الحرير
القاسي
حصلت
الحادثة العام 1840 عندما هربت إحدى العاملات الفرنسيات من مصنع
بورطاليس أخوان في بتاتر مع ثلاث من رفيقاتها، اثر مشاجرة بينها
وبين رئيس العمال، فطلب نقولا بورطاليس من قنصل فرنسا بوريه أن
يسعى الى سَجنها حتى موعد مغادرتها البلاد على ظهر الباخرة، لتكون
أمثولة للأخريات، ولكي <<لا تمارس الدعارة في بيروت>>،
حسب رواية دومينيك شوفالييه في كتابه الجدير بالاهتمام <<مجتمع
جبل لبنان في عصر الثورة الصناعية في أوروبا>>.
تذكّرنا
الحادثة بذلك الجسر الذي كان منصوباً بين لبنان وأوروبا أيام الثورة
الصناعية، وهو جسر حرير، أو طريق حرير جديد، قد يتقاطع في نقاط
عدة مع طريق الحرير القديم. تذكّرنا بدور ما للبنان في حقبة مهمة
من تاريخ العالم، وإن كان دوراً بسيطاً ويساوي نسبة ضئيلة من الحركة
التجارية والصناعية في العالم. تذكّرنا بأننا كنا حاضرين، وقد
زرع أهلنا الجبل والساحل بشجر التوت ليكونوا حاضرين، وقامت مدن
وقرى على تجارة الحرير.. أما الدعارة فكانت حالة شاذة، كانت مهنة
اللواتي ينوء بهن الدهر، ويهربن من المظالم.. أو ربما يطمعن بمال
رخيص.
تحضرنا
الحادثة لتنبّهنا إلى أننا غائبون عن أي عصب تجاري مهم في العالم،
غائبون كمجتمع، وإن كان لدينا عدد من المتنفذين في أسواق المال
والتجارة في الخارج والداخل. لا نشعر بأننا نردف صناعة الحرير
ولا النفط ولا الذهب، ولا حركة الصناعة في خفيفها وثقيلها. حتى
الدعارة لم تعد مهنتنا ولا نريدها كذلك إذ تحوّل جسر الحرير أو
طريق الحرير الذي بناه لبنان ذات يوم مع أوروبا، الى نوع آخر من
التجارة هو تجارة الرقيق الأبيض، واختلف اتجاه الجسر هذا في اتجاه
الناحية الشرقية من أوروبا، أقرب الى اتجاه طريق الحرير القديم.
الى
ذلك، كانت ظروف عمل حلّ الحرير القاسية تمنع النساء اللبنانيات
المحافظات من الدخول في هذه المهنة، وكانت تجارة الحرير تطعمهن
مع رجالهن.. واليوم بعدما أقبلت المرأة على العمل السهل منه والقاسي
هرب العمل.. وهرب الحرير.. وهرب النوم على الحرير، وباتت الأقمشة
أقسى على أجسادنا.
فعلامَ
ينام اللبنانيون غداً؟
أحمد
بزّون - السفير - 2003/06/30