حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

قراءات واستذكارات عن رائدة الشعر الحر
نازك الملائكة شغلت الادب بنصها وصمتها

كما عُرفت بأستيعابها المذهل للآداب الأجنبية والعربية.. عرفنا ذلك من كتابات كثير من النقاد والباحثين والدارسين، ومن شهادات اولئك الذين أتصلوا بها وزاملوها، طلاباً وأساتذة ولطالما استضافت الأتحادات والمنظمات والجمعيات الأدبية والثقافية العربية شاعرتنا الكبيرة لألقاء محاضرة أو المشاركة في مناقشة أو ندوة.. فكانت لها بحق وعمق... وما من عاصمة عربية الا وكان لنازك الملائكة فيها حضورها المشرق والمرحب به دائماً...

هكذا عرفنا نازك الملائكة: شاعرة، مترجمة، ناقدة مؤلفة، استاذة جامعية.. ولكن القليل من المثقفين العرب يعرف أن نازك الملائكة قاصة..!! نعم قاصة، كتبت القصة بروح شاعرة..! وكانت في قصصها لقليلة الأخاذة تُفصح عن مخاض ولادة قاصة من طراز شعري!! نازك الملائكة التي لم تكف عن اهداء ابداعها وطيبها الي الآخرين.. من خلال اشعارها وكلماتها.. ومثلما ترسم الأشجار صورها بالظلال، كذلك فعلت الشاعرة... رسمت ألفة حياتها ونبل مشاعرها وسمو أحزانها بالكلمات و(الرسم بالكلمات) قال الشاعر، أجمل الرسم..! ومن كبرياء الشاعرة، ومن وقارها.. أيقنت أن الشعر لا يطرح كل أنشغالاتها، رغم أنها تثق دائماً بصفاء شاعريتها ونقاء رؤاها.. ولذلك أتجهت في حالات خاصة ومحددة الي القصة، التي تحتمل كما نعرف - الأستطراد بالسرد والتفصيل بالقص.

القصة الشعرية

رغم أنها كتبت "القصة الشعرية"(1) مبكراً، ومنذ عام 1948 بالتحديد... ولعل أصدق نموذج للقصة الشعرية، قصيدتها المطولة (الخيط المشدود في شجرة السرو) التي جاءت بسبعة محاور "كان محورها السابع دقيقاً في تكثيف الفجيعة "(2) ويضم ديوان نازك الملائكة ومجاميعها الشعرية بعض القصائد التي تروي حكايات.. منها حكايات حب ومنها حكايات حزن..، بيد أننا لا نستطيع ان نضع (القصة الشعرية) في سياق فن القصة، كجنس أدبي.

أجمل قصص نازك الملائكة قصة (ياسمين ) (3)التي نشرتها مجلة (الآداب) البيروتية المعروفة بعددها الصادر في آذار (مارس) 1958 والتي نتعرض لها في هذه الموضوعة المختصرة. كما نشرت الشاعرة قصصا أخري هي: (منحدر التل )في مجلة الأداب) بعددها الصادر في تشرين الأول 1959، و(قناديل لمندلي المقتولة) في ذات المجلة بعددها الصادر في كانون الأول 1978، وحوارية قصصية فكرية بعنوان (الأبرة والقصيدة) في مجلة (شعر) القاهرية بعدد تموز 1978، أجدها أقرب الي التمثيلية أو الحوار المسرحي (4). وقد قرأنا في الآونة الأخيرة بعض الكتابات التي تناولت قصة (منحدر التل) في صفحاتنا الثقافية العربية

ومن هنا جاء أختيارنا لقصة (ياسمين) التي لم يتعرف عليها جيل من القراء، ولم يتعرض لها كاتب..!

