
أنعمتُ فكري فيك. ثم
رميتُ
بكأس المدام تجاه الجدار.
الآن. ما أنا سكران
أو في إفاقة
أثبُ لأعلى وأدنى، فكلي
مُخبّل؟
جلال الدين الرومي
آه.. يا أ ل م...
يا كوننا الفسيح وقبرنا
الضيق
من ذا الذي يدعونا،
لنتذكرك، أكثر من الصلاة الوسطى، حتى ونحن في زنزانة سجنك
المظلم!
ربما يحدث هذا، لأننا
ما انفصلنا عن بعضنا، أو لأنه قدرنا المبصر أو الأعمى، نجذبه
إلينا باختيار قديسين، أو ننجذب إليه بغير أية إرادة منا.
مهما يكن، يا كوننا
الفسيح وقبرنا الضيق، ها هي روحي تقابلني وتسألني: إذا كنت
قد ابتليت بهذا الصبر والحزن والخوف، فما هو الذي
يتبقى لك إذاً - يا
إبراهيم - لكي لا تنساني؟
لا شيء - يا روحي -
إلا الكلمات.
وها أنتِ، وأنا أراك
في هذا الجزء المتقد من ذاكرتي، إلا كلمات. كلمات. كلمات.
أو لأقل صحفاً. أو دعيني أنسبها إليّ: صحف إبراهيم.
لم أكن أعرف، لا اسمي
أو عائلتي بما يكفي، لأعيد تشخيصك من جديد أمامي، إلا بعد
أن ابتعدتُُ، مختاراً أو مكرهاً، عن ضريح جدنا ورايته الحمراء.
هنا، لا شيء آخر لديّ
سوى الكلمات. »الم« كلمات. الناس كلمات. الله كلمات. وأنا
كلمات أيضاً.
لذلك لا أمتلك سوى الكتابة
التي بها أستعيدك، وبها أيضاً أنغمر فيكِ حباً، ومن خلالها
أجلس على كرسي إمارتي، متوجاً جبهتي بشعرك، منتظراً ذلك الذي
سيطلق عليَّ رصاصة الرحمة في أية لحظة.
فليحدث - بعد هذه الصحف
- ما يحدث، لأنني سأستقبل ملاك الموت باهتمام، وبمعرفة الطريق
الذي سوف أسلكه.
أعرف ان من يطرق بوابة
هذه الغرفة سيدخل من دون أي استئذان. سأرحب به وأجلسه قبالتي
وأخاطبه: أيها الملاك الجميل.. لا أنت ولا الجنرال، تستطيعان
هزيمتي.
كلانا يعرف دوره ومهمته:
دورك أن تستعيد روحي وتبعث بها إلى حيث المنشئ الأعظم. ومهمتي
أن أستجيب لدورك وأسلمك روحي، لأذهب للمرة التي لا أعرف، وبالهيئة
الجديدة التي لا أعرف أيضاً، إلى حياض المنشئ الأعظم.
لن يتم ذلك بغير ألم.
أنا أعرف، تماماً ما
هو الألم. لكنني لن أنسى مهمتي، لأنني أعرف الذي يحبني وأحبه
ويدعوني إليه، بينما الملاك الجميل، و هو منشغل بدوره ينسى
- أو فرض عليه نسيان - مهمته.
بيد أنه عندما يجالس
نفسه، وحيداً - ذات دخان - سيكتشف كم كنت جميلاً عندما عرفت
مهمتي، قبل أن يعرف هو مهمته.
ثمة فرق بيني وبين ملاك
الموت: إنني أخلق صحفي، وهو لا يمتلك إلا دوره.
هنا المسألة الحقيقية
الموكلة إليّ: الحرّية.
إنني أصنع الحياة والموت،
في صحفي، بينما هو ينفذ دوره مثل مأمور.
ثم إنني، بفعل منه مضاد
للحرّية، سأرحل قبله إلى حياض المنشئ الأعظم.
يا سالمة.. هنا الفرح.
وهنا العذاب، حيث.........
يبدو أنني أخلدتُ إلى
إغفاءة ما، بعد أن استطعتُ تنقية هذه الكلمات من بين أسطر
وصفحات، يخيل إليّ أنها رسالة كتبها إبراهيم الأحمد إلى سالمة،
من داخل غرفة في مدينة على ساحل بحر، بينما كان يستعد لاستقبال
ملاك الموت.
