البداية | تحديث | طباعة | إضافة الموقع

 

جاهدة وهبي غنّت من غونتر غراس

"الانجازات الثقافية الكبيرة تتولد من الاختلاط ومن التأثيرات الوافدة من الخارج، أما الثقافات التي تعزل نفسها فتصاب بالجفاف مع مرور الوقت وتصبح بدائية وتخسر جمهورها وكذلك الدور المنوط بها". انه ما قاله غونتر غراس الشاعر والروائي الالماني الذي فتح بيته للقاء القصائد وغنته المطربة اللبنانية جاهدة وهبة بكلمات عربية تولت ترجمـتها الشـاعـرة العراقية أمل الجبوري، ويحكي في هذا المقتطف، جزءاً من أهمية "التجربة الاممية" التي تخالف في الواقع والفعل ودور العقل في النشاط الانساني كـل المفاهيم "الحتمية" لصراع الحضارات.

غونتر غراس - جاهدة وهبة ثنائي ألماني - عربي، يحمل جذور الكلمة البليغة والضاربة في العمق على اجنحة أصول اللحن والموسيقى والصوت الشجي الذي تملكه جاهدة وتتملك اصول ادائه وتتحكم في طبقاته حتى النشوة والسكر من اللحن والقصيد معاً.

ظهرت التجربة الفريدة هذه مع دخول الكلام الالماني الى الشعر العربي، ومع خروج، بل محاولة اخراج، الواقع العربي الفني من الاسفاف والتسطيح.

"كانت هناك بلاد تسمى المانيا/ جميلة منبسطة وعالية/ لا تعرف ما تريد/ صنعت حرباً/ لانها ارادت ان تكون في العالم كله (...)" جزء من رسالة الحضارة الى العالم وصوت شاعر محمول على اللحن والنغم، ان الانسان يريد التفاعل مع الآخر وحضارته ويريد ان يكون في العالم كله، لكنه غالباً ما يخطئ السبيل، وان لم يفعل لا يمكن ان يصحح السبيل الى لالتقاء والعناق في الحب وليس في الحرب:

"لا تمض الى الغابة/ بحثاً عن الاشجار/ ففي الغابة غابة/(...) دع الخوف/ الخوف يعبق بخوف/ (...) لا تشرب من البحر/ فمذاق البحر يصبو الى المزيد/ ومن يشرب من البحر/ سيكون ظمآناً الى المحيطات/ لا تبن لك بيتاً/ والا صرت بيتاً/ ومن يقبـع في البـيت/ يكـون فـي انتـظـار الزائر المتأخر ليفتح له/ لا تكتب رسالة/ سـتؤول الرسـالةـ الى الارشيف/ ومن يكتب الرسالة/ يوقّع/ على بقاياه".

بين الرسالة المكتوبة والصوت حكاية كلمة، الكلمة التي حضنتها جاهدة بايقاعاتها المتنوعة تنوّع ثمرات الحب في حديقة الحياة يرتفع القانون، ينخفض الكمان، يحنو العود، يتهندم الصوت بالموروث البيزنطي ويتبختر على الانشاد الاسلامي متمنطقاً بالتواشيح الى التجويد، الى الفلامنكو الزاحف من غياهب الاندماج الحضاري بين العرب والاندلس.

ومثلما حمل الفينيقيون الحرف الى العالم الذي ولد نتيجة اختبارات حضارية متعددة ممزوجة ومخلوطة وبالتأكيد منسقة لمولود جديد، هكذا حملت جاهدة وهبة هذا الإرث الفني العريق من شاطئ الحرف المشرقي الى احفاد العراقة الجرمانية المدفوعين شغفاً لاحتلال العالم بالقلب والحب واجتياحه، لانها "تريد ان تكون في كل العالم" ولكن هذه المرة على سفن ترفع الشراع للتفاعل لا للصراع بين حضارات الكوكب الارضي.

 

ملحم رياشي


 

Copyright ©2002-2003 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri