إرهاب
الشعر
لن ينفك العقل السلفي
في عالمنا العربي عن محاولات إغراق خلايا الأمة بالظلام ومشتقاته
من تصحر وتفتيت للأرواح المتوثبة الحرة. هذا العقل الذي يحاول
استعادة قوانين الوأد الماضوية ،لتطبيقها على الثقافة والفنون
،سيجعل العرب مجموعة مدافن متجاورة لقبر كل ما يخرج على سيطرتهم
.انهم محاكم تفتيش العصر ضد حركات الإبداع والأجنحة.أنهم ترياق
الرمل ضد الماء والحب .إنهم مرآة الموت المكسورة التي لا تعكس
إلا جهنم وأشباح التاريخ الأسود. هؤلاء لا يرون الله إلا شيخ
مطاوعة.ولا يجدون في الإسلام إلا بحيرة تماسيح تتصارع تحت
المياه الحمراء!!
ما يحدث في البحرين
ضد ((قيس وليلى)) يعرض الشعر لإرهاب نموذجي خطير، يحاول تحطيم
مصابيح البحرين الثقافية التي استطاعت بجهود كتابها وشعراءها
ومبدعيها تثبيت تلك المصابيح كعناوين أدبية وفنية مميزة ضمن
حركة الثقافة العربية المميزة .
لقد ناضل صديقنا الشاعر
قاسم حداد ضد الحجر طويلاً. وها هم يناضلون ضده بقنابل الإرهاب
لقمع صوت الحب. هؤلاء لا يريدون قيس على مسرح.لأنه يعيش تحت
ثيابهم بالسر. ولا يريدون رؤية ليلى تتنفس بموجها أمام الضوء
والبشر، لأنها معتقلة في زنازينهم الجنسية الخاصة بالمثنى
الثلاث الرباع وما ملكت بنوكم من منازل وسيقان وعطور وتخوت
تدور بالرمونتكنترول حسب طاقة المراهقة الأصولية التي نص عليها
الروض العاطر وتراث الشبق العربي الذي يملأ عقولنا ومكتباتنا
وغرفنا الحمراء التي يمتد وقع تأوهاتها على مدار ساعات الأسبوع
النغمي التناغمي الذي يشرح صدور أهل العالم السلفي بريق القبل
وخلافه .
خذوا مقاعدكم أيها السادة
بعيداً عن المسرح. ليلى التي في الاستعراض لن تدخل خيمة أحكم
كما تتمنون. الحب هنا غير حب ليلة الخميس. والشعر هنا لغة
ارتفاع لا لغة سقوط بين الفخذين.
اتركوا الشعر ينبض بطاقة
الأحلام أيها السادة.
خذوا صراخكم بعيداً.
فالعالم مع الحب المكنون
في قيس وليلى. مع موسيقى مارسيل خليفة وينابيع قاسم حداد.
وهؤلاء الذين يملكون
الحب.. لن يكون وحدهم في العالم.
وكل يد تحاول وأد العاشقين،
يدُ أمية لا تعرف الكتابة إلا بحبر الظلام.
أسعد الجبوري
وهجمة
متشددة "مجنونة" على "مجنون ليلى"
"فليدافع الآخرون عن
حروبهم، ولندافع نحن عن حبنا"، بهذه الكلمات الموجزة والمقتصدة
رد الفنان مارسيل خليفه على منتقدي عمله الأخير "مجنون ليلى"
في البحرين، معتبراً الهجمة التي يقودها نواب متشددون غير
مبررة وتمثل انهياراً شاملاً طافحاً بالأسى والبؤس الذي يرزح
تحته العالم العربي.
واضاف خليفة غنينا أشعارا
كثيرة منذ زمن بعيد، ولم يقل يوماً أحد بأنها إباحية أو غير
أخلاقية، فلماذا هذه الردة الآن على الشعر العربي وقيمه الجمالية،
ولماذا تتهم "مجنون ليلى" بأنها ضد الاخلاق؟
يذكر أن القضية التي
طرحها في البرلمان البحريني اعضاء في كتلة الاصلاح الاسلامي
مطالبين بلجنة تحقيق برلمانية لمحاسبة الجهة التي دعت وسمحت
بعرض "مجنون ليلى" في إفتتاح مهرجان ربيع الثقافة في البحرين
في 11 آذار من هذا الشهر.
