حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

غونتر غراس.. كلمة الشعر في العولمة

نثير العولمة جدلاً فكريا وسياسيا نشيطا لم ينقطع يساهم فيه بفعالية كبيرة جميع المؤيدين والمعارضين بل الضحايا الذين تسحقهم هذه الظاهرة العالمية التي تبسط جناحيها على الحياة في الكرة الارضيه كحقيقة لا مفر منها. الجديد في مضمون هذه الظاهرة إنها بدأت تخرج عن نطاق تعريفها القديم الذي يشير إلى موضوعة الترابط المتزايد بين الأمم والشعوب في العالم من خلال التجارة والاستثمار والثقافة الشعبية رغم بقاء هذه السمة باعتبارها أملا في تحقيق وحدة العالم.لكن التحليل الحديث يشير إلى إن العولمة صارت تؤشر سمات ثلاث أولها إن العولمة قد اندفعت دائما من قواعد لها في مناطق متقدمة حضاريا إلى مناطق أخرى اقل تقدما.

فمنذ طريق الحرير بين عامي 200 قبل الميلاد و1000 ميلادية ومرورا بصعود الإسلام كقوة اقتصادية وحضارية متقدمة وبالدور التاريخي الذي لعبته الإمبراطورية المغولية وانتهاء بغزو البرتغال لجنوب آسيا واحتلالها للهند وجنوب شرق آسيا بقوة السفن والتسليح بعد هيمنة الحضارات الصينية والهندية والإسلامية على العالم القديم، ومن ثم انتقال زمام الهيمنة إلى الحضارة الغربية الحديثة ،يزداد رسوخ هذا القانون ويتعزز اليوم في حياة العالم. السمة الثانية تتمثل بالاتكال المتبادل بين الأمم فلا تستطيع اليوم أية امة من الأمم أن تعيش في عزلة تامة عن ما يجري في العالم، بل إن العديد من شعوب العالم التي لا تمتلك المغريات اللازمة التي تحث مراكز القوى الاقتصادية والثقافية في العالم لضمها إلى ساحة مصالحها، تسعى بإلحاح إلى أن تجد مكانا لها في هذه الساحة النشطة. غير أن ظاهرة الاتكال المتبادل كثيرا ما تتم على حساب الشخصية التاريخية المميزة لهذه الأمم بل الاستقلال السياسي والاقتصادي لها. لكن السمة الأبرز لتطبيقات العولمة الجارية اليوم والتي تشكل أساس الأزمة الناشئة والتي يبدو إن العالم غير قادر على احتوائها، هي انعدام العدالة والظلم الشامل الناشئ عن الطابع الأناني للتطبيقات.

إن منتقدي الطريقة التي تجري بها تنفيذ العولمة يقولون إن مستويات التفاوت في الدخل في العالم آخذة بالازدياد بدلا من التقلص. كما إن جهود تهميش المهمشين في العالم تزداد ضراوة من قبل الأطراف الأكثر قدرة على صياغة أسلوب الاتكال المتبادل بين الشعوب. إن هذه القضية بالذات قد شجعت مجلة (ذا ليتل مغازين) الدولية المتخصصة في شؤون آسيا ان تنظم استكتابا عالميا دعت فيه ابرز مفكري ومبدعي العالم لأن يلقوا أضواء ممكنة حول موضوعة العولمة وقضاياها الشائكة حيث أوضح احدهم وهو البروفيسور (امارتيا سين-جامعة هارفارد) إن الفقر المروع والظلم الصاعق اللذان يميزان العالم المعاصر هو الناتج الواضح لسياسة التقاسم غير المنصف لمنافع التعاون الكروي ، فهذا الظلم كما يقول ليس ظلما هائلا فقط بل يزداد هولا أيضا. فيخلص إلى نتيجة مطلوبة اليوم كنوع من العلاج الممكن وهي إن العدالة كما أتضح بالبرهان يجب أن لا تتم إقامتها فحسب بل يجب أن (تشاهد وهي تتحقق) لتطمين شكوك متزايدة من قبل ضحايا العولمة ومسانديهم.