رأيتُ - كما رأيتُ أثناء
تلك الإغفاءة - أنني أقف وسط قارب صغير يطفو على مياه بحر
صافٍ، نتجه صوب ساحل ربما شاهدته ذات يوم: كان الساحل رملاً
تعلوه تلة صغيرة، تطلع منها أبنية قديمة مبنية باللبن الأحمر،
وهناك لسان خشبي طوله خمسة أمتار تقريباً يطفو على مياه ضحلة،
يستخدم مرسى لقوارب صغيرة.
كان معي في القارب صبي
وصبية، الصبي يشبهني تماماً في صباي. سمعته يقول للصبية: يا
سالمة، هل سأكون هذا الرجل - وأشار إليّ - عندما أغدو في الخمسين
من عمري؟
قالت سالمة: نعم، يا
إبراهيم.
اقتربنا الآن من المرسى
الخشبي. لقد تركنا البحر خلفنا، وها نحن نواجه الساحل. قال
الصبي: سيقتل أحد في هذه الساعة.
فجأة، رأيتُ رجلاً طويل
القامة، مقنّع الوجه، يرتدي ملابس عسكرية مرقطة باللونين الأخضر
والأسود، وهو يشهر مسدساً حربياً في وجهي.
وجّه الرجل كلامه إليّ:
أنتَ جمعة اللامي أم إبراهيم الأحمد؟
- جمعة اللامي.
قال الرجل: إذاً سأقتلك.
ثم أفرغ خمس رصاصات
من مسدسه في رأسي.
عدتُ إلى اليقظة متعباً
وقلبي يخفق، فاتجهت إلى مكتبي، حيث توجد مسودة هذه الرواية،
كما هي الآن بين يدي القارئ الكريم.
أخذت أعيد قراءة بعض
»صحف إبراهيم«، وبعد ساعة أعدت أيضاً قراءة مسودات هذه الرواية،
فاكتشفت أن شبهاً كبيراً يوجد بيني وبين إبراهيم الأحمد، في
بعض منعطفات حياتي، وخصوصاً منها تلك التي تتعلق في مغادرتي
العراق منذ مطلع عقد الثمانينات من القرن العشرين.
كان ذلك في النصف من
شعبان من سنة خلت. وعبر نافذة غرفتي الوحيدة المطلة على البحر،
شاهدت قارباً صغيراً يدنو من الساحل، يتوسطه صبي وصبيّة. كان
الصبي يطالع شيئاً في كتاب، أما الصبية فكانت تغرق في صمت
عميق.
وانتبهت مرة أخرى، من
إغفاءة قصيرة ثانية، وتذكرت أن هذا الحلم - الكابوس، منظر
ذلك الضابط وهو يفرغ الرصاصات الخمس من مسدسه في رأسي، يطاردني
في النوم والصحو.
ألقيت نظرة متأملة على
هذه الرواية، وقلت في نفسي: ليحدث ما سيحدث. لا بدّ من الاستمرار
في تدوين التاريخ الشخصي لمدينة »الم« والبحث عن كل مفقودات
إبراهيم الأحمد.
اقترب الصبي مني، وقال
هامساً: هذه صحفي، وانتبهت للمرة الثالثة من إغفاءة قصيرة
ثالثة أيضاً.
صحيفة العزلة
لا سُكْري يَضيقُ بِيْ
ولا ضَجري
يختارُ هجراني
لا نُوري
لا دَلالي يفارقني
وأكواني
لا تَسطيع نِسياني
وحَدْي،
حيثُ لا أحدَ سواي
في كلِّ أزماني
أُهاجعُ مَللي
لينساني.
فتعالَيْ، يا خَمْرتي
ومائي
نذوبُ
في الكأْسِ
***
كأْسِي الأرضُ
وخَمْريَ الماءُ
وها أنا، حيثُ لا أَحَدَ
قبلي، أو بعدي
وردة فوق عرشكِ
يا عَرْشي ومائي
أحْلُمُ بِكِ
وأمزجُ
الخمرَ بالماءِ
***
كُلُّها:
بَلابلُ المنازل
ونيرانُ أصفهان
حَمامُ المساجد
و»عصافيرُ« العرب
»فواختُ« النخيل
وجيادُ سليمان
»لاميّاتُ« القدس
وعذراواتُ بابل
ثيران سومر
و»غاقات« الرافدين
النومُ، البحارُ، الجبالُ،
الريحُ، المياهُ، السماواتُ المجرّآتُ، الملائكةُ، الانعامُ،
و» الأنانوكي«..