تفاعلت القضية أمس مع
عقد جلسة نيابية أثيرت فيها المسألة ومع عاصفة ردود شاجبة
لاثارة القضية في البرلمان والتعاطي مع مسألة ثقافية على هذا
النحو وسجلت 40 جمعية ثقافية واجتماعية وانسانية في البحرين
استنكارها لرفع دعوى على لجنة المهرجان بحجة سماحها للعرض.
خليفة وفي دردشه مع
"المستقبل" الذي التقته (مصادفة) في الدوحة عاصمة قطر، بدا
منزعجاً للغاية من الضجة المفتعلة حول عمل جريء، ونص شعري
جريء لقاسم حداد، جريء بكل معطياته، ولا يتكلم اطلاقاً عن
الدين، ذلك أن كل رجل على الأرض فيه شيء أو أشياء من قيس،
كما أن في كل امرأة حسن شيئاً ما من ليلى". واعتبر خليفة ان
الحملة تمثل اشياء ضد الحياة وفيها أذى كبير للشعر والثقافة
العربيين، مستغرباً أن لا تتحمل البحرين عرضاً مسرحياً ذنبه
انه شعر يقول: "قل هوالحب"، ولحن بسيط يردد الجملة، "وكل ما
فعلناه أننا اعدنا كتابة النص، وقربنا قيس من ليلى، لا أكثر،
ومجدنا الحب، هل ممنوع تمجيد الحب شعراً، وما هو الشعر اذاً".
وأوضح خليفة أن لجنة من وزارة الاعلام في البحرين كانت طلبت
منه فعلاً عشية العرض حذف بعض المقاطع من العرض وما كان منه
الا أن رفض الطلب، رافضاً استخدام مقص الرقابة، ورافضاً طبيعة
الاجراء الذي يناقض طبيعة الابداع الفني النوعي والحر.
قاسم حداد
يذكر ان الشاعر البحريني
قاسم حداد هو من كتب "مجنون ليلى" شعراً، في عمل مهم من التراث
والذاكرة. وشكل عرضه في البحرين حدثاً كبيراً حضره جمهور غير
مسبوق تهافت على حجز المكان في افتتاح ربيع الثقافة حيث غصت
الساحات المحيطة بصالة البحرين الثقافية، بجمهور كبير من كل
حدب وصوب. من البحرين وخارجها، من كافة الشرائح والأعمار والفئات
والمواقع والمرجعيات.
قصة من اعظم قصص الحب
في التاريخ العربي رواها قاسم حداد شعراً ومارسيل خليفة ونادرة
عساف والفرقة الاستعراضية.
احتفالية دمج فيها مارسيل
خليفة الفنون وجمع بين الموسيقى والشعر والغناء والرقص التعبيري
والشاعر نفسه الذي جسد دور الراوي.
كان الجمهور كبيراً
لدرجة يقول مارسيل خليفة "كان يمكننا تقديم عروض العمل لشهرين
نتيجة الحشود التي تقاطرت الى المكان وتدافعت وكسرت قطع الاضاءة
والديكور التي وضعت عند المداخل بنتجة التدافع ليومين وبقطع
الانفاس.
"كتلة الاصلاح الاسلامية"
في البحرين، وبعد عرض مجنون ليلى طالبت بلجنة تحقيق برلمانية
مع وزارة الاعلام البحرينية، بشأن كيفية السماح بالعرض، حيث
وصفت العرض بأنه "عرض إباحي وخليع.. مناف "للدين والاخلاق
والعادات، كما ان النص الشعري فيه مخالفة صريحة للثوابت التي
تنص عليها شريعة الاسلام".
"قل هو الحب
الذي أسرى بليلى
وهدى قيساً الى ماء
الهلاك
قل هو الحب يراك".
"قل هو الحب يراك"،
غناها مارسيل منشوراً عشقيا محرضاً على الحب، وحفز الجمهور
على تكرارها مراراً، ونغنيها معه في تمجيد الحب.
خليفة لم يتوسع كثيراً
في رده على التهم الموجهة الى العمل، مستدركاً إن الأمر مخجل
جداً ان تثار عاصفة حول عمل شعري جريء وحر، مبدياً حزناً عميقاً
يشعر الفنان العربي والشاعر العربي مرة تلو الأخرى "أنه وحده
في هذا العالم العربي".
و"دوماً بتحس حالك وحدك".
التشريع
النائب ابراهيم ابو
هندل قال "إن الدستور البحريني في المادة الأولى ينص على أن
مملكة البحرين عربية ـ اسلامية مستقلة، كما نص في المادة الثانية
على أن دين الاسلام والشريعة الاسلامية هو المصدر للتشريع".
واضاف ما معناه ان ما
يجري على أرض المملكة يجب أن يتوافق مع القيم الدينية والعادات،
ولا يجوز تنظيم أي فعالية تصدم في مضمونها الدين الاسلامي
او العادات العربية التي يعرف بها الشعب العربي. واشار النائب
الاصلاحي المتشدد في تبرير الدعوة الى لجنة تحقيق برلمانية:
"إن افتتاحية ربيع الشعر قد تضمنت ممارسات لا أخلاقية تصطدم
مع الدين فيما يخص الموسيقي والغناء وما يضمره العمل".
أي ان النائب المشدد
يجري تصفية حسابات مع النوايا.
الملفت سرعة القرارات
والاجراءات المتصاعدة بعد يومين على تقديم العرض، من مقترح
الكتلة واقرار البرلمان تشكيل لجنة تحقيق في "مجنون ليلى"،
وقد وزعت على أعضاء البرلمان من قبل النائبين أبو صندل وحمد
الهندي صوراً من العرض للقول "بأنها بعيدة عن التقاليد الاسلامية".
واطلع عليها بعض النواب مبدين انزعاجهم من اللقطات المصورة.
ترحيب
بالمقابل قامت في الوسط
الثقافي والفني والصحافي في البحرين عاصفة من الردود الشاجبة:
فوزية الرشيد، رحبت
بالعمل واعتبرته عالماً يأسر الأرواح.
عيسى الشايجي (الأيام)
كتب: "البحرين بلا ثقافة هي ليست البحرين كما نعرفها تشييداً
ومنارة للثقافة والحضارة العربية في الخليج العربي".
وأضاف: "نحن لا نتصور
أنفسنا بلا ثقافة، ومن منا لا يعرف شاعرنا المبدع قاسم حداد،
ومن منا لا يعرف مارسيل خليفة، واللذين قدما تجربة مميزة ولوحة
فنية رائعة، هكذا نعرفهما، الا ان البعض الذين لا يعرفون ولا
يدركون ولا يستوعبون الفن اصلا، فيرسبون اصلا، لماذا هذا الهجوم
على العمل، والأمر لم يتعد لوحات راقية تمجد الحب الحقيقي
في حياتنا ليس أكثر.. هذا تعدّ صارخ على كل ما هو ابداع..."
الصحف البحرينية عموماً،
اعتبرت تشكيل لجنة تحقق برلمانية تدميراً لوجه البحرين الثقافي
والحضاري، "وكأنهم ارادوا التورط في امتحان لم ينجحوا فيه،
فالابداع ليس لغة جامدة، ولا لغة الحجز ولا لغة الرقيب، ذلك
ان المبدع هو انسان حر".
الروائي امين صالح،
اعتبر ما اقدم عليه النواب يدل على عدم احترافية ممثلي الشعب
وجهلهم بأبجدية العمل البرلماني والتشريع، من حيث دقة استقصاء
المعلومات "هم ولا شك يتلقون معلومات شفوية، وهم فاشلون..
ابشروا فالماضي قادم، اذا شكلت لجنة تحقيق برلمانية لمحاسبة
مجنون ليلى!"
الشاعر كريم رضا قال:
"انها فداحة، وصدمة لا مثيل لها على الاطلاق"، ودعا الى تشكيل
مؤسسة ثقافية للدفاع عن المثقفين والشعراء، مستشعراً حالة
من عدم الدراية بالتضييق على الحقوق التي تخص الانسان المبدع
وحريته.
الشاعر البحريني ابراهيم
ابو صفدي: قال: "فرض السلطة على الثقافة يعد كأنه حقيقة والنص
الشعري لا يتحمل هذه التأويلات التي خرج بها النواب المتشددون
بتأويلاتهم الضيقة التي تنال من حرية الشعر، ومن حق الشاعر
بالتعبير وبرفضه اي قراءة تخرج نصه عن سياقه الابداعي، داعياً
الى ان لا يكون الابداع عرضة للتأويلات المغلوطة من منطلق
ديني أو آخر، مطالباً الدولة ان تحمي الثقافة، حتى لا يتكرر
سوء التفاهم الكبير الذي حصل.
ابراهيم ابو سعد (تشكيلي
بحريني)، اعتبر الامر مرفوضا جملة وتفصيلاً، وعلى "النماذج
البرلمانية ان تمثل الشعب بشكل لائق، ومن الخطأ ان تفرض قناعة
اي جهة من خلال تكتلات او احزاب، كقناعة مطلقة بوقت لا عوائق
من حوار ثقافي حول العمل، أما ان يوصف عمل ابداعي تحت قبة
البرلمان هكذا، فان هذا يمثل خروجاً على الأخلاق العامة والعرف
البحريني الذي تهمه قيم الثقافة والحرية.. من فهم ناقص للثقافة
الحديثة".
الشاعر عبد الله خليفة
اعتبر ترجمة العمل لها امورها الخاصة الابداعية، ولا يمكن
التدخل بها من اي جهة خارج الاطار الابداعي، والفن والشعر
والأدب وجدوا من أجل تنمية ذوق الإنسان.
إذاً العاصفة في البحرين
عاصفة "مجانين الحب" مستمرة لأسبوعين، وراشد العريضي (تشكيلي)
رأى في تصاعد القضية عودة الى فترات تكميم الأفواه معتبراً
"أن شعب البحرين الذي يمثل قدراً كبيراً من الثقافة لا يمكن
أن تنطلي عليه خدعة يروّج لها منذ أسبوعين، تحاول إلغاء دور
المثقف والفنان".
بدورها بلقيس فخرو دعت
المثقف البحريني أن يحرض أكثر على تقريب الفن والشعر من الذائقة
البحرينية من دون رقابة ولا حدود، ولا مسافات، وأضافت بعد
العرض "دخلت الى مرسمي والريشة في يدي صارت أكثر حرية من الماضي،
وفي علاقتها مع الألوان".
أما كمال الديب، فقال
"إنها محاكمة الثقافة على الدرجة 151 فهرنايت، في القرون الوسطى
حرقت الكنيسة آلاف الكتب، وفي الأندلس تم إحراق مكتبة ابن
رشد، وفي فرنسا قبل الثورة كان القضاة يحرقون كتب ولتير وروسو
والشعراء لأنهم كافرون، وفي النصف الأول من القرن العشرين
أحرق هتلر آلاف الكتب بحضور وزير ثقافته وتحت المسدس، فهل
ما يجري هو عودة الى الماضي وترويض الثقافة وتكفير المثقفين
ربطاً بحماية السلطة الدينية ونفوذها، وهل محاكمة الشعر والإبداع
وسيلة للتخلّص من سلطة السؤال والمساءلة؟".
يذكر أن الشاعر البحريني
قاسم حداد كتب العمل منذ عشر سنوات وأكثر، لكن ما أشعل العاصفة
هو تجسيد العمل برؤية فنية فيها جرأة النص وجرأة العمل الموسيقي
والمشهدية البصرية مما أدخل المدينة في العاصفة.