الشاعر الألماني المعروف (غونتر غراس) لم يتأخر عن المساهمة بسلاح الشعر المعزز بالرسم الذي يجيده أيضا.فقدم قصيدتين ، الأولى بعنوان (توأمان يجمعان الفطر) والثانية حملت العنوان (قبيل عيد الفصح). ضمّن غراس مساهمته اضاءات عميقة للمعنى الداخلي للعولمة مقدما رؤيته الخاصة حول الموضوع. إن تلكم الاضاءات قد أعادت الوجوه المنسية لهذا النشاط الإنساني إلى السطح ، وكأن الرجل يؤكد مقولة الأكاديمية السويدية بحقه عشية منحه جائزة نوبل، بأنه الكاتب (الذي تصور حكاياته الخرافية الوجه المنسي للتاريخ). في (توأمان يجمعان الفطر) يقدم الشاعر فانتازيا مشحونة بالإيحاءات عن الإنسان الباحث عن رفيقه الروحي الأزلي في غابة غامضة غنية بالمشاهد التي تصور أجواء الخلق الأولى، يقول: - (على امتداد تراب الغابة / بخطوات راسخة كما تبدو / لكنها من ثم تتضح متعثرة/ اتجه احدهم نحوي / متشحا بالحبال الترابية) يضعنا الشاعر منذ البداية أمام صورة الحدث العظيم الذي سيتحقق بعد حالة من الإصرار على فعل الخطو الدؤوب نحو صيرورة جديدة. إن ثمة آصرة قدرية أزلية تكوّن وقودا نشيطا تدفع باتجاه الالتئام بينه وبين كائن آخر لا يختلف عنه في المصير: - ذلك الذي / إليه أنا / متعثرا بأكداس الحطب / تقدمت / وكان هو نفسي تقريبا إذن هناك مقومات لا شك فيها تجعل اللقاء ، بل الاندماج ممكنا وحتميا. إن هذه الحقيقة تتأكد من حيثية إن الكائنين يعيشان في ذات الغابة (العالم)، يتنفسان ذات الضباب ويتعثران بذات الحطب الذي تنتجه.الحطب الذي ينتج ذات الطاقة التي يتدفئان بها ويتحركان من ثم بقوتها.

لا يرى غراس أية إمكانية لإعاقة اللقاء بين الكائنين، فكل الظروف المحيطة بهما تجعل من امراً اللقاء والاندماج امر لا مفر منه، بل هو مطلوب من كل منهما، فكلاهما يغذان الجهد من أجل ذلك. أنهما يمتلكان الآن وظيفة مشتركة، فهما يجمعان الفطر(القوت) سوية لإطعام البيت الذي ينتظر: - بعزم مكين / وظهرين مكورتين / عبرنا بالغفلة متظاهرين / منه إلي ومني إليه / بنظرة عجلى وجيزة / فقط من زوايا العينين / أنا وأنا / أردنا فقط أن نعلم من منا / كان يحمل إلى البيت فطرا أكثر / في حقيبة الظهر. إن الاتكال المتبادل في مرآة الشعر يتحقق بين البشر باعتباره معطى لابد منه ولا يستطيع الإنسان الاستغناء عنه إذا أراد تقاسم العيش في غابته الجميلة. ولا يمكن لهذا الميل الطبيعي أن يحدث إلا في ظل طقس عاطفي إرادي معبأ بقوة الأخوة بين الإنسان وأخيه الإنسان. في القصيدة الثانية (قبيل عيد الفصح) يستظيفنا غراس في رحاب صورة أخرى من القضية فيقدم استطلاعا عيانيا للطبيعة المفتوحة في الصدر من القصيدة، ينتصر فيه (للجمال الجم) و (السكينة) وهما يتجسدان في (طائر ألتم) ويشير إلى انه قد أبصر ذلك الطائر الجميل في (البركة السوداء). ثم يرى في طريق عودتة قوة الحياة يصنعها ضفدعان يتناسلان :-(احدهما فوق راس الآخر / يندر أن تحركهما الأنفاس.). إن الجمال والخلق وجها الحياة الجذابين الأزليين يتعرضان إلى تهديد الخراب الذي يواصل حرق بيئتهما.

