وو
مينغ... «عصابة»
إيطالية تؤلف
روايات
أن يشكل
عدد من الأفراد
فرقة غنائية
أو فريقاً
رياضياً أو
جمعية خيرية،
فهذا أمر طبيعي.
ذلك أن أموراً
كالموسيقى
والغناء والرياضة
والعمل الخيري
تتحقق بالعمل
الجماعي. أن
يقوم بعض الأفراد
بتشكيل عصابة
لممارسة السطو
والجريمة
أمر شائع. هذه
الأعمال تتطلب
تعاون أكثر
من فرد واحد.
أما أن تعمد
مجموعة من
الناس إلى
تأليف عصابة
ولكن لممارسة
الكتابة الروائية
فهذا العجب.
ذلك أن الكتابة،
ولاسيما تلك
التي تنحت
في صخرة الإبداع
الروائي،
هي عمل فردي
بامتياز.
ولكن
هذا بالفعل
ما قام به خمسة
كتاب من ايطاليا.
لقد أسسوا
فرقة، أو عصابة،
كما يفضلون
أن يسموا،
وأخذوا يكتبون
روايات مشتركة
ما لبثت أن
ترجمت إلى
أكثر اللغات
الحية، ليست
العربية واحدة
منها. هذه مجموعة
تريد أن تقود
ما يمكن تسميته
بحرب عصابات
روائية. انطلقت
المجموعة
من إيطاليا.
وهي تأسست
في البدء كشبكة
نضالية تخوض
صراعاً ثقافياَ
على أكثر من
جهة. ولسبب
غير معلوم
أطلقت المجموعة
على نفسها
اسم لاعب كرة
قدم أسود من
أصول أفرو
كاريبية،
لوثر بليسيت،
ثم اتخذت الاسم
الصيني وو
مينغ.
إنهم
عصابة تمارس
أعمالها من
خلال كتابة
الرواية. بل
هم حزب روائي.
حزب يعلن برنامجه
الذي يقوم
على الاحتفاء
بالهامشيين
والضعفاء
والتهليل
لعودتهم إلى
الواجهة. هؤلاء
بلاشفة الرواية
وماوية النص
الأدبي. هذا
الحزب لايخفي
غاياته الكفاحية:
مناهضة تسليع
الكتاب والوقوف
في وجه الرقابات
وارتكاب فضائح
ثقافية بغاية
تعرية المجتمع
الذي تسيطر
عليه المافيا
والدعاية
ووسائل الإعلام.
أفراد المجموعة
يكرهون النجومية
التي يتحلى
بها بعض الكتاب،
فهي، في رأيهم،
كالنجومية
التي يتمتع
بها ممثلو
السينما ولاعبو
كرة القدم
وهي لا تليق
بالمبدع الذي
يكتب. الكاتب
ينتج نصاً
يذهب إلى مخيلة
القارئ وعقله
ولاعلاقة
لهذا الأمر
بشخص الكاتب
أو لون عينيه.
ولهذا دأبوا
يكتبون رواياتهم
من دون إسم
علم. في عام
2000 اتخذ أفراد
المجموعة
اسم وو مينغ.
هاتان كلمتان
صينيتان تنطويان
على أكثر من
معنى وذلك
تبعاً لطريقة
قراءتهما.
قد تعنيان
المجهول أو
الخمسة أو
الذي لا إسم
له. والمعنى
الأخير ينهض
من المقولة
الصينية: من
لا اسم له هو
أصل الأرض
والسماء. قبل
أن تتخذ المجموعة
اسم وو مينغ
عمدت إلى الانتحار
الرمزي على
طريقة الساموراي.
لقد ماتت وبعثت
إلى الحياة
بهوية جديدة
ومهمة قاسية.
في واجهة
المكتبات
الأوروبية
تقف روايتان
من روايات
العصابة في
قائمة الكتب
الأكثر مبيعاً.
رواية كيو
(الحرف الذي
يسبق الراء
في الأبجدية
اللاتينية)
ورواية 54. إضافة
إلى هاتين
الروايتين
المترجمتين
هناك روايات
ونصوص شعرية
ومقالات لم
تترجم بعد
غير أنها انتشرت
في الوسط الأدبي
الإيطالي
واستقطبت
الاهتمام
من النقاد
والقراء والأوساط
السياسية
والإعلامية.
