ثقافة
شمولية ألكترونية

ربما
لا يمكن تحقيق أمنية الكاتب، اليوم،كي يتمتع بالاعتكاف، ولو لفترة
قصيرة، في خلوة مع نفسه، سبق أن أسدتها له بامتنان، العصور القديمة،
أثناء رخاء وجمال الصمت الجليل. صار الصمت عملة نادرة غير متوفرة
في الأوساط كلها، ضمنها أوساط الممارسين لفن الكتابة الإبداعية
وخصوصا مَنْ يحاول كتابة القصة أو الرواية. المرء يجُبر،كل يوم
تقريباً، أن يسمع صياحاً وهتافا،ً تهليلاً ونقاشات لا تنتهي سواء
في التلفزيون أو غيره من الوسائل المرئية والمسموعة. تجعله، في
نهاية المطاف، غير قادر على التركيز، تائها في الأحاسيس والأحداث،
عاجزاً عن الوصول إلى شاطئ الأمان من أجل توضيح رؤياه بأناة وروية.
يبدو أحيانا أيضاً، نتيجة هذا الضجيج، أن مؤلف الرواية في اللغة
العربية، اليوم، صار يشبه وسائل الإعلام المضوضئة اللاغية، فهو
لا يحتاج أبداً للرؤية أو العبارة الفنية البليغة، والتي هما من
شروط الرواية المعتبرة كما يُفترض، بل صار مكتفياً بالسرد والتمطيط
والخلط النافل، كي يزيد عدد صفحات الكتاب، بعد أن أصبح الكتاب
نفسه كالبرامج الإذاعية والتلفزيونية، أهميته أن يظهر على الشاشة،
بغض النظر عن القيمة الأدبية الفنية والجميع ماض لقياس المادة
بالكمية بدل النوعية. المعروف منذ القديم، أن العزلة أمر يحرص
عليه الكاتب بل يبحث عنه، شاعرا أن الخلوة والوحدة هما الطعام
الخفـيف المغذي المملوء بالفيتامينات. هذا الغذاء كثيرا ما شحذ
الموهبة وطورها بالطريقة الصحية ليصبح الكاتب مهيئا لتصوير ما
يراه أمامه، دون تدخل خارجي أو هجوم لا متوقع يباغته باللغط والمظاهر
الخارجية. الفعاليات الأخيرة أقل ما يُقال عنها مقابلات صحفية
يتحدث فيها هو عن نفسه أو ندوات تلفزيونية للمناقشة والجدل، وهذه
الأخيرة كافية لتحطيم أغنى المواهب وأكثرها إشراقا وندرة للأسف..
ربّ قائل يعترض اليوم كون هذه الأمور أصبحت جزءاً من عملية الكتابة
بالذات، فعن طريقها يستطيع القرّاء أن يعرفوا طريقة تفكيره وما
يدور في رأسه، وبواسطتها سُتفسح الفرصة لشرح وجهة نظره على نطاق
واسع، مستفيداً من كل خدمات وسائل الإعلام لإبراز صورته بالوسائل
الحديثة المرئية والمسموعة المتاحة. هذه المغريات كثيرا ما استطاعت،
على ما أتصور، استدراجه بذكاء، محفزة إياه كي يقع بالمصيدة الفاتحة
فمها لاقتناصه بذراعين وخراطيم لا حصر لها. سيخرج، آنذاك، الكاتب
من ملجئه وحصنه مستسلما، دون دفاع يُذكر، أو يقدر عليه، ليظل دائرا
معها إلى ما لا نهاية، دون أن يشبع جوعه بشكل يرضى عنه أو يُضيف
زادا للآخرين المنتظرين كي يأتي بشيء جديد، وهم، رغم كسلهم في
تلبية مطاليبه ومساعدته في محنته، لا يرحمونه كثيراً في المستقبل!
