البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

<<الناجون من التعذيب>>:
تبدأ حياة أخرى ومعها عذاب آخر

نعيش في مدننا وفي بيوتنا غافلين معظم الأحيان عما يدور في العالم الذي يحيط بنا. التعذيب! لا يزال يمارَس ضد بشر مثلنا كل ذنبهم أنهم يخالفون البعض في الرأي او يعارضون نظاما ما او يريدون تحرير أرضهم. أن يتعرض الانسان للسجن بحكم القانون شيء وأن يتعرض للخطف والتعذيب، من دون محاكمة، من أجل الحصول على معلومات او إلزامه <<بالاعتراف>> بأنواع جرم لم يرتكبها، هو شيء آخر مخالف لأبسط بديهيات حقوق الانسان. وأعتقد أن من واجب كل منا القيام بما يستطيعه من أجل الوقوف في وجه هذه الممارسات ورفضها.

أصدر المركز الدولي لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب بالاشتراك مع المعهد العربي لحقوق الانسان كتابا بعنوان <<الناجون من التعذيب>>، وارتأيت ان أفضل طريقة لتقديمه هي في تلخيصه وعرض أهم ما جاء فيه، خاصة لإطلاع القارئ على عمق المعاناة وحدة المشاكل التي قد تنتج عن مثل هذا الامر ويقع ضحيتها من تعرض للتعذيب.

أتى في المقدمة أنه أول كتاب تعليمي حول الرعاية الطبية لضحايا التعذيب نشر سنة 1987، ما يعني أن الكتابات حول هذا الموضوع جديدة نسبيا.

موضوع التعذيب ليس جديدا فهو متجذر في التاريخ الانساني وهناك وثائق عن التعذيب منذ أيام رمسيس الثاني. وكان التعذيب في أوروبا في العصور الوسطى يمارس علنا فهو ممارسة معترف بها وتجلب متفرجين متحمسين. لكن خفت التعذيب في أوروبا منذ بداية القرن التاسع عشر بسبب مهاجمة الفلاسفة له وكفاحهم ضده فاختفى منذ 1874. لكنه عاد الى الظهور واستخدم مجددا أثناء الحرب العالمية الثانية وأخذ يتسع مداه منذ ذلك الحين على نحو خطير. وبحسب منظمة العفو الدولية فإن التعذيب موجود في ما يقارب نصف بلدان العالم، وحتى في العالم الغربي، بالرغم من جميع الاتفاقيات الدولية المناهضة للتعذيب. وينتمي اللاجئون الناجون من التعذيب الى بلدان أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا وخاصة الشرق الاوسط. وقد يكون صعبا ضبط أعدادهم بدقة نظرا الى أنهم لا يجرؤون دائما على الاعتراف نظرا لخوفهم من الانتقام.

ويستخدم التعذيب كأداة سياسية تمكّن الحكام من السيطرة على مجريات الأحداث، خاصة عندما تشعر دولة ما بأنها مهددة في شرعيتها من قبل من تسميهم الأعداء الداخليين او الخارجيين فتلجأ الى التعذيب المنظم لقمع المعارضة. وهو من سمات الدول ذات الحزب الحاكم الواحد لكن ذلك لا يمنع ان بعض البلدان الديموقراطية تلجأ الى التعذيب.

وتتخيل الدول طرق تعذيب مبتكرة وهو قد يمارَس في أماكن ومراكز شرطة قريبة من مراكز السكن ومعروفة، لكنه قد يتم أيضا في أماكن مجهولة. ونجد من ضحايا التعذيب شخصيات مرموقة ناضلت ضد الطغيان ومن أجل الديموقراطية في بلادها او تنتمي الى أقليات عرقية او ثقافية. والناجون من التعذيب هم غالبا مسؤولون نقابيون او صحافيون او مدافعون عن حقوق الانسان او قادة جامعيون...

الهدف من التعذيب محو الفرد، فهو قد يحطم شخصية الضحية على نحو يغير حياته الخاصة والاجتماعية الى درجة أنه قد يحط منها تماما. والمشكلة ان التعذيب لا يتوقف حتى عندما تُنتزع المعلومات من الضحية. فرغبة الجلادين هي تحطيم إرادة الضحية وجعل الشخص <<ميتا حيا>>. كما انهم قد ينجحون في جعل الضحايا مخبرين. ومن أهدافه ايضا التطهير العرقي. أما النظام العراقي فقد استخدمه للترهيب والقمع وإخافة السكان وترويعهم من أجل السيطرة عليهم وعلى مقدرات البلد.