منذ أسبوعين كل يوم
ثمة أكثر من أربعين مقالة ومع ذلك المحاكمة قائمة وبعناد كبير
وفي تحد لإرادة المجتمع المدني البحريني الذي عبّر عن رفضه
المحاكمة بالشكل والمضمون، حيث أعربت أخيراً أربعين جمعية
بحرينية عن استغرابها الشديد للسلوكيات والإجراءات البرلمانية
التي تتخذها فئة متشددة تستقوي بالدين وبالخطب الدينية على
عمل ثقافي تألق في ربيع الثقافة مع كل الحب الذي وفّره، هو
المسؤول عن التوصية والربيع الذي طال انتظاره مع مارسيل وأميمه
وحداد والفريق ومع العود والرند والجسد.
بيان الجمعيات تصدر
عدداً كبيراً من الصحف البحرينية في تضامن استثنائي مع العمل،
ويدل على حراك مديني بحريني كبير، رافضاً استهداف الشعر والثقافة،
وكل ما صار من العمل أنه عمل على توثيق مجنون ليلى موسيقياً،
فصار تحت السمع أكثر، وبنشوة بصرية وجمالية "للحضن هذا الجسد
وليس للقصف"
"أتراهما جميعاً يرتدون
البهجة من جديد
أتراهما سيلتقيان
أتراها ليلى معهم
إنها امرأة جاءت لقيس..
ها هي
أخرى وثالثة..
بل رأى ليلى التي في
قلبه وانصرف
التقيا وانصرفت..
عاد قيس
ليروي الحروب".
آخر فصول القضية بيان
مشترك صدر من الثنائي مارسيل خليفة والشاعر قاسم حداد تحت
عنوان: "جئنا لنعلن الحب"، أكدا فيه ذهابهما الى التراث العربي
في عرض "أخبار مجنون ليلى" وأشارا الى أنهما قدما العرض في
تحريض "الناس على الفرح لا الغياب، على الحياة وعلى العدم"
ولم تكن غايتهما دغدغة الغرائز عند الجمهور، وبلا مواقف مسبقة
أو أحكام جاهزة على أي شيء، ويتجرأ عن النيات السيئة في عرض
نظيف وبريء ومسالم وليس خروجاً على الشريعة الإسلامية والأخلاق
العامة. وانتهيا الى أن ما يجري دعوة الى الجمهور للانغلاق.
أما أخبار الدعوى فقد
لقيت استجابة، وصادقت عليها الكتل الإسلامية في المجلس (29
نائباً) من بينهم النواب المسلمون الشيعة من كتلة الوفاق (17
نائباً) وامتناع 5 نواب عن التصويت.
المستقبل / الدوحة ـ يقظان
التقي
جئنا
لنعلن الحب
مرسيل
خليفة / قاسم حداد
عندما ذهبنا إلى التراث
العربي بحثاً عما يضئ حاضرنا، ونستعيد به ما نسيناه وما افتقدناه
في حياتنا الراهنة، نعني الحب، جلبنا درّة الحب الخالدة، شعلة
الوجد التي لا تخبو جذوتها ما دام هناك عاشق أو عاشقة يتنفسان
الحب.
جلبنا حكاية من ذابَ
– وقيل من جُـنّ- حباً، وقمنا بصقل الحكاية بما تيسر لنا من
شعر وموسيقى وغناء ورقص ودراما. وما كان لدينا غير مطمحٍ واحدٍ:
أن نحرض الناس على الفرح لا الغياب، على الحياة لا العدم.
كانت غايتنا أن نعبّر
عن العاطفة الإنسانية في أبهى وأنقى تجلياتها، وأن نمجّد الجدير
بالتمجيد: الحب.
أبداً لم تكن غايتنا
أن ندغدغ الغرائز الأدنى عند جمهور جاء، بكل براءته وثقته
وفطنته، ليعرف ويستمتع ويفتح قلبه على سعته، بلا موقف مسبق،
بلا ضغينة، ولا أحكام.
جمهورٌ بيننا وبينه
ميثاقٌ من الاحترام المتبادل، لا يمكن أن نحط من قدره بتقديم
ما هو فجّ ومسفّ ومبتذل.
لكن أبداً لم يخطر ببالنا
أن ما نقدمه من عرض نظيف وبريء، ومتجرّد من النوايا السيئة
والخبيثة، سوف يتم تأويله –غيابياً- بخلاف ما هو مقصود، وسوف
يرى فيه حماة الدين والأخلاق والطهارة عملا فاحشاً ومعيباً،
وسوف يرون فيه خروجاً على الشريعة الإسلامية والأخلاق العامة.