سَكْرى مثلي
بعد حُقّيْ خمرٍ
من سرّتك
وركعتَيْ صلاةٍ
بَيْنَ نَهديكِ
***
أيها السّاقي:
عينا حَبيبتي كأسان
من خَمْري
وصِراطُ عشّاقي إلى
غرفتين
في جنتي
عينا حبيبتي:
كلماتي وأسمائي
أورادي وأحزابي
بين
يقظتي ولا نومي
أنا الذي
لا تأخذني سِنَةٌ ولا
نَوْمْ
***
سُرَّتكِ كأسي
وخَمْري رِضابُكِ
أيها الساقي:
لا تَدَعْ كأسي فارغةْ.
ومن رحمتي،
أنا الذي
لا قَبْلي قَبْلٌ ولا
بَعْدي بَعْد
سأشربُ
من سُرّةِ حبيبتي
كأساً دهاقاً
وأعود إلى
عُزلتي
***
أيها السّاقي:
خَمْرتي لذيذةٌ
مثل رِضابِ حبيبتي
وعفيفةٌ
مثل أشواق عشاقي
خمرتي طاهرةٌ
مِثْلها مثلي
عَصَرْتُها بيديَّ اللتين
ليس كمثلهما شَيء
وغمرتُ بها
جسدَ حبيبتي
***
أيها الساقي:
جَسَدُ حبيبتي
منازلي
وأكواني
جَسَدُ حبيبتي
روحي
***
أيها السّاقي:
عُشّاقي السُّكارى،
الملائكةُ المقربون
أو تلك الأسماء الأكثر
طهراً
سُكارى محبتي الذين
يعرفون سكري
وكمْ هي زَكيّةٌ خمرتي
يُقْرِئونني منّي إليّ
السَّلامَ
لأن التي صيّرتُها
على عَيْنيْ
بَكَتْ في حَضْرتي
فَملأتْ كأسي
دمُوعُها
***
أيها الساقي:
لمَ يَحْْسِدُك هؤلاء
الصاحون
ألأنك ثملٌ برحمتي؟
سُبحاني
ما أعظمَ أسئلتي بِيْ
سبُحاني
ما أجملَ حبيبتي بيْ
سُبحاني
ما أعظمني ... بي
***
أيها السّاقي:
سُبحاني في ضجري
سُبحاني في سُكْري
سُبحاني في خمرتي
التي لا تخلو منها
محاريب المؤمنين
***
أيها السّاقي:
امتلأتْ بي حبيبتي
بعد أن اصطفيتُها
على عَيْنيْ.
أفبعد هذا الوصال
تسأل نفسك:
من أنا ومن هي؟
***
أيها السّاقي:
كأسي المترعةُ
مُنشغلةٌ بي. أنا الرحمة،
وبينما الملائكةُ من
حولي
يُسبِّحون
تَعْرُج حبيبتي إليّ
فتراني بقلبها.
وأُبْصرِها بِعيْنيْ
أيها السّاقي:
.. أو بعدَ هذا الوصول
تسأل نفسك:
من أنا ومن هي؟
***
أيها السّاقي:
أوقفتُها بين يديْ
فرأتني في عَيْنيْ
أوقفتُ نفسي بينَ يديها
فرأيتها فيَّ
ورأتْني في نفسي
أيها السّاقي:
هي أنا
أنا هي
وكلانا نحن
***
أيها السّاقي:
في راحةِ كفي اليُمنى
تَسقطُ أفلاكي
لتتقدَ - بعزّتي -
مثلَ فُصوصِ مِسبحتي
وتُصلّي عليّ
أيها السّاقي:
أفلاكي بعضٌ من تُرابٍ
في قبضتي.
وَحْدَها، حبيبتي
سِعَتي ولا مُنتهايْ
وهيَ - برحمتي -
وَحْدها النورْ
***
أيها الساقي:
بَينَ قدمي
تقْعي النارُ متأبطةً
بردها
والبحارُ تَسْكِنُ مُعلنةً
طاعتها
تُقبّلُ الرّيحُ شسع
نعْلَيَّ
ويَخْلد النومُ إلى
يقظةٍ عابرة
تُمسّدُ الأمطارُ على
ريشها
وتحتشدُ الشموسُ خوفاً
ورهبةً
أيها السّاقي:
بينَ عينيْ
حبيبتي وَحْدَها
تضيء روحُها بخمرتي
وتغفو
بين جَفنيَّ
***
أيها السّاقي:
لا تحزنْ، ولا تفرحْ
لا تمتْ
وكُفَّ عن الحياة
لا تهربْ مني
ولا تتقدمْ إلاّ إليَّ
لا ترفض هذا
ولا تقبلْ بذاك
كُن العدَمَ
أو كُن الدهرَ
لكنك، طائعاً، ستقبضَ
روحَكَ
لأبقى وحيداً، كما كنتُ،
وأنادي: لمن الملك اليومْ؟
فتجيب روحي:
يا روحي:
سبحانك، ما أعظمَكْ
***
أيُّها العُشّاق:
حبيبتي خمرتي
وسُكْري حقيقتي
صحيفة المطر
لن أطلب القمر
لا،
لن أطلب الشمس
لا،
ولن أطلب الشمس
التيجان للملوك
عصا الحرب للجنرالات
والمجد - كل المجد -
للرؤساء والقياصرة
والبترول
أشتهي، فقط...