يعالج الكتاب الجانب الأخلاقي من التعذيب في إشارة الى دور الجهاز الطبي في هذا الموضوع. وان مشاركة أطباء وممرضات وغيرهم في التعذيب لأمر مؤلم تماما ولكنه موجود مع ذلك. وقد شاهدنا على شاشات التلفزيون ضحايا عراقيين تم عقابهم بواسطة قطع اليد من قبل أطباء. وبحسب شهادات الناجين يشارك طبيب وممرضة في 40 50% من الحالات.

وقد يُجبَر هؤلاء الأطباء على خرق القواعد الاخلاقية والقسَم الذي قاموا به. فقد يكون من العسير على من هم في رتبة أسفل عدم تنفيذ أوامر من هو أعلى منهم في السلم الوظيفي.

الأطباء

ونوقشت مسألة مشاركة أطباء في وضع مختلف تقنيات التعذيب، فهذه الأخيرة على قدر من الجودة والنجاعة بحيث لا تترك مجالا للشك في أن محللين وأطباء نفسيين شاركوا فيها.

اما عن معرفة الطريقة التي يشارك فيها الأطباء في التعذيب فهم قد يُجبَرون الى حد كبير، على خرق القواعد الطبية. ونجد في المقام الاول أطباء السجون والأطباء العسكريين والأطباء الشرعيين ويسمّون <<أطباء معرضين للخطر>>، فهم يعملون في أماكن تحتمل هذا الخطر ثم هم في أطر تكون التراتبية فيها صارمة ولا يستطيعون التقاعس عن تنفيذ أوامر من هم أعلى منهم. واضافة الى السجون هناك الاقسام المغلقة في مستشفيات الطب النفسي التي تحمل نفس الخطر. ولكن من هم هؤلاء الاطباء؟ هم في معظم الأحيان أطباء شبان وقع انتدابهم، بعد إجراء الامتحانات، للعمل في السجون او في الجيش.

غالبا ما يشارك الأطباء في فحص السجناء قبل التعذيب، ولكن ليس غرض الفحص معرفة ما إذا كان السجين يعاني من مرض يتطلب علاجا بل للبحث عن وجوه من الوهن في تكوينه الجسدي على نحو يمكن من تركيز التعذيب على هذا الجانب. ولهذا نجد أن التعذيب قد يتمثل في حرمان المرضى من أدويتهم او عدم إعطائهم الغذاء الكافي او وضعهم في زنزانات بائسة. كما ان الأطباء يسيّرون التعذيب ويوجهونه حتى لا يموت السجناء تحت التعذيب، فليست هذه هي النتيجة المتوخاة، لذا يستعين الأطباء بالحقن على نحو يمكّن من مواصلة التعذيب. وهناك مشاركة طبية في المستشفيات النفسية المغلقة حيث يعتبر معارضو النظام أشخاصا غير أسوياء ومجانين ويتم حقنهم بأدوية منومة شديدة المفعول طيلة أشهر وربما بمقادير تجعلهم مجانين مؤقتين. كذلك يُحقَن بعض السجناء بالمورفين كرها قبل إطلاقهم بما يجعل منهم مدمنين ويرسخ الاعتقاد أن معارضي النظام أفراد عديمو المسؤولية والأخلاق.

تطرح هذه الممارسات الكثير من المسائل الأخلاقية: هل على الطبيب الاستجابة لاندفاعه الطبيعي ومساعدة المريض المحتاج الى علاج؟ أم ان عليه ان يمتنع طالما أن السبب الحقيقي للعلاج هو مواصلة تعذيبه؟ والرأي السائد أن على الطبيب الامتناع عن المعالجة وإلا أصبح شريكا في الجريمة اللهم الا اذا طلب السجين ذلك.

والتعذيب مثل وباء الطاعون، ينتشر في العالم كله. كذلك تنتشر معارضته على قدر انتشاره ومن غير المقبول تجاهله بعد الآن وعدم الاهتمام به. لذا يجدر القيام بالتعريف بالاتفاقيات والاعلانات الدولية المناهضة للتعذيب، من أجل تطوير وسائل مكافحة هذه الآفة ولكي لا يمكن التذرع بالجهل بعد الآن. وهذا ما يقوم به الكتاب في الفصل الثالث من أجل التأثير في النقاشات داخل البلدان التي يجري فيها التعذيب حيث يجهل السكان عموما جميع حقوق الانسان.

