
أساطير
الخلق
لقد
كانت بعض البحوث
عن العقل الإنساني
معنا طيلة
ما كنا هنا
وهناك من وجودنا
على الأرض،
وأكثرها خداعاً
جميعاً البحث
بالذات عن
بدايتنا.. أين،
ومتى، وكيف
بدأ ذلك كله؟
والنص الهندي
الكلاسيكي
(Rig Veda) يذكر بصفاء
شعري، كم هو
ضخم ذلك البحث
عن أجوبةٍ
كهذه:
أين كان الخلق
كله يمتلك
أصله،
هو، سواء قد
صاغه
أو سواء لم
يصغه
هو، الذي يعاينه
كله من أعلى
سماء،
هو يعرف - أو
ربما حتى لا
يعرف.
وفي أغلب الثقافات
البشرية، فإن
أسئلةً بهذه
الطبيعة أجابت
عليها الأساطير
و الخرافات.
و تلك
في الغالب
مشروحة، بلطف
و بتفصيل مدهش،
ودائماً بخداع
للعقل، بصرف
النظر عما
يمكن أن يكون
عمرها. أو كم
هي متضاربة
مع الفهم العلمي
الحديث.
و في عملية
النفاذ في
مثل هذه الأساطير،
تُستخدَم وجهة
النظر التحليلية
النفسانية
القائمة على
نظريات ك. غ.
يونغ (C G Jung) بصورة
متكررة. فالآلهة
كما يقال يمثلون
النماذج البدئية،
و الأحداث
الأسطورية
رموز لمتابعة
الإنسان لإدراك
الذات.
وهذه الطريقة
في النظر إلى
أساطير الخلق
يمكن إن تحدث
على نحوٍ جيد
جداً بفعل
حقيقة أن هذه
التفسيرات
القديمة لولادة
الإنسان و
الكون مناقضة
تماماً لما
يقوله العلم
لنا، و لذلك
فإن التفسير
الرمزي و السايكولوجي
للأساطير يبدو
هو الطريقة
الوحيدة لادعاء
قيمتها بالنسبة
لإنسان الحاضر.
فالأساطيرتوصف
بكونها تعبيرات
عن حاجات عاطفية
إنسانية، و
التفاصيل والمكونات
فيها كما يقال
تنشأ من زوايا
لاوعينا ــ
ما يشبه الأحلام
إلى حدٍ ما.
إن هذه، بالطبع،
وجهة نظر ضيقة
الفكر. لا لكونها
فقط تفترض
بغاية السهولة
أن العلم الحديث
قد وجد جميع
الإجابات الحقيقية،
بل و أكثر من
هذا المعنى
الذي تتضمنه،
أن أناس الماضي
لم تكن لديهم
القدرة على
التفكير الاستدلالي
العلمي، و
ربما حتى أي
اهتمام أصيل
بمسائل هذه
الطبيعة.
وقبل أن نفترض
أن تفسيرات
أسلافنا هي
مجرد انبثاقات
من اللاوعي،
يجب في الأقل
أن نحاول أن
نرى إن كانت
نظرياتهم يمكن
أن تكون قد
شكلت فهماً
سليماً أنذاك.
ينبغي أن نذكّر
أنفسنا بأنه
لم يمض وقت
طويل على علمنا
المحترم و
هو يعتقد بأن
الأرض في مركز
الكون، و بأنهم
كانوا فوق
هذا يعتقدون
بأن عمرها
ليس أكثر من
ستة آلاف سنة.
وفي تلك الأيام،
كان ذلك كله
يشكل أمراً
معقولاً.
و هكذا فلنحاول
أن نتتبّع
أفكار أسلافنا،
حين كانوا
يتأملون العالم
و ماضيه البعيد،
و نرى أية استنتاجات
لا بد و أن هذا
قد قادهم إليها.