وفي الحقيقة فان الشاعرة الكبيرة التي فارقتنا أمس الاول لم تكن بعيدة عن القصة، كجنس أدبي، لأنها تناولت بالنقد أحياناً ما أتيح لها الأطلاع عليه من قصص عربية، ولقد أكدت كتاباتها النقدية المبكرة والمتأخرة علي توغل عميق في فهم القصة، قبل أن تكتب دراساتها النقدية، القصصية والروائية والمسرحية، ونفهم ان نازك الملائكة تعاملت مع (الحداثة) من منظور طليعي وتجديدي، ففي تناولها النقدي لقصص (زكريا تامر) الأولي، المنشورة في (الآداب) قالت مثلاً عن قصته (قرنفلة للأسفلت المتعب) (5) بأنها (شيء وليست قصة، لأنها لم تلتزم بالهيكل القصصي المعرةف) (6) رغم ان النقاد العرب بشروا به قاصاً (حداثوياً)..!! أعتي أنها لم تؤخذ بالهالة التي أحاطته! وقصة نازك الملائكة الأولي المنشورة، (ياسمين).. ينبغي أن تُقرأ وفق معايير الكتابة في تلك الأعوام، حقبة الأربعينات المنصرمة، التي شهدت بدايات الفصل الثاني من النهضة القومية، اذا اعتبرنا يقظة العرب أواخر الحكم العثماني فصلاً

أولاً..، لأن بعض مفردات الكتابة التقليدية كانت ما تزال عالقة ببعض كتابات المجددين ومنهم شاعرتنا -..، لذا فمن العدل والممتع ان نقرأ القصة بروح ومعايير تلك المرحلة..، ان نأخذها بسياق زمنها وأن نأخذ بالأعتبار كيف كانت أساليب الأنشاء والتعبير وأنماط الكتابة الأدبية في تلك الأيام...، ورغم ذلك فأن نازك الملائكة في قصة (ياسمين) قد تفوقت في السرد والقص علي المألوف والتقليدي، وأدخلت في ثنايا القصة بعض المفردات والعبارات الشعرية والشاعرية من قبل (أختلاج شفتيه) (تخايله) (مصاولات) الومضات الخاطفة من الصلات) (الصمت الموحش) (وَوَجَفَتْ نفسي) (تفجر طفولي رائع)...

أخت جديدة اسمها ياسمين

نُشرت القصة في المجلة علي النحو الآتي، ياسمين : قصة بقلم نازك الملائكة. وتحت هذا العنوان الكبير جاء الأهداء بحرف دقيق "تحية ومحبة للصغيرة الغالية (نسرين)" وتصدرت الصفحة الي جانب عنوان القصة صورة معبرة هادئة للشاعرة القاصة وهي في مرحلة الشباب من عمرها.

بدأت القصة بهذه الأسطر: "عندما غادرتُ العراق الي أمريكا للدراسة منذ خمس سنين كانت قد ولدت لنا في المنزل أخت جديدة أقترح أخي أياد.. أن نسميها (ياسمين) تكريماً لشجيرة زرعها في حديقتنا...."

تحدثت الكاتبة في القصة عن تجربة خاصة، تجربتها هي كفتاة عراقية تُتاح لها فرصة السفر للدراسة خارج العراق..، فتاة تعيش ضمن أسرة بغدادية هادئة ومنسجمة، تشدها المحبة ويسودها الأحترام... وتميزت القصة بالوصف الدقيق للمفردات والأشياء الصغيرة في حياة تلك الأسرة: المنزل، الحديقة، الأشجار، الشارع أمام البيت، القطة (سيرسي)، الجدائل، الملابس، اللُعبْ... الخ كما وضح من خلال السرد ذلك البُعد النفسي (السايكولوجي) الذي يُخيم علي علاقات الأشخاص (الأسرة) ويكتنف بعض أحداث القصة. تنقل القصة بمجملها هواجس فتاة غادرت أسرتها ووطنها للدراسة وهي مثقلة بمختلف المشاعر... مشاعر الأنتماء الي عائلتها ومشاعر فرحها بالمولودة الجديدة (ياسمين) ومشاعر الأغتراب والبعد عن كل ما اعتادته في حياتها الرتيبة في منزلها...،وتحاول وهي في الغربة ادامة تلك الروح العائلية وذلك الأرتباط الوجداني الذي يشدها الي اخوتها وأبويها من خلال الرسائل... ولكنها عندما تعود تُفاجأ بموقف أختها الصغيرة (ياسمين).. الموقف الرافض لها بقسوة طفولية: "أذهبي... لا أريدك" وتفاجأ أيضاً بتحول مواقف أخوتها وأمها منها أو ربما هكذا ظنت حتي لقد تساءلت: "أتراني حقاً غريبة هنا"!!؟

اذن، يحق لنا أن نتساءل الآن وبعد مضي كل هذه الأعوام... تُري، هل كانت القصة رسالة موجهة للأهل في حينها!!؟