الداء الأكبر الذي سيُبتلى به بعدئذ، هو عندما يتوالى الأمر، لتلحقه
الآفة التي تُصيب العقل البشري عادة في مثل هذه الأحوال، ألا وهي
عادة حب الظهور والنرجسية والكلام عن النفس الممل الفارغ. كل هذا
يقوده بخطى حثيثة غير مترددة إلى مأزق الشعوذة والدجل والكذب فيرى
في إنجازاته ما لا يراها غيره وليصبح بعدها مغرورا متكبرا. يتعاون
ما يُسمى بالناقد الأدبي للرواية عندنا اليوم، مع الكاتب المغرور،
على تزكية هذه الأوهام جملة وتفصيلاً، مغلفاً جهله وعدم إطلاعه
على طريقة فن النقد الحديث، بإعادة سرد أحداث الرواية كما ذكرها
الكاتب، يعيدها كرة أخرى للقارئ، بقضّها وقضيضها كما سردت على
السطح، وكأنه يفعل شيئا عجيباً مدهشا، مكرراً حوادث سبق أن ذكرها
الروائي بطريقة أو بأخرى ليصير التهويم على السطح، دون الغور في
الأعماق صفة الناقد والروائي معاً متخلصين من التقاط التوتر في
الذبذبات. بات أمر النقد والعمل الأدبيً مهملين لدى قارئنا، كما
يُلاحظ، بل لا يؤخذ كلامهما على محمل الجدّ، ما دام هذا ديدنهما،
يمارسه كل من هبّ ودبّ وهو يعرف الألف والباء، قادراً على الوصول
للمجلات الأدبية والشاشة الصغيرة حيث يُغفر له فيهما كل أنواع
اللغو والهذر والترهات ليصبح كالسارق، في خضم هذه العملية المذعورة.
كانت الرواية في عصرها الذهبي، في القرن التاسع عشر وبداية القرن
العشرين في الغرب، وربما لا زالتْ، كما يظهر في بعض الأحيان، الواسطة
والوسيلة الممتعة الحية في التثقيف الاجتماعي والتوعية الإنسانية،
يتسنى للكاتب والناقد فيها إنجاز دورهما الهام، من أجل إتمام هندسة
بناية جميلة نافعة، بأروقتها وغرفها وشبابيكها، لا الاكتفاء بالطلاء
الظاهري المموه بالذهب المزيف. يقول الروائي الأميركي المعاصر
جونثن فرانزين Jonathan Franzen إنه بدأ أوّلَ كتاب له وهو في
الثانية والعشرين من عمره، حالماً بتغيير العالم. كان لديه أمل
شديد كي يحظى بمقابلة في محطة إذاعة (سان لويس)، التي طالما استمع
إليها في مطبخ أمه وفيها تُجري مُقابلات طويلة مُـعـتـنى بها مع
مؤلـفيـن. عنوان روايتـه (المدينة السابعة والعشرون) تدور حول
براءة مدينة تقع غربيّ وسط الولايات المتحدة الأمريكية ـ حول (سان
لويس) وطموحاتها في زمن اللا اكتراث والحيرة ـ. كانَ متلهفاً لـ
45 دقيقة لقاء مع أحد مقدمي البرامج الإذاعية المفتوحة مساءً.
اعتقد أن المقابل سيكشف المخفي من المواضيع في الكتاب. ظهر المذيع
متمرساً في عمله كروتـيـن، وجهه ذو سمرة لوّحتها الشمس، يناقش
بطريقة مزقت قلب الروائي، تدل بوضوح على أنه لم يتعدَ في قراءته
للرواية أكثر من الفصل الثاني. ميكرفونه المدوّي إزاءه يمرّ على
صفحات الكتاب كما لو أنه كان يأمل في هضم حبكة الرواية من خلال
السطح. شعر الكاتب بخيبة أمل غامضة. أدرك، على الفور، أن النقود
التي أعطيت له، الضجة حوله، ركوب سيارة مترفة لتقله للإذاعة، لم
تكن فوائد ثانوية للنجاح بل هي الجائزة الأصلية الأساسية لمن لم
يعد مهتماً بالأدب. حظي بـ 65 مراجعة للرواية، بعدئذ، كّلّها تدور
في فراغ. كانت مقابلته الإذاعية الأولى علامة على ذلك.