إن محاولة نواب الكتل
الإسلامية، وأتباعهم، التصدي لعمل "مجنون ليلى"، ولكافة فعاليات
"ربيع الثقافة" في البحرين، وتشكيل لجنة تحقيق في ما يسمونه
خروجاً على الشريعة، مثل هذه المحاولة لا ننظر إليها بوصفها
رغبةً في تصفية حسابات سياسية أو شخصية، بقدر ما ننظر إليها،
عمقياً، كمحاولة مقصودة، ومنظمة، لإرهاب كافة أشكال الفكر
والثقافة، وقمع كل مسعى إبداعي. الثقافة الحرّة، الرافضة للامتثال،
هي المستهدفة.
إنه دفاعٌ باطلٌ، عقيمٌ،
مشكوكٌ فيه، عن دينٍ لا يستمد قوته وعظمته واستمراريته من
العنف (اللفظي والبدني) الذي يمارسه فقهاء الظلام وتجار الفتاوى،
بل مما يدعو إليه من تعايش وتسامح ومحبة. دينٌ، في جوهره،
قائمٌ على الحوار والاجتهاد. دينٌ لا يحتاج إلى دم شاعرٍ أو
صمت أغنيةٍ كي يحافظ على بقائه، لا يحتاج إلى صراخ وانفعال
وتشنج في الدفاع عنه.
إنها دعوة صريحة ومباشرة
للانغلاق، لمصادرة حق الآخر في التعبير، لإنكار تعددية الأصوات،
والمفارقة أن تنطلق هذه الدعوة من موقعٍ (برلمان) يُفترض فيه
أن يكون منبراً لمختلف الأصوات والاتجاهات.
إن مثل هذه الدعوة لا
تحتقر الإنسان الحر، الراغب في المعرفة والمتعة، لكنها تحتقر
أيضاً بلداً متحضراً ينتمي إلى القرن الحادي والعشرين.
لذا يحق لنا أن نتساءل:
هل يليق بوطن متحضر
أن يمثّل شعبه نوّابٌ يتوهمون امتلاك السلطة.. سلطة المنع
والكبح والمصادرة؟ نواب ترتعد فرائصهم كلما لاحتْ في الأفق
قصيدة أو أغنية لا تمتثل لشروطهم فيستنفرون الكراهية والتعصب؟
نوابٌ يرون الشيطان الرجيم يسكن في كل أغنية أو رقصة أو مشهد
أو نص؟ نوابٌ يظنون أن الله يبسط، لهم وحدهم جناحَ الرحمة
ويعادي الآخرين؟
نوابٌ ليس من مهمات
(مجلسهم) أن يعطي شعباً برمته درساً في الأخلاق، ولا لأحدٍ
منهم أن يعلمنا الوطنية.
ما يحدث هنا، حدث ويحدث
في أراض عربية متفرقة.. بشكل أو بآخر. المثقف العربي متهم
دوماً، أو عرضة للاتهام في أي وقت، ما دام يبدع. لذا فهو ليس
مطالباً بأن يبدع فحسب، لكن أن يدافع أيضاً عن إبداعه ضد قوى
القمع المتربصة به عند كل منعطف.
يحق لنا هنا أن نحيي
ونعانق جميع القلوب العاشقة والعقول الحرة، التي عبرت عن تمسكها
الجميل بالحب وبالحرية، مسألتان لا يمكن التفريط فيهما كلما
تعلق الأمر بالحياة والإبداع، نريد أن نقدر الموقف الحضاري
الواضح والجرئ، مطمئنين بأن ثمة مستقبلاً جميلاً لا يمكن لأحدٍ
منعنا من الذهاب إليه أحراراً، وبمختلف اجتهاداتنا الفكرية
والفنية.
نضم صوت شعرنا وموسيقانا
إليكم، لنقول لهم معاً:
ارفعوا أيديكم عن حناجرنا.
20 مارس 2007