ليس مهماً
للمجموعة
أن تتمتع نصوصهم
بالمقاس التقليدي
في التعريف
الشائع للرواية
أو القصيدة
أو المقال.
النصوص تتجاور
وتخترقها
الروافد الخارجية
من كل حدب وصوب.
ومن الصعوبة
بمكان الإحاطة
بالنص الروائي
وتقديم فكرة
مبسطة عنها.
الروايتان
المترجمتان
تشكلان صدمة
للقارئ لما
تحويانه من
كم هائل من
الدفق الكلامي.
هما نصان مفتوحان
على الجهات
حيث يأخذ الراوي
حريته المطلقة
في ممارسة
مهنته النبيلة:
السرد من دون
توقف.
تنهض
رواية كيو
في أوروبا
القرن السادس
عشر أثناء
الاضطرابات
الفلاحية
والتمردات
الشعبية التي
ناهضت الإصلاح
وكادت تقضي
عليها لولا
أن تمت السيطرة
عليها من جانب
الســـلطات
الحكومية
وبمباركة
حماسية من
المصلح الديني
لوثر. وتعتمد
الرواية على
المصادر التاريخية
الكثيرة وتعج
بالشخصيات
والحوادث
والأخبار
وتقارب الدين
والإنجيل
والكهنة. غير
أنها لا تتردد
في تسريب الرؤية
السياسية
أو الفكرية
التي يحملها
الروائيون
أنفسهم فيختـــلط
الماضي بالحاضر
وتتجاور الحوادث
البعيدة بالمجريات
الراهنة ويجد
القارئ نفســـه
وجهاً لوجه
أمام نوع من
كولاج نصي
يأخذه عبر
الأزمان ويضعه
أمام شريط
سيـــنمائي
يقـــفز به
من عصر إلى
عصر ويصدمه
بمـــقارنات
طريفة وغير
مسبوقة بين
ما كان يقـــال
وما هو عليه
الواقع اليوم.
لايخفي كتاب
الرواية وجهة
نظرهم المائلة
نحو التـــعاطف
مـــع الطبقات
الدنيا والناس
«الغلابة» الذين
يهيمون على
الأطراف. أما
الغضب فينصب
كله على أرباب
السلطة من
ملوك وقياصرة
ورجال دين.
رواية
54 تعج بالأحداث
والشخصيات
.تطلب المخابرات
البريطانية،
ف 16، من غاري
غرانت، بطل
الرواية،
القيام بدور
الرئيس اليوغسلافي
الشـــيوعي
المارشال
جوزيف بروس
تيتو في فيلم
مكرس لحياة
هذا الزعيم.
هذه مجرد واحدة
من الحبكات
الكثيرة والمتداخلة
في الرواية.
العام هــــو
1954، (وعنوان
الرواية يعود
إلى هذا)، دول
أوروبا الغربية
تســــعى
في إقامة علاقات
قوية مع تيتو
الذي تمرد
على السوفيات.
إلى جانب هذه
الحكاية السياسية
هناك العشرات
من الحكايات
البوليسية
والتاريخية
والأخبار
والجرائم
والوقائع
الغريبة في
توليفة غنية
تصعب الإحاطة
بها وتلخيصها.
عشرات الشخصيات
التي تتصادم
وتلتقي وتتحاور
وتتداخل وتنسج
علاقات متضاربة
في عوالم السياسة
والتجارة
والتهريب
والتجارة
بالمخدرات
والقمار والبغاء
وسوى ذلك مما
يصعب حصره.
في الرواية
تجتمع المواقف
مع الإثارة
والتسلية
والسخرية
والصراع الطبقي.
وعلى صفحات
الرواية تتزاحم
المدن والخمارات
ومحلات القمار
وبيوت البغاء.
هل يمارس أفراد
المجموعة
الرواية نوعاً
من النضال
الطبقي ولكن
من خلال النصوص
الروائية؟
مثل هذا «الاتهام»
تواجهه عصابة
وو مينغ الروائية.
غير أن هذا
ليس إلا واحداً
من مجموعة
كبيرة من الاتهامات
التي تذهب
في التشكيك
بنوايا المجموعة
ومقاصدها.
غير أن المجموعة
تزيح هذه الاعتراضات
جانباً وتشدد
على ضرورة
الالتفات
إلى النص الروائي
وحده. الذي
يهم، قبل وبعد
كل شيء، هو
ما إذا كان
النص يملك
شروطه الفنية
ويبرر وجوده
ككائن إبداعي
بمعزل عن الأغراض
التي يمكن
أن تنسب إليه.
إن كتاباتنا
تقف في رأس
الكتب الأكثر
مبيعاً. يقــــول
أحــــد أفراد
العصابة. ولو
لم تكن مؤهلات
الرواية ناضجة
لما كان القارئ
أقدم على قراءتها
بمثل هذا الحماس.
أفراد
وو مينغ كاميكازيون،
يركبون النص
الروائي لممارسة
عمليات إنتحارية
في مخيلة القارئ.
هدف العمليات
يشبه الهدف
الذي يعلنه
الإنتحاريون
عادة: دحر المعتدين،
المستغلين،
الظالمين.
يرفض أفراد
المجموعة
تأثرهم بأمبرتو
إيكو كما أنهم
يرفضون مقولة
أنهم فوضويون
وماركسيون.
غير أنهم لا
ينكرون توجههم
اليساري وكراهيتهم
للرأسمالية
والنزعة الاستهلاكية.
يرد أحد أفراد
المجموعة
على ناقد انكليزي
كان أشار إلى
تأثر المجموعة
بأمبرتو إيكو
بالقول ان
السبب في ذلك
هو أن هذا الناقد
لم يقرأ منذ
زمن طويل سوى
رواية اسم
الوردة ولأنه
وجد في روايتنا
قساوسة وكهنة
ومشعوذين
فهو اعتقد
أنها متأثرة
باسم الوردة.
كان بإمكانه
القول ان الرواية
متأثرة بفيلم
سائق التاكسي
أيضاً لأن
هناك مومسات
أيضاً.
يعتمد
كتاب المجموعة
على فلـــفسة
كتـــابية
يطلقون عليها
اسم النيووية
الجدة. وهي
مقاربة فنـــية
واجـــتماعية
وفلسفية وثقافية
في آن معاً.
وتبعاً لهم
فإن منظورهم
للكـــتابة
هو كونها نشاطاً
بشرياً يهدف،
كأي نشاط آخر،
إلى التأثير
في الناس أفراداً
وجماعات. والفرد،
بوصفه عنصراً
معزولاً عن
الجماعة،
يشكل هدفاً
مغرياً للغاية.
كل العصابات
تجد في الأفراد
أهدافاً ســـهلة
يمـــكن اقتناصها
بسهولة.
يؤكد
أعضاء المجموعة
أن كل عمل يقوم
به شخص يتوجه
به إلى الآخر،
كائناً من
كان هذا الآخر،
هو نوع من حملة
تبشيرية تقوم
على قرصنة
معينة. ولهذا
ينبغي إتقان
القرصنة والسلب
والهجوم. وفي
الهجوم يجب
التركيز على
الضحية، وهو
هنا القارئ،
لمعرفة حالته
النفسية وميوله
الجنسية وتكوينه
النفسي والاجتماعي
والثقافي
والطبقي والسياسي.
يعتقد
أفراد المجموعة
أن عملهم،
لكي يكون ناجحاً،
يجب أن يكون
شاملاً وواسع
النطاق. في
مصادرهم الكتابية
ونطاق حركتهم
النصية كل
شيء مباح: الصحـــافة
والتلفزيون
والاذاعة
والملصقات
والشعارات
والإعلانات
والغرافيتي
والرسم والفيديو
والسينما
والدي في دي
والشعر والمقال
والجدول الاقتصادي
والكولاج
والمونتاج
والقص واللصق
والموسيقى
والأزياء
والبريد الإلكتروني
والبيانات
الحزبية والبلاغات
العسكرية
وبطاقات الأعراس
والنعي والمهرجانات
وسوى ذلك. إن
الغاية هي
التحريض. تحريض
المخيلة على
الاستنفار
والتحرك والاتيان
بما هو جديد
ومبتكر من
أجل تخطي الشائع
في كل لحظة.
وو ميـــنغ
ظـــاهرة
غير مسبوقة
في العالم
الروائي والسؤال
هو ما إذا كانت
ظاهرة عابــرة
من ظواهر العالم
المعولم الذي
نعيشه وستندثر
وتزول بعد
حين أم أنها
شــيء أصيل
سيكتب له النجاح
والبقاء.
نزار
آغري / عن الحياة