
ربـــــــيــع
شــــــعـــر
فــي
'أعــشــــــاب الصــــيــف'
"قل لي ماذا رأيت؟"،
جملة شارل بودلير في "أزهار الشر"، انتخبها عصام محفوظ، قبل
خمسة وأربعين عاماً، استهلالاً لكتابه الصادر لدى دار مجلة
"شعر"، في طبعته الأولى، "أعشاب الصيف" عام 1961. لكن الذي
يجمع بين الزهرة والعشبة في العنوانين، وبين الشر والصيف،
هو نفسه الذي يجمع بين شعر وشعر في العادة. إذاً، هذا الكتاب
كان محاولة محفوظ للإجابة عن سؤال الرؤية: قل ماذا رأيت؟ الجواب
يأتي على شكل كتاب اصفرّت أوراقه في أناقة "زمنية"، ظلت أمينة
لأناقة فنّية طالما أتقنها يوسف الخال في إخراج الكتاب وصناعته.
الحاصل أن لا شيء ينغّص قراءتنا هذه سوى انتباهنا إلى عبارة
صغيرة، "الطبعة الأولى"، ترد في مقدم الكتاب، لأنها مع كل
أسف لم تزل هكذا: طبعة أولى.
إذ يبدو مشروعاً اختيارنا
جملة في عينها، من هذا الكتاب، "يا بختنا لو أننا نموت في
أواخر النهار"، سيكون من حقنا ساعتئذٍ أن نسأل: هل حقق عصام
محفوظ أمنيته في الموت آخر النهار؟
لكن الموت الذي يحضر
في "أعشاب الصيف"، كاسياً وعارياً، لا يترك صفحة وشأنها، من
دون أن يقول فيها شهوته، معتصراً الحياة منها "من جثة صغيرة
خرساء/ والنَفَس المحشرج الحزين/ يختنق"، جاعلاً الأفكار ترتجف
"على مشدّ أبيض مكوّم/ على قفا جوربها الطويل/ بقرب ساق المائدة".
هو ديوان، بين ثلاثة
لعصام محفوظ، نجد فيه أغصاناً على مخبأ الثدي، وقمراً مصاباً
يصبح وليمةً للغربان، وما تبقّى في فم الشبّاك من عتمة الزاوية.
أحلام على الحصيرة
يمكننا، لاستكشاف أصل
التشكيل الشعري في قصائد محفوظ، انتقاء قصيدة تحمل عنوان "ولادة"،
وإعادة تركيبها. يقول الشاعر في افتتاح القصيدة: "في ملتقى
الجدار بالجدار/ أصابع معروقة السنين".
كمحاولة، يقفل الشاعر،
أو يحصر، منذ البداية، عالم القصيدة بين جدارين يلتقيان. إذ
ذاك يصبح العالم اللانهائي في عدد أشيائه أقل استحالة لقصيدة
تريد الاستحواذ على كل شيء. الصحيح أن هذه الجدران، التي لا
تلبث أن تحضر في أماكن مختلفة في قصائد الكتاب، تأتي هنا كضربة
استباقية، مقلّصةً مساحة المراد استعماره، أو استعماله. قال
الشاعر "ملتقى"، وكان في وسعه أن يقول "التقاء"، أو "لقاء".
لكن هذين الأخيرين يوحيان صيغاً زمنية، بينما يقترح الملتقى
صيغته المكانية. لكن؟
في الشطر الثاني للمطلع
إبطال لعجب الاختيار، تحديداً في لفظة "سنين" الزمنية. هذا
"الاستدراك" الذي قام به الشاعر، وازن بين كفّتَي المطلع،
مفسحاً المجال الشعري لحرية انتقال أكثر في وصف الأشياء، وتالياً
إعادة إنتاجها في صيغتها الشعرية قبل كل شيء. بعد مشهديات
الزوجة الخجول غير الممانعة، والموقد الذي يبرد كفم رضيع،
والقمر الشرير المتسلل إلى بيت عائلة مسكينة "تأكل أحلاماً
على الحصيرة"... تعود كفة الزمن لترجح من جديد: "لا، لا تهزَّ
سلّم الزمان/ لا تدّعي الشجاعة/ فتسقط الأعمار كالنجوم/ حبّات
تين ناضج/ حرمان/ قناعة/ والليل إلف الزمن الغريق". هذا الحزن
المطبق والمستحكم، الذي وسم قصائد الكتاب بميسمه، القصيدة
هذه على وجه الخصوص، لا يدع الشبق والجنس في منأى عن قبضته،
حتى يرينا امرأة وحشية، تنتظر أصابع مجهولة، تمزق بكارتها
"خلية خلية/ وفوق صدري الرحمُ الكبير/ يقطر بالدماء والدموع
والعرق/ ورغبة/ وموطن في الأرض مستحيل/ يطفئ جمر الجوع والشبق".
الصحيح، أن ورود مفردات، لا تقبل الشك في هويتها المعنوية،
وتوظيفها في نقيض معناها، منح القصيدة جمالاً مفارقاً: فالمخمل
الذي يوحي الرخاء والراحة، يتم استخدامه لإشاعة المزيد من
القلق والعوز، هذا إذا لم نقل استعماله "أرضاًً" لتكنيس الأحلام.
اللافت أن القصيدة تصل
الى منتهاها قبيل بلوغ ختامها، في التقاء رمزي - وعنيف - بين
وحدتَي الزمان والمكان، تاركةً للاستهزاء سلطة القطع والوصل:
"تهدّمت فوق الليالي القنطرة/ وانحلّ خصر الشارع/ ندامة ومغفرة/
باركْ على هذي القرى/ هذا أوان المسخرة".
الوتيرة المتصاعدة،
والتي تنخفض بعد ذلك، تستسلم للوصف مرة أخرى، فتقترح أكثر
من تعريف لليل: أصوات مكسّرة، رايات أحلام منكسة، غناء قبّرة
يحرث في أراضٍ مقدسة... قبل أن تعود، أي هذه الوتيرة، إلى
الارتفاع من جديد، في ختام القصيدة، من خلال لغة قاسية، لا
تتردد في استخدام البصاق والبول والتقرّح في مادتها: "على
فمي تقرّح الكلام/ وانطفأت عيناي جمرتين/ ورُمّدت شرارة السلام/
فوق جبيني بصقت إيزيس/ ولعنت ترابيَ الأيام/ ماذا تبقى لي/
في شاطئ بالت عليه الريح/ غير الهوى الممقوت/ وظل أنثى أجهضت/
وجسد جريح/ ينزف في أحضان عشتروت".
خشبة الشعر
القصائد جميعها مبنية
موسيقياً على تفعيلة "مستفعلن"، بحر الرجز، وجوازاتها بالطبع،
باستثناء قصيدتين اثنتين قامتا على تفعيلة "فعولن"، بحر المتقارب،
وهما: "حزن"، و"العيون الباردة". كذلك القصيدة الأخيرة "وعضّت
زليخة على الزهرة"، التي جاءت على تفعيلة "فعلن"، بحر الخبب
(المتدارك)، متضمّنةً مقطعاً نثرياً، هو قصيدة نثر مستقلة،
جاءت معترضة سير القصيدة الأصلية: قصيدة اعتراضية على مثال
ما نقول جملة اعتراضية. ولكن... قصيدة نثر اعتراضية؟
الصحيح أن العارف في
علم العروض والتفعيلة سرعان ما يتنبّه إلى محاولة الشاعر إخفات
صوت الموسيقى الخارجية، في أكثر من ثلث الكتاب، لصالح الموسيقى
الداخلية. على العكس من جيل السياب الذي كتب قصيدته في ضجيج
الأوزان الصريحة والقوية، لجهة أنه كان يعاني، أي جيل السياب،
إشكال الانتقال من الشكل العمودي إلى شكل التفعيلة، مما اضطره
إلى مواكبة هذا التحول بصخب موسيقي قارب أن يكون مارشاً عسكرياً
في أحيان كثيرة. يقول عصام محفوظ: "بوّابة القصر الكبير انفتحت/
وارتجفت/ ستائر القاعة والظلال"، فهذا المقطع على سبيل المثال،
استغرق فيه جواز "مستعلن" نصف تفعيلاته، مما قرّبه أكثر فأكثر
من النثر، و"أسعفه" بجرعة نثرية، وحساسية نثرية، إذا جاز القول.
فهذه التفعيلة - الجواز كثيراً ما تخدع سمع المتلقي، حتى يظن،
لحظة ورودها، أن خللاً ما طرأ على الوزن.
في القطعة النثرية،
الوحيدة في هذا الكتاب، نلحظ إيقاعاً لا يمكن إدارة الظهر
له، نسمعه قبل كل شيء: إيقاع تسنده شبهة الوزن، في معنى صوتيّته،
التي لا تلبث أن تستعيد كلمة أو جملة في عينها، كأنها قافية
ظل: "ها هي الأصوات الأخرى تتلاشى عبر الكتاب... تتلاشى، ألا
ترجع الشمس ثانية وتعود الأشياء إلى سيرتها المقبلة. لقد أُكملت
الصفحات وها أنا أعود، أنا أعود".
بالطبع، ثمة في هذه
القصيدة ما يستحق تسجيل ملاحظة: لقد سبق أن قلنا إن تفعيلة
"فعلن"، بحر الخبب، ذات الجرس القوي والرنّان، هي ما قامت
عليه هذه القصيدة. بكلام أكثر، كان من "الأسهل" أن ترد قصيدة
النثر مضمّنةً قصيدة موزونة قوامها تفعيلة "مستفعلن"، بحر
الرجز، على سبيل المثال، لأن الفرصة هناك ستكون أكبر من أجل
تحقيق انتقال أسلس بين وزن ونثر. فقد صح إذا قلنا إن "الإدغام"
الموسيقي في هذه القصيدة لم يكن صالحاً أو سليماً. لكن وجهاً
آخر للمسألة تضع في يد الناقد مفتاحاً في وسعه إعادة الأمور
إلى نصابها: عصام محفوظ المسرحي أولاً.
اختيار الشاعر "هوّة"
موسيقية بين "وزنَين" لصوغ القصيدة، استند، على الأرجح، إلى
خلفية مسرحية، قوامها حوار بين أكثر من صوت، وأكثر من نبرة،
وأكثر من لغة.
هو اختيار مسرحي إذاً،
جعل للشعر خشبته الخاصةً. لذلك، ربما وفقط، نستطيع تعليل هذا
الحضور اللافت لنماذج العالم السفلي في هذا الكتاب، والتي
ألفت جزءاً مهماً من قاموس مفرداته. "شحاذة/ تحمل في عينها
البغضاء/ نظرة خضراء/ والرجلُ العجوز/ يبحث في أنبوبة العياء/
عن ولد قديم/ يبحث عن عينين/ وماسح الأحذية الصغير/ يراقب
الأقدام في عناية/ تجيء أو تروح/ في الشارع الكبير/ لغاية...
لغير ما غاية/ وسائق يبصق ثم يشتم/ وطالب فقير/ يلحس في عينيه
صدر امرأة". لا يطرد عصام محفوظ الشحاذين وماسحي الأحذية والمرضى
والزعران من شعره، بل يعطيهم الصدارة من خلال تتويجهم أبطالاً
على خشبة شعره، "والمرأة العجوز/ تذرو مع الرماد شعرها/ والولد
الأزعر فوق المصطبة/ يركض طول الليل والنهار/ يرشقنا بالبحص
والحجار"، مضيفاً إليهم المسوخ: "قبيلة المسوخ في مرآة/ من
حلمة حمراء/ وحلمة خضراء/ أُرضعها مرارة المأساة/ أُرضعها
الحياة/ في المخمر"، كذلك الجنّيات: جنّية حمراء في الجدار،
جنّية ترقص في القبور عارية...
إصدار
كتاب تغمرنا أوراقه
برائحة أولى، هي رائحة "مجلة شعر"، ورائحة الريادة والروّاد،
رائحة أوراق في اصفرارها الأنيق، حملت رقم عام 1961: هي الذكرى
الخامسة والأربعون إذاً لصدور "أعشاب الصيف"، اختارها عصام
محفوظ موعداً لـ "إصدار" موته، و"ذريعة" لقراءة كتاب يضمِّن
ختامَه قصيدةَ نثر يتيمة: "بيت" نثر أخير، هو بيت القصيد.
ماهر شرف الدين