يُخصَّص الجزء الرابع من الكتاب لطرق التعذيب وأثر كل واحد منها على الضحية. وهناك طرق تعذيب جسدية وطرق تعذيب نفسية. ويبدأ تحطيم الشخص في مرحلة مبكرة وخلال فترة طويلة نسبيا، يُنغَّص خلالها عيش الأشخاص عبر تهديدهم وضربهم واختطاف أبنائهم وإزعاجهم عبر منعهم من إكمال دراستهم او عملهم الى أن يتم التوقيف ذات يوم في وقت مبكر جدا او متأخر في المساء بطريقة تروع فيها العائلة بأكملها وتحطم الألعاب والأثاث ويضرب الكبار والصغار وتهان الزوجة وتقتل الحيوانات الأليفة. يشعر الأبناء عندها بأن الوالدين غير قادرين على حماية نفسيهما او حمايتهم. ويعتقل الجنود رب العائلة او الوالدين تاركين الاولاد بمفردهم. يؤخذ المعتقل الى مكان مجهول بعد ان يلقى في السيارة. لكن قد يكون مكان الاعتقال معروفا من الناس. منذ البداية يتعرض الضحايا لاعتداءات عديدة وحشية وغير منظمة لإبقائهم في حالة خوف دائم. يتعرضون للتعذيب المنظم الذي يهدف الى التحطيم وإنهاك الضحايا، يُستعمل فيها الصفع والضرب والاستنطاق لساعات طويلة ويُحرم الضحايا من الطعام والشراب ومن استخدام المرحاض ومن النوم ويتعرضون للاهانات وعليهم ان يكظموا كل ذلك، ما يؤدي الى القلق العميق.

أنواع التعذيب

طرق التعذيب الجسدي تتمثل في: الاعتداءات الجسدية وتعذيب الاسنان (كسرها واقتلاعها من دون مخدر...) والتعليق واوضاع مخالفة لوظائف الجسم (التعليق من القدمين او من الاطراف والبطن الى اسفل او من اليدين او الوضع في قفص صغير في وضعية مطوية)، والتعذيب بالكهرباء في الاماكن الحساسة (الفم، الاسنان، الشفتين، والثديين والاعضاء التناسلية، او اي تجويف آخر). يُستخدم الاختناق ايضا والتعذيب الجنسي (اعتداءات ادخال ادوات غريبة ومؤذية واغتصاب...) والتعذيب بالعقاقير (جعل الضحية مدمنة على المخدرات او ادوية مضادة للذهن من دون حاجة إليها)، والتشويه والحروق.

أما عن التعذيب النفسي الذي يفضي الى العجز البالغ ويشكل اعتداء عنيفا على سلامة الفرد، فيبدأ بالحرمان. يُعزل الشخص بعد توقيفه ويُمنع من الاتصال بأحد. فيجهل السجين مكان ايقافه ولا يدري اذا كان هناك من يعلم عنه شيئا، ويُمنع عنه الاتصال حتى من قبل محام. كما يعرِّض ذلك السجين لضغط نفسي شديد ويجد نفسه في حالة عجز. وقد يمتد العزل لاشهر ولسنوات طويلة تناهز العشرين عاما (كما حصل مع رياض الترك). وقد تجعل هذه الفترات بعض السجناء يهلوسون مما يقوي شعورهم بأنهم اصبحوا مجانين. وغالبا ما يُمنع السجين من النوم بواسطة الضوضاء الشديدة او تسليط الضوء او ايقاظه بواسطة الماء. وقد ثبت ان العزل المطول يولد مشاكل نفسية طويلة الأمد. يتم اللجوء في التعذيب النفسي الى جعل الضحية تشاهد تعذيب الآخرين وسماع صراخهم او إجبارها على تعذيبهم بنفسها. ويروي بعض الناجين ان تلك الاصوات لا تفارقهم ابداً ويستعيدونها في حيواتهم العادية وفي كوابيسهم. وهناك شهادات تُروى عن ابناء أُجبروا على جلد أهاليهم الى ان التصق جلدهم ولحمهم بالآلات التي استخدموها. ويتذكر الناجون كل تفصيل وكل لحظة ويقولون انهم احسوا كما لو ان الحياة توقفت او انهم اصبحوا مفرغين من الاحاسيس. ومنهم من يشعر بأن جسده وروحه قد انفصلا.