في القصة بعض المسلمات والأحكام والعبر التي تخدم سياقات الحدث وتوحي للقارئ ببعض الفهم للمشاعر الداخلية لفتاة تعاني من الغربة والبعد عن الأهل.. نبتة نضرة أُقتلعتْ من تربتها..، "أنهم يحسبون أننا نكتسب كثيراً من حياتنا في الخارج دون ان يتخيلوا الثمن الذي ندفعه".. "ان البُعد لا يُنسينا وحسب وأنما يضيف الينا أيضاً.." وتمضي القصة في تصوير حياة الغربة وفي مجتمع مختلف، وتعكس حنينها الي تلك الحياة المنزلية التي عاشتها منذ طفولتها.. "ماذا يصنع البعد بنا..؟؟ اننا في البداية نتمسك بكل ما أحضرناه معنا من الأرض القديمة التي فتحت ذراعيها وأسلمتنا للمسافات.. نحن نتعلق بأشياء مثل عدد أشجار الدفلي في حديقة الشارع أمام منزلنا وطعم الشاي الخاص الذي يُصنع في بيتنا ولا نري مثيلاً له في الوجود، ووجه ياسمين الصغيرة. "... "ان حياة البعد المنفصلة هذه ليست كلها مباهج، وتكاليفها الشعورية في الغالب باهظة.." "كل ماضٍ آخر لنا يستطيع أن يحيا في حاضرنا، ما عدا ماضينا الأمريكي هذا فنحن ملزمون بأن نخلعه ونرميه في لحظة

واحدة.."....

توفرت القصة علي حدثين دراميين، أولهما محوري استغرق مجمل أحداث القصة وتطوراتها..، أعني به أزمة علاقة الأخت الكبيرة العائدة من أمريكا بالأخت الصغيرة الطفلة (ياسمين) وتفاوت مواقف أفراد الأسرة من كليهما...، أما الحدث الثاني فطارئ ومفاجئ يتمثل في مرض ياسمين وأصابتها بأغماءة وغيبوبة نوبة صرع وهي في غرفة أختها الكبيرة..، وشعرتْ الأخت الكبيرة أنها هي السبب في مرض الصغيرة لا سيما بعد أن توترت مشاعر الرفض لدي (ياسمين) حتي صرخت بوجهها: "اذهبي.. لا أُريدك..".. و "لماذا لا تعودين الي أمريكا أذن..؟؟ لقد قلت لكِ انكِ لست أختي وأنني لا أُحبكِ.." قالت هذا رداً علي أستفزاز أختها الكبيرة لها بعد أن يئست من كسب مودتها:- "ياسمين.. أنني لا أحبك، هل تسمعين..؟" كان ذلك قبل نوبة الأغماء.. لعلها اذن هي السبب،.. "أنا مولعة بأختي وهي لاتطيقني، وقد بلغت الأمور نهايتها العظمي هذا المساء، وبات عليّ أن أنسحب فوراً قبل فوات الأوان.. لا معاكسات منذ اليوم ولا حلوي ولا دُمي ولا محاولات لأدخالها في غرفتي.."

التداعي والأستذكار

وفي تكنيك القص الذي وظفته الكاتبة يمكن أن نلحظ أكثر من حدث أو حادثة او حكاية في هذه القصة، بعضها يرد من خلال التداعي والأستذكار، وبعضها يسوقها حلم كابوسي، وثمة قصة قصيرة جداً ترد في سياق القصة الأصلية، اعني قصة الصبية التي ابتلعت (دبوس)، ثم سفرها الي لندن للعلاج، ومصاحبة الاخت الكبيرة (الساردة) لهذا الغرض الترجمة ولكونها قريبتها و"ذلك الصمت الموحش في شرفة المستشفي الوطني بلندن.." وتبدل موقف (ياسمين) خلال فترة الشهرين التي استغرقها غياب الأخت الكبيرة، وكيف بدأت تفتقدها وتسأل عنا.. "ثم سألت في تفجر طفولي رائع أن يكتبوا اليّ ويخبروني بأنها تحبني أشد الحب وتريد أن أعود الي البيت.." وكذلك حادث توقف الدمية عن الحركة ايام طفولتها، وحالة الهلع، والخوف الذي أصابها.. متوهمة أنها قتلتْ الدمية.. !!.. اذن، هذه القصة تزدحم بالأحداث، وكان يمكن أن تُكتب بصيغة اخري وان تُجزأ الي اكثر من قصة..

