
دون
كيشوت.. وعنترة بن شداد
لو ان استطلاعاً للرأي
العام العربي الثقافي، تم اجراؤه في هذه الأيام، حول الرواية
العربية الأكثر أهمية، والتي يتمنى المثقفون العرب ان يطبع
منها مليون نسخة دفعة واحدة، توزع مجاناً على امتداد الامة
العربية، من أجل النهوض بالوعي العربي القومي ضد الغزاة، وضد
التخلف والتمزق والهزيمة والانهيار، فما هي الرواية التي سوف
يختارها هؤلاء المثقفون؟
أظن ان هذا الاستطلاع
المتخيل، والذي يقارب الخيال فيه سقف الوهم، في سياق الواقع
الذي يصدر عنه، وهو يفتقر الى الخيال في الأساس، سيخرج بنتيجة
واحدة واقعية جداً، ذات قوة واقعية مسيطرة الى حد مقاربة الحقيقة
التي لا تحتاج الى مساءلة، هي انعدام وجود هذه الرواية.
الظن منطقي في هذا الشأن،
وواضح في دلالته. فلو كانت الرواية المعنية موجودة أصلاً،
ما كانت الدعوة الى معناها ملحة الى حد البحث المنهك عنها.
وإذا أقمنا الاستطلاع
المتخيل على سؤال مغاير، دون ان نبتعد عن الهدف، مثل: ما هو
الموضوع المهم الذي يرغب الروائيون العرب في الكتابة حوله،
كي يكون محوراً لرواية قومية يجتمع حولها الرأي العام العربي
الثقافي، لنطبع ونوزع منها مليون نسخة مجاناً.. إلخ، فلا أظن
ان النتيجة ستكون مغايرة عما سبق، ذلك انهم سوف يختلفون كثيرا،
مما يوحي (بل يؤكد) بانعدام وجود هذا الموضوع.
والظن هنا ذاته، منطقي
وواضح، فلو كانوا متحدين على الموضوع سلفاً، لكتبوه، دون أن
يسألهم أحد.
النتيجة هي العدم؟!
تشاؤم مؤلم، ترفضه إرادة
النهوض الثقافي بالامة العربية، في وقت يتحطم فيه “عقل” هذا
النهوض تحت خرائب المرحلة الراهنة. ماذا يفعل الرفض كي يتحول
الى فعل على الأرض؟
قبل أن أبحث في هذا
“التحول” أو عنه، أشير الى ما حفزني الى هذه المخيلة. وهو
على الفور، حافز من خارج المكان العربي، ومن خارج الثقافة
العربية، رغم انني أدركت لاحقاً، وببطء شديد، انه هو نفسه،
وبالضرورة، جزء من هذا المكان، ومن هذه الثقافة.
جاءني الحافز من خبر
صغير، كنت قرأته مثل جميع الناس، قبل بضعة اسابيع (بالتحديد
في 17/4/2005)، فأثارني، مما دفعني الى ان أقصه من احدى الصحف
المحلية، واحتفظ بقصاصته بين أوراقي. الخبر عن رواية “دون
كيشوت”. الحافز بذلك، هو هذه الرواية التي أبدعها الكاتب الاسباني
ميغيل دي تيرفانيتس، قبل أربعمائة عام. الحافز على الأصح،
هو “دون كيشوت دي لا مانتشا” بطل هذه الرواية التي جعلت من
اسمه عنواناً لها. هذا البطل المكافح الصلب في سبيل المثل
العليا. غير انني للمرة الثالثة، ارى ان مصدر حافزي كان طرفاً
آخر أنعش الرواية وبطلها في سياق شعبي عام، على مستوى معاصر
يستلهم الخيال من اجل تغيير الواقع المسيطر، هو الرئيس الفنزويلي
هوغو شافيز الذي حاولت الولايات المتحدة بقوة هذا الواقع ان
تعزله عن قيادة شعبه، قبل بضعة أشهر، ولا تزال تكرر المحاولة،
للاستيلاء على نفط بلاده، حيث يقول الخبر، ان هذا الرئيس اشرف
بنفسه على طباعة مليون نسخة من رواية “دون كيشوت” وزعت مجاناً
على الشعب الفنزويلي في ولاياته الاربع والعشرين “حتى يُمعن
المواطنون الفنزويليون في مثال هذا البطل الذي حارب طواحين
الهواء ملاحقاً مُثله العليا”.
وينقل الخبر عن شافيز
الذي يواصل قيادة شعبه ضد محاولات الغزو الامريكي المتكررة،
قوله “سنقرأ جميعاً دون كيشوت، لنتغذى أكثر من روح مكافح أراد
احقاق الحق وتصحيح العالم. اننا جميعاً اتباع لدون كيشوت،
الى حد ما..”.
شافيز في هذا المعنى،
يتحول بنفسه الى دون كيشوت، وهو يسعى الى تحويل كل مواطن فنزويلي
الى دون كيشوت. “كلنا دون كيشوتيون”، في مواجهة “طواحين” أمريكا.
أمريكا هي طواحين الهواء. طواحين العولمة الاستهلاكية، والغزو
والقرصنة الجديدة والسطو المسلح، على امتداد القارات.
دون كيشوت هو كل مواطن،
عبر هذا الامتداد، يرفض الاستسلام للطواحين الطواغيت، وينهض
الى قتالها، بشجاعة وتصميم.
عند هذا الحد من الحافز،
أعود الى ثقافتنا العربية. هل لدينا دون كيشوت عربي؟ أو على
الاقل، هل يمكن لنا ان نستلهمه؟ من المؤسف ان ثقافتنا السائدة
لا ترى في هذه الشخصية “دون كيشوت”، سوى “المغامرات الزائفة”
و”الخيال الجامح الذي يؤدي الى سلسلة من المفارقات المضحكة”.
وقد تكرست هذه الرؤية السلبية لديها، حتى ان “الدون كيشوتية”
أمست عندها، تعني “الذهنية التي أفسدتها المثالية الموغلة
في البعد عن الواقع” والتي تتوافق بالنسبة لهذا المعنى، مع
الغباء والتخلف، وربما مع الجنون.
لست أدعو على اية حال،
الى طبع مليون نسخة من رواية “دون كيشوت” بلغتنا العربية،
وتوزيعها مجاناً من المحيط الى الخليج. ثمة في لغتنا العربية،
دون حاجة الى الترجمة، ما يستحق الدعوة. نستطيع مثلاً، طباعة
وتوزيع مليون نسخة من ديوان “عنترة بن شداد”! لا مجال للضحك.
فالمسألة جد. عنترة العربي فارس، بل هو أبو الفوارس. ودون
كيشوت الاسباني الفنزويلي فارس. والأول له تابع اسمه شيبوب.
والثاني له تابع اسمه سانكو بانزا. وكما للأول حبيبة اسمها
عبلة، للثاني ايضاً، حبيبة اسمها دولسينا دل توبوسو. كلاهما
على صهوة حصانه. وكلاهما يحارب الغزاة. واذا كان الثاني روائياً،
فإن الأول شاعر. وبقدر ما ان الرواية هي بيت الدون كيشوتيين،
فإن الشعر هو ديوان العنتريين.
هل يتم النهوض الثقافي
العربي ضد الغزو والاحتلال والخراب والضياع، بخطوة أولى تبدأ
بطباعة وتوزيع مليون نسخة من ديوان عنترة؟
يجوز لنا ان نضحك. الضحك،
وعكس ما سبق ان قلت، هو شكل من أشكال الجد، بقدر ما هو حنين
الهزل الى الجدية. أما ذهنيتنا المعاصرة التي قيل لنا ان “العنترية”
قد لوثتها، كما قيل لنا ان “الدون كيشوتية” قد أفسدتها، فإنها
تحتاج الى نسف هذه المقولات نسفاً. كيف يكون النسف؟ اقرأوا
ديوان عنترة، واندفعوا بمخيلة الفارس، أبي الفوارس، ضد الغزاة.
علي الخليلي