لا
يختلف هذا الروائي العصري عن حال معظم الأدباء العرب اليوم، الطامعين
في أن يطمئن القارئ لهم، بعد أن طبعوا كتبهم ليس لمجرد الطبع فقط،
ولكن للرغبة العميقة في أن يشاركوا بأفكارهم، أبناء جلدتهم والعالم،
كبشر قبل كل شئ، في قضايا تهمهم جميعاً، على ما يعتقدون. قضايا
الحرية، الوطن، الغربة، المرأة، الحروب، وخلقة الإنسان العويصة،
وما شاكل كما يتراءى لهم. باتت الحال بسبب الآلات الآلكترونية
السمعية والبصرية السريعة الاتصال، والمحبذ وجودها قربنا، معوقة
لقراءة الكتب الأدبية نفسها. القارئ لم يعد متمهلاً صبوراً بقراءة
الكلمة المطبوعة، بالتالي لم يعد قادراً على إنجاح مشروع الكتابة
على الورق. وكما لا يخفى، فإن القارئ والكاتب مسؤولان عن إنجاح
المشروع الكتابي للمهمة الأدبية كلها. بينما في حالتنا هذه، حيث
يتسلل الضجر إلى الطرفين معاً، يرون أنفسهما محاولين الضغط على
أزرار التلفزيون، مفتشين عن محطات فضائية تُلهي بالأخبار السريعة
الطازجة، بالتصفيق والتهليل الرياضي أو النقاش المتميز بالاختلاف
عمداً، أو ربما أفضل لو بحثوا عن هوائية تميل للرقص والغناء والفرفشة.
لم يبق إلا القليل ممن يستطيع أن يبلور أفكاره نتيجة قناعاته بدلاً
من وسائل الإعلام المتدفقة بألسنتها الطويلة مع الصورة، معظم الأحيان،
ولربما المتناقضة كلية عما سمع قبل دقيقة واحدة، ليصبح الدماغ
حُلية يرتديها المرء في المناسبات القليلة فقط. يظل التقرير المدرسي
من المستعرضين للكتب الأدبية في الصحف كعمل روتيني، مملوءاً بالأهواء
لإصدار الأحكام، وهو وحده من يقرر مصير الكتاب على الرغم من معرفة
معظم القراء ما يمتاز به من خداع وتضليل ولا موضوعية في أحوال
كثيرة. لكنه يبقى الوحيد بسبب كسل القراء في القراءة وعدم رغبتهم
في تقصي الحقيقة بأنفسهم. صار الذين كانوا يقرأون يعتذرون عن القراءة.
فلقد سأل الروائي الآنف الذكر، إحدى معارفه الشابات، ماذا تقرأ،
وكانت متخصصة باللغة الإنكليزية، أجابت: "تقصد القراءة الطويلة
؟. كما لو كنت تقرأ كتاباً من البداية إلى النهاية" ؟!. لن نذهب
بعيدا عن الحالة العربية المشابهة أيضا. قليلا ما يحظى كاتب الرواية
بمن يشد أزره، ويقوي عزيمته بعد قراءة كتابه حقاً، لكنه كثيراً
ما يحظى بأسئلة من الصحفيين أو المذيعين على طريقة جواب وسؤال،
دون اهتمام بالكتاب المقصود، بل الأكثر من ذلك، من دون أن يكلّف
مقدم البرامج أو المحاور نفسه عناء قراءة الكتاب، ليجعل سؤاله
مفهوما. آنذاك يضطر الكاتب للحديث عن نفسه بالإضافة إلى أعماله،
بما يوحي بتعلقه الشديد بحب ذاته المخلوط بجنون العظمة. الصفتان
المدمرتان لكاتب الرواية المسكين، الواجب تحاشيهما كالعثة، لكي
يتفرغ لأبطال روايته كلية، ناسياً نفسه قليلاً، اللهم إلا إذا
احتاجوا إليه، باللا شعور، لتفسير بعض الأشياء، بشكل غير مباشر
فلا يسبب خدوشاً في نسيج الرواية العفوي. لأول مرة في السنين الأخيرة،
تمارس السوق التجارية الضغط بشكل محسوس على الرواية الأدبية. يفضل
معظم الناشرين اليوم المواضيع المثيرة التي تنتهي إثارتهها، كالموضة،
بعد فترة قصيرة. يتصرفون مع النصوص الأدبية كما لو كانوا بإزاء
مكنسة كهربائية أو آلة كومبيوتر أو قلادة خرز. يبدو أن المجتمعات،
في معظم أرجاء العالم، والتي غدت استهلاكية بحتة، لا تساعد في
الكتابة العميقة الجذور، عندما تعالج قضايا وأموراً مستمرة في
الظهور في المجتمع البشري نتيجة طبيعة وتركيبة الإنسان، كما اهتمت
وعالجتها الكتابات الكلاسيكية الدائمة الخضرة في القديم. بل يُفضل
عليها اليوم البضاعة التهريجية التي تلفت النظر وهي ذات ربح مادي
وإن كانت سريعة العطب وسترمى قريبا. هذا الواقع سيقتل الروائي
الجيد، كما يبدو، الذي لا يتقصد البحث عن الموضة، عارفاً سرعة
ذبولها وأهميتها بمدة قصيرة، مفضلا أن يلقي الضوء على طريقة غض
الطرف الأخلاقي عن الزوبعة الفعلية الدائرة رحاها حوله في العالم
كله. هذا من ناحية أما من الناحية الأخرى فالبعض يعزو السبب الكبير
لأفول الرواية الاجتماعية الجادة هو أن وسائط التكنولوجيا الحديثة
تنافسها وهي أكثر استعداداً منها، فالتلفزيون، الراديو، الصور
الفوتغرافية، والمجلات قادرة على جمع وإعطاء معلومات ضخمة وبسرعة
فائقة تفوق سرعتها.
يقول
الروائي جونثون فرانزن أيضا: "إن من الواضح أن النشر اليوم هو
تابع لهوليوود. الرواية التي تثير ضجة هي البضاعة الجماهيرية من
أجل البيع.. يمارس السوق الضغط على الرواية الأدبية كي يكون واجب
الأديب التسلية. لذا عندما يرى الكاتب أن الكلمة المطبوعة هي الأداة
الكاملة للتوصيل وهي ذات سلطة بحكم طبيعة عمله، يكون في نفس الوقت
ضد الشخصية التلفزيونية. من المفيد التذكر أن الروائيين الأميركان
المهمين اختاروا بحرص عزلتهم، في بلد يبحث عن الدعاية دوما منهم:
سينجلر روث، دون ديليلو، وليم كادس، آن تايلر وغيرهم. كل هؤلاء
اختاروا أن لا يقبلوا بالمقابلات إلا قليلا، لا يقومون بأي تدريس
أو رحلات، وفي بعض الحالات لا يميلون إلى التقاط صور لهم".
أكثر
الأمور حزنا ومأزقاً للروائي، أثناء صدور كتابه، أن يجد نفسه،
وجها لوجه، مع أُناس لا أمل فيهم في قراءة روايته، وفي نفس الوقت
يطلبون منه أو من غيره أن يشرح لهم مغزاها وأهميتها. يضطر آنذاك
أن يتحدث عنها، لكنه في الصميم يعاني وهو يشعر بخيانتها وانتهاك
حرمتها، تلك الحرمة كون لها شخصيتها وصارت كيانا مستقلا. بوده
أن يتركها تتحدث بكلماتها المطبوعة بنفسها، بأسلوبها أو بطريقتها
التي صيغت بها أصلاً، من دون مساعدته الخارجية. يُصبح كالزوج البعيد،
الهارب من زوجته يتحدث بلسانها أو يكون الأمر معكوسا.
سميرة
المانع: كاتبة عراقية تقيم في بريطانيا.
almananiazi@supanet.com
مجلة الواح