إن الحريق والدمار يتجسدان أمام عيني غراس، ينظر اليهما ببصيرة نفاذة ومنذرة : - الجمال الجم / والسكينة - / لم استطع / اصطياد أي منهما، / انصرفت. يؤكد غراس إخلاصه لسيرته الشخصية عبر تحديد موقفه من معضلات العالم. فبعد أن هاجم تاريخ بلاده في القرن العشرين الحافل بالعنف والأبادة الجماعية، انطلق نحو الآفاق الإنسانية الأوسع عارضا ما جرى في بلاده باعتباره تجربة ذات طابع عالمي. فلم يكتف بمعارضة إعادة توحيد بلادة في فترة الحرب الباردة خوفا من إن ذلك التوحيد قد يعيد إحياء النازية وتصعيد الشعور المريض بالتفوق العرقي، بل انه قدم رواية (سير السرطان) وهي تصور سفينة تحمل لاجئين ألمان في الأيام الأخيرة من الحرب تعرضت إلى الغرق اثر ضربة سددت إليها من قبل غواصة سوفيتية.

بهذا العمل يريد غراس إكمال دائرة الرفض القاطع لكل أنواع العنف الموجه لأبادة الحياة وحرمان البشر من فرصتهم فيها مهما كان مصدر هذا العنف ولا يهم من أين أتى. لقد انغمس الرجل في مفاعيل الحرب بنفس حساسة بل ساهم في مؤسساتها وهو يافع ، ثم قضى زمنا قاسيا في معسكر لأسرى الحرب معايشا ومتلقيا خلاصة المآسي التي يمكن أن يسببها العقل البشري في أروقته المظلمة فجاءت رواياته ومسرحياته وأشعاره مزيجا من الواقعية ورعب الموت والفنتازيا والرمزية موجهة ضد الظلم المتسع وانعدام الإنصاف وضد أنظمة الرعب التي تستهدف سحق الإنسان وتدمير آدميتة معلنا انحيازه إلى قضية المسحوقين والمهمشين، ضحايا العوز وفقدان الدعم، أي ضحايا العولمة الجارية. لكن الشاعر يقدم لنا موقفا صادما إزاء الوضع البشري الذي يلف العالم اليوم في قصيدته ألمخصصة لموضوعة العولمة فيقول: آه، لو أن العالم وقف بالمقلوب ! عندها قد يسقط شيء ما من داخل جيبه.

قد يكون الشيء، مفتاحا، يفتح بابا خلفيا. إنها صرخة احتجاجية ضد كل ما يعطل إنتاج الحياة والجمال في عالمنا، فإزاء حالة الانفلات ألقيمي التي تلف العالم والتي تأتي في ظل تناغم غريب بين قوى الضغينة في الكرة الأرضية بهدف سحق منتجي القيم الموجهة نحو إعلاء شأن آدمية الإنسان، يطلق غراس صيحتة في البحث عن حل آخر. فالمفتاح الذي يبحث عنه يمثل عطش ألكائن البشري إلى الانعتاق من نطاق الحريق الذي يؤججه أنصار الظلام أعداء الجمال والحياة.

لكنة يمثل أيضا إصرار الرافضين لما يجري على السير نحو تأسيس عالمهم الجديد الخالي من كل ما يعطل الجمال والحياة. في سياق القصيدتين يوظف الشاعر مفردتين تكتسبان المعنى الرمزي الفخم من خلال نشوئهما داخل بيئة النص الشعري ، (الفطر) في (توأمان يجمعان الفطر) تتصاعد في المغزى لتأخذ العمل إلى ارتقاءات عليا فتجعل من ألقصيده برمتها كائنا محلقا يتماهى مع سؤال ابيض يستفز ذاكرة من نسي حقائق الوجود البشري المشحون بالشرعية. وثمة مفرده أخرى في نفس القصيدة تشغل دور محرك التفاعل الداخلي لأجواء القصيدة وهي مفردة (الحطب) فهي تمتلك طاقتها الجمالية من خلال إضفاء الضجيج المشروع على حركة البطل الرئيسي وإكساب الحركة المزيد من الدراما. أما المفردة الثانية فهي (المفتاح) في قصيدة (قبيل عيد الفصح) فمن الواضح إن هذه المفردة لا تمتلك معنى مميزا خارج النص لكنها وهي تثبت نفسها داخله تكتسب شحنا هائلا، يكثف كل رسالة الشاعر ألمستخلصة من المعطيات التي تضمنتها زوايا ألقصيدة فيرتقي بها إلى مستويات درامية شديدة الإيحاء وتخدم الغرض الأسمى لموضوعة العمل برمته.

 

عبد العزيز لازم



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.