فالأساطير
تنشأ من الأزمان
التي كان فيها
القليل جداً
من الأمور
معروفاً عن
الطبيعة وقوانينها،
و لهذا فإن
علينا أن نفكر
بالطريقة التي
يفكر بها شخص
جاهل تماماُ
تقريباً. ودعونا
نسميه الهومو
رودِس (homo rudis)، الإنسان
غير المتعلم.
فعندما يدرس
هذا الإنسان
العالم من
حوله، فإنه
يرى أناساً
يولدون و يموتون،
يرى جنسه يتضاعف
من جيل إلى
جيل، و يتساءل
أين بدأ ذلك
كله. ألم يكن
هنالك و لا
بد رجلٌ أول
و امرأة أولى،
وإذا كان الأمر
هكذا ــ من
أين جاءا؟
وكونهما أول
شخصين، فلا
بد أن خلقهما
كان من عمل
آخرين. و الشيء
نفسه يجب أن
يصح بالنسبة
للحيوانات
والنباتات.
و ليس من شك
في أن الزوج
البدائي من
البشر موجود
في معظم أساطير
الخلق. فلآدم
(Adam) و حواء (Eve) نظيران،
على سبيل المثال،
في الأسطورة
الأوروبية
الشمالية الساحرة
عن آسك (Ask) وإيمبلا
(Embla). الأولى شجرة،
والثانية كرمة
عنب تعانقها،
قبل أن تحولهما
الآلهة إلى
رجل و امرأة.
و في أسطورة
المايا عن
بوبول فَه
(Popol vuh)، فإن الناس
مخلوقون من
الذرَة، وفي
الأسطورة المصرية
من دموع إله
الشمس ري (Re). وبالتأكيد
ظل نوعنا البشري
السبب في البكاء
مراتٍ عديدة
منذ ذلك الحين.
و في أساطير
كثيرة، فإن
الإنسان مخلوق
في شكل وحشي
(beastly) و هو ما يعطي
أفعالنا سبباً
وجيهاً لافتراضه.
مثل الحكاية
البابلية إينوما
(Enuma)، حيث يكون
الناس مشكّلين
من دم وعروق
إله معدوم.
و لمردوخ (Marduk)،
وهو بادئ خلق
الإنسان، غرض
واضح بالنسبة
له: سيكون مكلّفاً
بخدمات الآلهة
ذلك أنهم قد
يكونون في
راحة!
فالآلهة البابلية
بالتأكيد قدرٌ
عنيف، في حالة
حرب بعضهم
ضد البعض الآخر.
ويعتقد مردوخ
بأن التقوى
أو الإخلاص
لدى البشر
يمكن أن تبعث
في هؤلاء الآلهة
الهدوء و السكينة،
و بذلك تنتظم
الأمور في
النهاية.
و لكن من الآلهة
أو من مكوّنات
الطبيعة خُلق
الرجل و المرأة.
وهما في سن
الرشد في لحظة
الكينونة،
باستثناء ما
يتعلق بحكايات
الأيسكيمو
في غرينلاند،
حيث البشر
الأوائل أطفال
ينمون من الأرض.
وهنا يضطجعون،
ذات يوم، وعيونهم
مغمضة، غير
قادرين حتى
على الزحف.
و الأرض نفسها
تغذّيهم.
إن معظم أساطير
الخلق تذكر
بوضوح حين
وُلد الرجل
و المرأة الأوّلان،
بدءاً على
الفور بالتناسل.
فكل الناس
في العالم
يأتون من هذين
السلَفين المخلوقين
على نحوٍ استثنائي.
كما أن الحيوانات
و النباتات،
المقيّدة بوضوح
إلى دورة الولادة
و الموت، يُعتقد
بأن لها بداية
تشبه كثيراً
بداية الإنسان.
عندئذٍ يسأل
هذا الإنسان
نفسه ــ هل
هناك أي شيء
أبدي، لا يولد
و لا يلد؟ إن
الشمس تولد
مجدداً كلّ
يوم، و القمر
و النجوم كلّ
ليلة، و الجبال
تذوي، و التربة
يزيلها المطر.
فماذا يبقى؟
حسَنٌ، يبدو
الهواء حاضراً
أبداً، و لكن
بالنسبة لعقل
ذلك الإنسان
فإن حضوره
غامض بالأحرى
إلى حد أنه
يعتبر واقعاً،
إلى حدٍ ما
مثل الفضاء
الذي نتحرك
فيه جميعاً.
فأنت لا تستطيع
أن تلمسه،
و لا تبتعد
عنه. و هناك
شيء أكثر محسوسيةً
كثيراً، و
أبديٌّ على
ما يبدو مع
هذا: البحر.
فالبحر يمتد
أبعد مما تستطيع
العين رؤيته،
و أعمق مما
يمكن للإنسان
أن يصل إليه،
و هو يمضغ الأرض
مثلما يعض
الإنسان اللحم
من عظام فريسته.
و تبدو الأرض
كأنها ارتفعت
من البحر،
و يمكن أن يبتلعها
البحر بالتأكيد
ثانيةً. و سيجد
ذلك الهومو
رودِس (Homo rudis) أن
من الصعب أن
يتخيّل زمناً
لم يكن فيه
البحر موجوداً.
في التحليل
اليونغي للأساطير،
يُعتبر البحر
البدائي أو
الأصلي رمزاً
للفوضى، التي
هي طريقة مهمة
ــ و لو أنها
غير ضرورية
ــ لإيضاح
حقيقة أنه
حاضر تقريباً
في كل أسطورة
خلقٍ نعرف
شيئاً عنها.
فعندما يبحث
الهومو رودِس
(الإنسان الأولي
العاقل)عن
شيءٍ ما أبدي،
فإنه سيجد
البحر عن طريق
الملاحظة المجردة
و التفكير
الاستدلالي
أو الاستنتاجي،
مهما كان ما
يشير إليه
لاوعيه.
حسَنٌ، إن
العلم الحديث
يخبرنا أن
الحياة نفسها
ولت في البحر،
و أن جميع النباتات
و الكائنات
على الأرض
جاءت من البحر.
و قد أحسنَ
ذلك الإنسان
الأولي في
إشارته إلى
البحر كشرط
لازم للخلق.
والبحر و الماء
عنصران أساسيان
في معظم أساطير
الخلق. ففي
أنيوما أليش
(Enuma elish) البابليين،
هناك في الأول
أبسو (Apsu)، كينونة
الماء العذب،
و تيامات (Tiamat)،
كينونة الماء
المالح، في
مسكنين منفصلين.
ثم يقوم ميومو
(Mummu)، و هو نوع
مخادع من الآلهة
مرتبط بالمطر،
بجعلهما يلتقيان،
وهكذا يبدأ
الخلق. فالمطر
يأتي بالماء
العذب والمالح
معاً. ألا يجعل
الأمر ذلك
مقبولاً؟.
أما في أسطورة
كوجيكي (Kojiki) اليابانية،
فإن الإلهين
التوأمين إيزانغي
و إيزانامي
يهيّجان البحر
برمح، فيجعلان
جزيرةً هناك
تظهر. ويستقران
هناك و يتعانقان
بطريقة شهوانية
إلى حد أن مترجم
القرن التاسع
عشر الانكليزي
باسل هول تشامبرلين
يشعر بالحاجة
إلى تحويلها
إلى اللاتينية.
ومن نكاحهما
السفاحي (6) يولد
العالم.
ونجد في حكايات
الفايكِنغ
(Viking) شيئاً من
الاختلاف في
الموضوعة.
فهناك في البداية
فجوة عظيمة
تدعى غينونغا
(Ginnunga)، التي تعني
ببساطة متعذر
القياس. وفي
هذه الفجوة
تلتقي النارالجليد،
وفي الماء
الحاصل من
الجليد الذائب
تحدث عملية
الخلق المجهدة.
و حتى الكتاب
المقدس لديه
بحره الأصلي،
في كتاب سُفر
التكوين، حيث
أن روح الله
"راحت تحوّم
فوق سطح الماء".
ستيفان
ستينَد
ترجمة: عادل
العامل / المدى
الثقافي