الانتظار هو وسيلة من وسائل التعذيب النفسي: ان تنتظر دورك (معصوب العينين) لكي تخضع للتعذيب بينما انت تستمتع الى تعذيب شخص آخر. أما الوسيلة الاخرى، فهي الاختيار المستحيل اذ يقترح الجلاد على الضحية ان تختار إما اعطاء المعلومات المطلوبة (مثل اسماء رفاق وعناوينهم) واما ان تعذَّب الضحية وابناؤها ويُغتصبون امامها. في الواقع هي مسألة <<لا اختيار>>، ومهما يكن خيار الضحية فإن النتيجة محددة مسبقا ومؤلمة للضحية وينتج عنها شعور بالذنب. هناك ايضا التهديدات، فيهدد الجلاد الضحية بتهشيم اعضائهما واعاقتها واعتقال افراد عائلتها، والايهام بالاعدام، حيث تؤخذ الضحية باكرا (بعد اعلامها ليلا وطلب عمل وصية) ويتم تمثيل جزء السيناريو المفتعل وتقتاد الى غرفة وتعصب عيناها ويتم اطلاق الرصاص بمسدس غير مزود بالذخيرة.

آثار وعواقب

الانعكاسات النفسية بعد التعذيب هي اكثر ما يجعل الانسان عاجزا، فهي ردود فعل عميقة ومؤثرة. بالطبع لم تتوضح بعد آثار التعذيب النفسي تماما على الضحية، لكن لا شك في ان ردود الفعل تختلف باختلاف عوامل السن والجنس ومدى القناعة السياسية او الخلفية الثقافية. وقد قام باحثان أستراليان بتحليل منشورات 12 مركزا لاعادة تأهيل اللاجئين في اوروبا الغربية واميركا الشمالية فأمكنهما ان يلاحظا ان الضحايا يعانون من اعراض نفسية مزمنة ويتعرضون لجروح خطيرة اثناء التعذيب لا يتم التبليغ عنها. كذلك وجدت دارسة دنماركية ان اكثر السمات التي تتبع التعذيب بروزاً هي الكوابيس المتواترة والاعراض الانفعالية (القلق والاكتئاب المزمنان) والاحساس الذاتي بتغير الهوية. ولم يقف الدارسون على حالات شفاء تلقائي (من دون علاج) عند من تم فحصهم. وقد تمر اشهر وسنوات قبل ان تظهر على الناجين من التعذيب اعراض ردود الفعل النفسية اذ تستنفدهم الطاقة الضخمة التي يبذلونها من اجل تدبر امورهم والهرب من بلادهم والاهتمام بسلامة عائلاتهم ولمّ شملها وتدبير احوالهم في البلدان التي يلجأون اليها. فلا تبدأ ردود فعلهم في الظهور إلا عندما يتحصلون على اللجوء ويتوفر لهم بعض الاستقرار. كما ان ضحايا التعذيب، شأنهم شأن المساجين، يصبحون شديدي التحفظ لانهم يخشون إلحاق الضرر بأقربائهم الباقين في بلدهم. وقد يشعرون بالذنب لانهم يعدّون انفسهم مسؤولين عما آلت إليه احوال ابنائهم وأقرانهم. من هنا نجد ان خطر الانتحار يكون ماثلا.

في ما عدا ذلك يمثل القلق ومشاكل الأرق والكوابيس ثالوثا شديد الوطأة والتواتر. فنومهم سيئ بشكل عام، متقطع وسطحي وقد لا يدوم لاكثر من 3 او اربع ساعات متتالية. وقد يكون اضطرارهم الى اجراء معاملات مع اشخاص بزيهم الرسمي اكبر باعث على القلق في نفوسهم، فهم يصابون بالذعر وقد لا يصلون في الموعد...

