حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

أينشتاين وهوكنغ ولي سمولن:
تفكيك الزمن وتكميمه

تختلف نظريات الزمن وتتنوع. سنرصد في هذا المقال الأفكار الأساسية حول الزمن كما جاءت لدى بعض العلماء المعاصرين. نبدأ بنظرية النسبية لأينشتاين ومن ثم ننتقل إلى نظريات الفيزيائيين ميشيو كاكو وستيفن هوكنغ ولي سمولن. ونختم بتصور فلسفي حول الزمن ؛ فالفلسفة والعلم زوجان لا طلاق بينهما.

لعل المدخل الأفضل إلى فهم أينشتاين هو أن نتصوره على أنه التفكيكي الأول الذي يرفض الثنائيات والفصل الحاد بين المفاهيم أو مدلولاتها، أي الأشياء. على ضوء هذا التصوّر نتمكن من صياغة أفكار أينشتاين على النحو التالي: بالنسبة إليه، من الخطأ التمييز بين الزمان والمكان، بل هما يشكلان شيئا واحدا هو الزمكان. كما بالنسبة إليه، من الخطأ التمييز بين الزمان والمكان من جهة والجاذبية من جهة أخرى لأن الجاذبية مجرد انحناء الزمكان. وبالنسبة إلى أينشتاين أيضا، من الخطأ التمييز بين الزمكان والمادة لأن المادة مجرد اضطراب الزمكان. ويضيف أينشتاين إلى رفضه للثنائيات السابقة رفضه لثنائية المادة والطاقة حيث يؤكد على أن المادة تتحوّل إلى طاقة والطاقة تتحوّل إلى مادة في قانونه الشهير E=MC2. هكذا يظهر أينشتاين على أنه التفكيكي الأصيل لكونه قد أظهر لاعقلانية الثنائيات الفكرية المُعتمَدة فلا فرق جذري بين المادة والطاقة وبين الزمان والمكان وبين الزمكان والمادة وبين الزمكان والجاذبية. وبذلك كأن الكون وكل ما فيه يعتمد على الزمكان؛ فالزمكان هو المفهوم الأساسي في تصوّر أينشتاين للكون (Walter Isaacson: Einstein. 2007. Simon & Schuster)

يؤكد أينشتاين على أن الزمان والمكان ليسا الخلفية التي تحدث فيهما الأحداث، بل هما فاعلان أساسيان في خلق الكون وأحداثه. هذا لأن الجاذبية المسؤولة عن بناء المجرات والكواكب هي مجرد انحناء الزمكان. وبذلك غيّر أينشتاين مفهومنا التقليدي للزمن من كونه كائنا سلبيا غير فاعل إلى كونه كائنا إيجابيا وفاعلا في تأسيس الكون. ولم يكتف بذلك بل عرّف الزمن على أنه ما تشير إليه الساعة. ولأن الساعات على جدراننا وأيدينا مختلفة، إذن من الطبيعي أن يختلف الزمن، وبذلك من الطبيعي أن يكون الزمن نسبيا كما تقول بالضبط النظرية النسبية لأينشتاين. فمن منجزات أينشتاين اعتباره أن الزمن نسبي وليس مطلقا على نقيض مما ظنت البشرية لآلاف السنين. فزمن هذا الفرد يختلف عن زمن ذاك الفرد إذا كانا يتحركان، أما إذا كانا ثابتين بالنسبة إلى بعضهما فزمنهما واحد. يقول أينشتاين إنه إذا تسارع الشيء نقص الزمن بالنسبة إليه، وبذلك إذا سافر الأب بسرعة الضوء إلى الفضاء ومن ثم عاد إلى الأرض سيمسي أصغر من ابنه. على هذا الأساس من الممكن تقصير الزمن أو إطالته وكأنه ثوب من الممكن خياطته ليناسب هذا المقاس من الرجال والنساء والأطفال أو ذاك المقاس. هذا التصوّر ينسجم مع تخيل الزمكان على أنه ورقة مطاطية من الممكن أن تنحني وتلتوي وتتخذ هذا الشكل أو ذاك. من هنا لم يعد الزمان شيئا غامضا ومختلفا عن الأشياء الأخرى التي تحيط بنا. فكما أن أغصان الأشجار قد تنمو وتلتوي أو تهتز وتنكسر كذلك الزمن قد يولد ويموت ويرقص ملتويا حينا وشبه مستقيم حينا آخر (المرجع السابق).

بالإضافة إلى ذلك، أوضح الفيزيائي ميشيو كاكو وغيره أهمية الزمكان ومركزيته في صناعة العالم الواقعي والأكوان الممكنة. يعتبر كاكو أنه من الممكن للزمكان أن يتخذ أشكالا هندسية مختلفة. وبما أن قوانين الطبيعة تختلف باختلاف هندسات الزمكان، إذن من الممكن وجود أكوان ممكنة مختلفة من جراء اختلاف هندسات زمكاناتها بحيث تختلف الحقائق والقوانين الطبيعية من كون ممكن إلى كون ممكن آخر. هكذا يشرح لنا ميشيو كاكو كيف أن الزمكان ينتج أكوانا مختلفة، ويتم ذلك من خلال اختلاف هندسة الزمكان (Michio Kaku: Parallel Worlds. 2005. Doubleday) هذا يشير بقوة إلى الفكرة الأساسية لأينشتاين ألا وهي أن الزمكان عنصر فاعل وأساسي في صياغة الوجود.

موقف أينشتاين من الزمن لم يمنع العلماء من الاستمرار في البحث في ماهية الزمن وصفاته لأن العلم عملية تصحيح مستمرة. على هذا الأساس يقدِّم الفيزيائي ستيفن هوكنغ نظريته الخاصة في الزمن. بالنسبة إلى هوكنغ، المذهب الوضعي في العلوم هوالمذهب الأفضل. يقول المذهب الوضعي إن النظريات العلمية الناجحة هي مجرد أدوات لتفسير الظواهر والتنبؤ بها، وبذلك هي ليست صادقة ولا كاذبة بل فقط مقبولة على ضوء نجاحها. فالنظرية العلمية نموذج رياضي وظيفتها أن تتنبأ بظواهر معينة فإن كانت تنبؤاتها كاذبة تصبح النظرية العلمية كاذبة أو يتم تعديلها، أما إذا كانت تنبؤاتها صادقة فهذا يعزز مقبولية النظرية ليس إلا. من هذا المنطلق يستنتج هوكنغ أنه لا نستطيع بحق أن نحلِّل الزمان ونعرف ما هو . فبما أن النظرية العلمية لا تقدِّم تصورا يطابق الواقع بل هي مجرد أداة تفسير وتنبؤ، إذن لا جدوى من تعريف الزمن الوارد في النظرية ومن الطبيعي أيضا أن لا نتمكن من تحليله (Stephen Hawking: The Universe in a Nutshell. 2001. Bantam Books).

أما الفيزيائي لي سمولن فيقدِّم تصورا مختلفا للزمن مفاده أن الزمن يتكوّن من ذرات. وبذلك يقوم سمولن بتكميم الزمن أي يجعله كما يتلو ذاته بكميات منفصلة. بالنسبة إلى هذا النموذج، يتم تطبيق ميكانيكا الكمّ على الزمن ما يؤدي إلى تصور الزمن على أنه يتصرف ككميات منعزلة عن بعضها البعض. وهذا ما يصدق أيضا على المكان. هكذا يكون الزمكان متكوّناً من ذرات ويتصرف على أنه كميات منفصلة ومختلفة. هنا قام سمولن بانقلاب مثير ضد تفكيرنا التقليدي. لقد اعتقدت البشرية لآلاف السنين أن الزمن متواصل ويتدفق كنهر لا ينقطع. ينفي سمولن هذا التفكير التقليدي ويعتبر أن الزمن يشكّل كميات منفصلة من الطاقة تماما كأي جسيم آخر في الكون. الزمن بالنسبة إلى لي سمولن لا يعدو كنهر عاصف بل يحبو كطفل ويخطو خطوة بعد خطوة في كمّ بعد كمّ بعد كمّ (Lee Smolin: Three Roads To Quantum Gravity. 2001. Basic Books).

لقد رأينا اختلاف العلماء حول فهم الزمن وفعله. هذا يدل على أنه على الأرجح من غير المحدَّد ما هو الزمن تماما كما تؤكد السوبر حداثة. بالنسبة إلى السوبر حداثة، اللامحدَّد يحكم الكون وكل ما فيه، لذا من الطبيعي أن يكون الزمن أيضا غير محدَّد ما هو وكيف يتصرف. تعتمد السوبر حداثة على اللامحدَّد من أجل تفسير الظواهر كافة فتقول إنه رغم لا محدودية الكون من الممكن معرفته لأن من خلال لا محدوديته نتمكن من تفسيره. من هذا المنطلق تفسِّر السوبر حداثة الزمن على أنه غير محدَّد. للسوبر حداثة قدرة تفسيرية تجعلها نظرية مقبولة. وتظهر هذه القدرة على النحو التالي: بما أنه من غير المحدَّد ما هو الزمن (بالنسبة إلى السوبر حداثة)، إذن من المتوقع أن يتصرف الزمن وكأنه مادة (كما تقول نظرية أينشتاين) وكأنه طاقة أو موجات (كما تقول نظرية لي سمولن) في آن. هكذا تفسِّر السوبر حداثة لماذا يتصرف الزمن وكأنه مادة وطاقة في الوقت ذاته، وبذلك تكتسب السوبر حداثة قدرتها التفسيرية فمقبوليتها. والسوبر حداثة تنجح في التعبير عن إمكانية اختلاف هندسة الزمكان كما أوضحها ميشيو كاكو. فبما أنه من غير المحدَّد ما هو الزمكان، إذن من الطبيعي أن ثمة إمكانية أن تختلف هندسة الزمكان فنحصل على هندسات زمكانية متنوعة ما يؤدي إلى نشوء أكوان ممكنة مختلفة. كما أن السوبر حداثة تتمكن من التعبير عن حدس هوكنغ القائل بأنه من غير الممكن تعريف الزمن. فبما أنه بالنسبة إلى السوبر حداثة، من غير المحدَّد ما هو الزمن، إذن من الطبيعي أن يكون من غير الممكن تعريف الزمن. هكذا أيضا تكتسب السوبر حداثة قدرتها التعبيرية ما يدعم مقبوليتها رغم أنها مجرد فكرة ممكنة.

 

حسن عجمي



© Copyright 2003- All Rights Reserved - Alimbaratur.com.