في هذه القصة، لم تفتعل نازك الملائكة أي حدث، ولم تتوهم علاقة، ولم تزيف مشاعر، ولم تموه موقف... ثمة صدق جميل.. حتي والدها الذي تحترمه وتُجله، عكست ضجرة من تصرفاتها مع أختها الصغيرة.. "وكم مرة أحتج أبي علي انني اعكر جو المائدة بأثارة معارك كلامية مع الطفلة.." "كنت احياناً اغيظها بأن اسحب صحنها من أمامها فتحني رأسها وتسكت رافضة الكلام او الأحتجاج.."

واذا شئنا اخضاع القصة القصة للتحليل النفسي والمراجعة السايكولوجية علي عجل، فسنجد ذلك الفيض من المشاعر والأحاسيس والتخيلات والأنفعالات والتصورات التي تنتاب (الساردة) كشخصية محورية في القصة.. مما يسمح لنا ان تضعها اعني القصة في سياق القص النفسي.. فنجد مثلاً انها الساردة تتوهم أختها الطفلة الصغيرة، فتاة كبيرة عاقلة تضع مشاعرها في تضاد معها.. تقول: "وأما أنا فلم أعد أراها كما ينبغي طفلة صغيرة مشاكسة وانما تحولت بنظري الي انسان مدرك بما يصنع.."!! هكذا كانت (تهيؤات) الأخت الكبيرة.. ونستطيع ان نتفحص ونحن نقرأها مستويات متفاوتة من المواقف المثقلة بشحنات (نفسية عاطفية) لا تصل الي الدرجة السايكوباثية، مما ينتاب بعض أعضاء الأسرة، شخوص القصة في مراحل (الحدث السرد) الزماني المكاني وعلي مختلف الدرجات الذاتية والعامة، بل نفهم ان الرؤي والأحلام الكابوسية ونوبة الأغماء وسواها من الحالات تشكل خلفيات لمواقف وحوارات وتوترات للشد الدرامي...

تحليل الشعور

تقول "وأما أنا فقد شعرت بأعياء شديد وانقباض فأنسحبتُ الي غرفتي واغلقت بابها من الداخل، لم يكن بوسعي ان أحلل شعوري، غير انني كنت أعاني في داخل نفسي من شيء ما لا أستطيع تشخيصه..." وفي موضع آخر من القصة تتحدث (الساردة) عن حالتها "ثم بدأ احساس آخر أفظع ينمو في نفسي دون أن اشخصه أو أناقشه.. أتراني وحدي التي تغيرت!؟ أم تغير ابواي واياد ايضاً؟؟ " اما ذروة الشد النفسي في القصة فجاءت عبر ذلك الحلم الكابوسي الذي روته (الساردة).." ولم أدر ايضاً كيف غفوت وانا في وضعي غير المريح ذاك... ولكنني حلمتُ... كان المكان كبيراً شاسعاً أشبه بمحطة قطار أمريكية... وكانت معي حقائب كثيرة ثقيلة، ثم أقبل انسان لم أميزه في الحلم ووقف يكلمني دقائق وحين ذهب والتفتُ لم أجد حقائبي.. كان مكانها فارغاً ولسبب ما أخافني هذا الفراغ.. ورحت أبحث في المحطة عن حقائبي، أصعد سلالم وأهبط أخري، سلالم تجري في دوائر كابوسية الطبيعة، وكنت اري حقائبي من بعيد كل مرة فأثق من أنني سأصلها.... ولكن الدرجات كانت تنتهي فجأة بجدار يبزغ من الفراغ وينتصب امامي.... ثم راحت الجدران تضيق وتتعاكس والممرات تنعقد وتطول والسلالم تشتبك وانا لا أصل الي أي مكان قط.." هذا الحلم الغامض والمرعب الذي سردته راوية القصة يدلل علي شدة أنفعالاتها وأرتباك ما يحيط بها وهي في الغربة.

واذ تصل القصة الي ذروتها الدرامية، حتي من خلال ذلك الحلم الكابوسي والرؤي الفانتازية.. اذ ذاك يؤون أوان الأنفراج... فتختم القصة بأسطر نقرأ فيها الفرح والمرح الذي أصاب الأخت الكبيرة بعد أن لمست تبدل مواقف ومشاعر اختها الصغيرة ازاءها.. "لقد حملتها وركضتُ بها في المطار نحو الباب، نحو البيت، وقد نسيتُ حقائبي كلياً، ولم أخجل من سخف منظري وأنا أحمل هذه الطفلة وأركض وفي المكان كثير ممن يعرفونني..."