وهم لا يشاركون الآخرين بما عاشوه، فيعيشون الذكريات وحدهم ويخافون بالتالي من الاصابة بالجنون. والناجي من التعذيب يلازمه شعور آخر بالذنب، فهو يسأل نفسه دائما لم نجوت بينما الآخر (او الآخرون) مات؟ وقد يكون للشعور بالذنب اسباب اخرى تتعلق بما تعرضت له عائلته فعليا مثل ايقافها او تعذيبها وقتلها. ومن ردود الفعل المتواترة نجد التعب والتوتر الشديد، فهم يشكون من قلة استقرار الشعور فيصبحون سريعي الغضب ويجدون صعوبة في التحكم بمشاعرهم. أما الذين خضعوا لتعذيب جنسي فتتكون لديهم صورة سلبية عن ذواتهم ويشعرون بالخزي والإثم ويعتقدون انهم فقدوا كرامتهم. وتبرز لديهم المشاكل الجنسية بدءاً من نقص في الرغبة الجنسية مما يؤدي الى مشاكل مع القرين. وبما انهم يترددون في الكلام عن الاعتداءات الجنسية التي تعرضوا لها، تزداد مشاكلهم مع القرين الذي يجد صعوبة في فهمهم. وغالبا ما تقل قدرتهم على التركيز بسبب ضعف ذاكرتهم الامر الذي يجعلهم يخشون من ان الجلادين قد اتلفوا لهم دماغهم، كما بسبب التهديد الذي طالما كُرر امامهم. ومن الآثار الخطيرة نجد النزعة نحو الانزواء والشعور بهوية متبدلة اذ يصعب عليهم التعرف إلى ردود فعلهم الذاتية الامر الذي يصيبهم بالهلع.

اما آثار التعذيب الجسدي، فتنعكس امراضا مزمنة والتهابا في الكبد والاسهال وتهيج القولون والامراض الصدرية المزمنة التي قد تنتهي بالموت. وهناك آثار نفسية مباشرة واخرى تظهر بعد مدة، في الاذنين والانف والحنجرة وفي الاسنان والقلب (3 من اربعة) والقناة الهضمية (70% منهم يعانون منها)، والجهاز البولي والتناسلي والجهاز العصبي المركزي والعصبي المحيط. لكن الامر لا يتعلق بمعاناة الناجي من التعذيب وحده، فقد تمت ملاحظة بعد الحرب العالمية الثانية ان الصمت، او ما لا نقوله عن الاحداث المسببة للصدمة النفسية، يؤثر في الاطفال برغم ذلك فينتحل هؤلاء قصص الآباء ويختلقون الاستيهامات حولها وحول <<الأسرار العائلية>>. فالاحساس بالخجل ينقل الى الاطفال بشكل لاواع. ولقد تسنى ملاحظة ان تجارب التروما التي تعرض لها الاهل تطبع الاطفال، خاصة ان التوقيف الشرس والعنيف لأحد الوالدين، او لكليهما، يحصل امام اعينهم فيترك آثاراً بالغة العمق. وينجم عنها عذاب نفسي للاطفال ويصبحون ضحية تصوراتهم وخيالاتهم التي قد تكون اكثر فظاعة من الواقع.

ولقد تبين من فحص ابناء الناجين من التعذيب انهم يوسَمون بعلامة او اكثر ذات دلالة على المرتبط بأشياء واقعية مثل الظلام والحرب والقنابل والاسلحة والطائرات والماء والارتفاع، في حين اشتكى آخرون من الصداع والمغص ووجع الاطراف والاضطراب في النوم، كما سجل الاكتئاب والنكوص. كما يجد هؤلاء الاطفال صعوبة في التركيز في دراستهم.

فعندما يتعرض الاولياء للصدمة والتعذيب يكون هذا مصدر تهديد جدي لنمو شخصية هؤلاء الاطفال ورفاهيتهم. هذا عدا عن ان الاطفال انفسهم عرضة للتعذيب ولانواع عنف اخرى. وتبين التجربة تزايد حالات تعذيب الاطفال.

اخيراً من المهم تقديم مثل هذه المؤلفات للقارئ العربي، الذي يتبين انه يعيش في اكثر المناطق عرضة لانتهاك حقوق الانسان، مثل السجن والتعذيب والاضطهاد وقمع حرية الرأي، وهو مع ذلك قد يكون اقل الناس معرفة بما يجري حوله. فهل نسأل انفسنا عن الاجيال التي نساهم في عذابها النفسي وعدم تكيفها مستقبلا خاصة بعدما علمنا من ممارسات تغافلنا عنها وصمتنا؟ لذا يُعد هذا الكتاب من اهم الكتب التي تقدَّم لنا ولو انها لم تشر الى انظمة بعينها إلا بشكل خجول وغير واضح، فالقمع يلفنا من جميع الجهات. وعندما نتجرأ على الكتابة نُنعت بالعمالة والخيانة وببيع انفسنا، لكن من غير الواضح من الذي يشتري هذه الأنفس حتى الآن، وما هي مصلحته؟؟

 

فياض منى - ملحق السفير


 

Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri