبع جريدة الزوراء،
ثم نزل فيها الملك فيصل الأول فتحوّلت الى قصر ملكي ثم اضيفت
اليها قاعة كبيرة فصارت مجلسا للأمة ثم مقرا للمحكمة العسكرية
الخاصة سنة 1958 فمتحفا عسكريا ثم شغلتها في سنة 1995 دائرة
بيت الحكمة)) (1).
(قال المذيع: جاءنا للتو الخبر العراقي الطازج: اندلعت اشتباكات
ضارية بين قطعات من الجيش وبعض الميليشيات المسلحة في باب
المعظم والميدان طوال صباح وظهر اليوم أسفرت عن قتل عشرين
واحراق عدد من المواقع الأثرية والتجارية).
- 3 -
كان المؤرخ يمنّي طلابه بمشاهدة كنز ثمين في الغرفة الصغيرة
العليا من (متحف الرواد) قرب (دائرة البريد المركزي) في (شارع
الرشيد) وحين ارتقوا معه السلالم كانت المفاجأة : تخطيطات
أولية بقلم الرصاص لجواد سليم، هي بعض أغراضه الشخصية التي
أهدتها زوجته الأنجليزية – كما يفعل المتحضرون عادة – الى
أهل وطنه لأنهم أولى بتراث ابنهم وأحقّ.
ترنيمة:
* قال الفراهيدي: سرقت تسعة آلاف لوحة من متحف الرواد.
* قال الحلاج: من يفعل بنا هذه الفظائع / الفضائح ؟
* قال الخطيب البغدادي: أغرابٌ أم أعراب أم أبناء ؟
* قال المتنبي: عيارون بؤساء بل شطّار أدهياء بل قطاع طرق
محترفون من سلالة (فاتك) يستبيحون الدم والعرض والجمال.
- 4 -
في (زمن الكلام) تلا المؤرّخ على طلابه هذه المقاطع من رسالتي
(ماسينيون) الى (الأب الكرمليّ) المؤرختين في 28 / 8 / 1909،
19 / 1 / 1911:
((أمنياتي لك بعودة سعيدة الى بغداد (الحديقة الموهوبة) أو
(الرب الموهوب). . . . . سلام من الله عليك ليغمرك أبدا وأنت
في هذه البلاد دار السلام)).
((أشكرك على. . . . . . . . مؤلفك عن بغداد، لقد عثرت على
اشياء كثيرة من بينها: عثرت على نقش مرجان العظيم وقد قدّمته
نقلا عن نسخة شكري أفندي في مؤلفه مساجد بغداد)) (2).
- 5 -
(قرأت المذيعة نشرة الأخبار الروتينية:
استهدفت شاحنة مفخخة منطقة (الصدرية) في بغداد، فقتلت مئتين
وجرحت مئتين واقتلعت عشر عمارات سكنية وأحدثت هوّة عميقة في
الشارع والضمير).
قال الطلاب: أخبرنا المؤرخ في (زمن الكلام) أن محلة الصدريّة
كانت ((تُعدّ في العصر العباسي جزءا من محلة المأمونية ثم
عرفت باسمها هذه نسبة الى دفينها الشيخ صدر الدين محمد بن
محمد الهروي المدرس في المدرسة البشيرية والمتوفى سنة 677هج.
. . . . . . بدلالة ماكتب على رخامة وجدت عند قبره، ويرد اسم
هذه المحلة في سجلات المحكمة الشرعية منذ سنة 1233 هج / 1817م))
(3).
- 6 -
في كتابه (السومريون: تاريخهم، حضارتهم، خصائصهم) يقصّ (صموئيل
كريمر) قصة نشأة (مديرية الآثار العراقية) وكيف باغتت العالم
خلال انقطاع البعثات التنقيبية الأجنبية في الحرب العالمية
الثانية بالكشوفات الباهرة على يد (فؤاد سفر) و (طه باقر)،
ويختم قصة الكفاح العراقيّ بأمل العالم الواثق بـ (الحق) و(الخير):
((أنّ مستقبل التنقيبات السومرية يقع الآن بأيدي العراقيين
أنفسهم وهناك سبب وجيه للأمل بأنّ العلماء والمنقبين العراقيين
لن يهملوا أسلافهم من الماضي البعيد الذين فعلوا الكثير لا
للعراق فحسب ولكن للأنسان في أنحاء العالم كافة)) (4).
(في خبر صغير في الشريط أسفل الشاشة: هاجم ليلا أربعون مسلحا
متحف الخرائط الأثرية في محافظة (الناصرية) واضرموا النيران
فيه).
ترنيمة:
* قال الطبري: لا أمل في استعادة الكلام.
* قال ابن الأثير: لا جدوى من الكلام.
* قال الطغرائي:
ويا خبيرا على الأسرار مطلعا
اصمتْ ففي الصمت منجاة من الزلل
* قال ابن الفوطي: الصمت احتجاج مريح
– 7 –
شوهد المؤرخ بين جمع من الناس يرفعون أنقاض (المكتبة العصرية)
و (مكتبة عدنان) و (مكتبة النهضة) و (مكتبة المثنى) ويلمّون
البقايا المهشمة لنوافذ وأبواب (مقهى الشابندر).
د. نادية غازي العزاوي
/ كاتبة من العراق