الرحيل في الغربة يجمع روّاد الشعر العراقي الحديث

قصيدة الكوليرا تجربة تطبيقية على التحديث

برحيل رائدة الشعر العربي الحديث نازك الملائكة يختتم المشهد الريادي جسديا، بعد رحيل زملائها الثلاثة بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وبلند الحيدري، لكن هذا المشهد يظل مفتوحا كما أراد له ابناؤه البررة، علي الكثير من اسئلة النقد والرصد والسجال.

كانت الحياة في العراق أبان الأربعينات حبلي بما يدور علي الأرض كما هو حال الرؤوس، وكان الشعراء، كالعادة أكثر الجميع حساسية واستجابة للأحداث سواء السياسية منها أو ما يرتبط بها ويشتبك معها من النواحي الأخري اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.

كل هذا يأتي ارتباطا بأحداث العالم المعاصر خارج العراق، وما أفرزنه الحرب العالمية الثانية من تغييرات كبري داخل وخارج العقل البشري، فتولدت حركات فكرية جديدة، شملت الأدب والفن والفلسفة، ما وجد انعكاسه واضحا لدي نخبة الأدباء العرب والعراقيين فدفعهم، هم الآخرون إلي طرح أسئلتهم بشأن الواقع وطريقة النظر إليه، وبالتالي التعبير عنه.

المغامرة غير قابلة للتأجيل

لم تعد الأساليب والطرق التقليدية المعروفة بقادرة علي استيعبب الواقع العربي بشقيه التوأمين: الموضوعي والروحي، فكان لابد من مغامرة كبري تهز مداميك الحياة الأدبية التي شيدت منذ حوالي ألف وأربعمئة عام، وتكرست في الصحراء العربية وقراها ثم مدنها وحواضرها الشاخصة، وقدر ما يتعلق الأمر بحركة التجديد الشعري فإن العراقيين هم الشعراء الأكثر تأثيرا وجدية في خوض مغامرتهم، أفرادا أو مجتمعين، كي لا أقطع بسبقهم التاريخي وأرشفة خطواتهم الأولي، أو أيهم الأسبق، فهذا أمر لم يزل مثيرا للجدل حتي اليوم.

لا يمكن تحديد بداية محددة لحركة التحديث الشعري العربي وقياسها بالمسطرة والناظور فهي حركة مركبة تشتغل داخل الذات الشاعر المعنية برصد واقع الحال الشعري والمتسائلة، وإلي حد ما المأزومة نتيجة ضيق الممرات التي تمر عبرها القصيدة فلا تسمح بالتدفق والجريان عندها يبدأ الشاعر أسئلته علي نفسه ومن ثم علي آخرين، ولكن من دون قرارات مسبقة أو بيانات انقلابية مكتوبة علي عجل.

ليس بوسع الشاعر أن يقرر خوض تجربته الخاصة فيجلس إلي مكتبه ويضع مخططا لعمله اللاحق في اليوم التالي. إنما تخاض المغامرات الكبري بفعل حاجة شخصية وموضوعية ملحة غير قابلة للتأجيل، فقصائد الشعراء الرواد التي سجلت اختراقهم المهم لم تنشأ من اجتماع عام بل همي نتيجة مكابدة طويلة تراكمت كمّا فتغيرت وغيّرت كيفا، وهم بذا، مع تفاوت حجم إسهاماتهم وأساليبهم وقاماتهم الشعرية، فتحوا الأفق واسعا لتجارب لاحقة أسست علي تأسيسهم وتنافذت معه وجادلته شعرا ونقدا وأسئلة مهمة.

حجم التجربة الداخلية

تقول الراحلة نازك الملائكة في الحديث عن تجربتها (مذكراتها المنشورة في مكان آخر من الزمان) ما معناه أن أنباء الموت ورحيل المئات يوميا بسبب الكوليرا في مصر هزها من الأعماق فلم تستطع الصمت فقررت أن تعبر عن مشاعرها، وكتبت قصيدة ورمت بها إلي سلة المهملات وكتبت ثانية فلم تعجبها "شعرت أنها لم ترسم صورة إحساسي المتأجج" ولما كتبت قصيدتها الثالثة بنظام الأبيات غير المتساوية "أحسست بسعادة بالغة... بعد أن ثبت عجز الشطرين عن التعبير".

هذا ما قصدته بشأن الحاجة الداخلية التي تملي علي الشاعر ابتكار طريقته الكفيلة باستيعاب عواطفه وتجربته ومكابداته.

كانت "الكوليرا" قصيدة الرائدة الراحلة أول قصائدها التي اتجهت بها نحو خوض مغامرتها التغييرية، رغم أن الملائكة لم تهجر قصيدة التفعيلة الكلاسيكية (العمودية) بل أن قصائدها (الحرة) لم تفارق البنية العامة للقصيدة الكلاسيكية، من حيث الالتزام بالعروض والقوافي، فالفرق الأبرز في تجربتها كما تعترف هي هو في عدد التفعيلات (طول الأشطر وقصرها).

إن تجربة الملائكة وقد تأسست لتصبح معلما وعمودا من نور في برية الشعر العربية لكن، أسوة بتجارب متزامنة أو لاحقة، لم يتأتي لها أن تثمر كما ينتظر منها، لأسباب تتعلق بالحياة السياسية والثقافية العربية التي يبدو أنها لا طاقة بها علي استيعاب المغامرات الكبري أو حتي المشاريع الإبداعية الواعدة، والغريب هو أن رواد شعرنا العربي الحديث رحلوا جميعا أما غرباء أو مطرودين من أوطانهم، فرحلت الملائكة في مصر ودفنت فيها ورحل السياب في الكويت ودفن في البصرة ورحل البياتي في عمان ودفن في دمشق ورحل بلند في لندن ودفن فيها ورحل شاذل طاقة في المغرب.

الرحيل لايميت القصائد..

مختارات للملائكة

اول قصيدة للملائكة تفتح باب شعر التفعيلة عام 1948

 

الكوليرا

سكَنَ الليلُ

أصغِ إلي وَقْع صَدَي الأنَّاتْ

في عُمْق الظلمةِ، تحتَ الصمتِ، علي الأمواتْ

صَرخَاتٌ تعلو، تضطربُ

حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ

يتعثَّر فيه صَدي الآهاتْ

في كلِّ فؤادٍ غليانُ

في الكوخِ الساكنِ أحزانُ

في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ

في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ

هذا ما قد مَزَّقَـهُ الموت

الموتُ الموتُ الموتْ

يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ

طَلَع الفجرُ

أصغِ إلي وَقْع خُطَي الماشينْ

في صمتِ الفجْر، أصِخْ، انظُرْ ركبَ الباكين

عشرةُ أمواتٍ، عشرونا

لا تُحْصِ أصِخْ للباكينا

اسمعْ صوتَ الطِّفْل المسكين

مَوْتَي، مَوْتَي، ضاعَ العددُ

مَوْتَي ، موتَي ، لم يَبْقَ غَدُ

في كلِّ مكانٍ جَسَدٌ يندُبُه محزونْ

لا لحظَةَ إخلادٍ لا صَمْتْ

هذا ما فعلتْ كفُّ الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

تشكو البشريّةُ تشكو ما يرتكبُ الموتْ

الكوليرا

في كَهْفِ الرُّعْب مع الأشلاءْ

في صمْت الأبدِ القاسي حيثُ الموتُ دواءْ

استيقظَ داءُ الكوليرا

حقْدًا يتدفّقُ موْتورا

هبطَ الوادي المرِحَ الوضّاءْ

يصرخُ مضطربًا مجنونا

لا يسمَعُ صوتَ الباكينا

في كلِّ مكانٍ خلَّفَ مخلبُهُ أصداء

في كوخ الفلاّحة في البيتْ

لا شيءَ سوي صرَخات الموتْ

الموتُ الموتُ الموتْ

في شخص الكوليرا القاسي ينتقمُ الموتْ

الصمتُ مريرْ

لا شيءَ سوي رجْعِ التكبيرْ

حتّي حَفّارُ القبر ثَوَي لم يبقَ نَصِيرْ

الجامعُ ماتَ مؤذّنُهُ

الميّتُ من سيؤبّنُهُ

لم يبقَ سوي نوْحٍ وزفيرْ

الطفلُ بلا أمٍّ وأبِ

ي&