خصلة من شعرك
***
حتى لو بلغتُ آخر العمر
حتى لو قذفت مدبِّرةُ
الملجأ
بجسدي الشائخ خارج السّور
حتى لو أغلقوا الكوّة
الوحيدة
في زنزانتي
حتى لو وضعوني في حوض
الأسيد
سأهتدي إليكِ.
ومثل جروٍ أعمى
فُصِلَ - الآن - عن
أمه النفساء
سأَتَشمّمُ أصابع قدميكِ
وأبكي.
***
في تموز
وُلِدْتُ
وبََلغتُ سنَّ الرُّشد
***
في تموز
عرفتكِ.
في اللحظة التي عرفتكِ
فيها
عرفت شبابي
وهَرِمْتُ.
في تلك اللحظة
عَرفتُ الله
ورَجَمْتُ هذا العالم
بخرطوم خِرتيت ميّت
***
قلبي الذي أحبَّكِ،
مقبرةُ أطفال
وأنتِ سياجها
***
يذكرني بكِ المطرُ
عندما يغسل الرملَ في
باحة السجن.
يذكرني بك..
نعاسُ الحدائق،
فتأتين إلى وحدتي
متوَّجةً بالآس
وبَعْضٍ،
من سَقَرْ
***
اخَتَبَلْتُ.
نعم. ها إني أعترف:
في ذلك اليوم الممطر
من تمور، اخَتَبَلْتُ.
رأيتكِ في شارع الرشيد،
يغمرك المطر،
بلا مظلة، ولا نقاب.
ماذا أُقدِّمُ إليكِ؟
في الطريق إلى صالة
الفندق، تخلصتُ من كوفيّتي.
وحافياً وقفتُ أمام
بائعة الورد. ابتعتُ زهوراً،
وجريتُ خلفكِ.
ألا يحق لي أن أختبل،
خمس دقائق فقط، نعم،
إنني اخترت الخبالَ
دقائق معدودات. وهكذا: اقتربتُ منكِ، عاينت حذاءيكِ المبلّلين
بالمطر، وتقصّيتُ حبات المطر عند مفرق شعركِ الأسود، واستنشقتُ
عطركِ مبتهجاً بذلك المطر الميساني.
سبقتكِ خطوتين، ووقفتُ
أمامكِ: سيدتي.. سيدتي. وانحبس صوتي، سيدتي، وسمعتكِ تقولين
للآخر:
- ماذا يريد هذا المجنون؟
قال رفيقكِ: إنه مجنون،
فعلاً.
اللحظة، صرتُ الخبال
نفسه. رميتُ كل الأزهار، واحدة بعد أخرى،
فوق رأسك.
آه، لو تعرفين، كيف
كنتِ حينها؟: زهرة رازقي أسطورية.
- ماذا يريد هذا المجنون؟
- إنه مجنون فعلاً.
ردَّ رفيقك.
وكنت مجنوناً بالزهور
تحتضر على أرض الشارع، زهور تعفّرت بالطين، سحقتها الأحذية،
ولوّثها بصاق السّكارى.
أخذتُ أجمع زهوري، زهرةً
بعد زهرة، من بين الأقدام ووسط سخرية المارَّة. وضممتها إلى
صدري، كانت زهوراً معفّرة بالطين، سحقتها الأحذية ولوّثها
بصاق السكارى.
وكنتُ أعيط. أنا...
آخر مجانينكْ
عند الفجر، قصدت مقهى
»تموز«. اقتعدت الأرض، وتوسدت دكتها البليلة، ونمتُ.
حلمتُ باثنتين:
بكِ... وببغداد.
أنتِ المطاف الأخير
... وبغداد آخر الدنيا.
***
في الصباح، استيقظتُ
على مواء: قِطةٌ صغيرةٌ عمياء، تتقدم إليَّ، على ثلاث أرجل.
اجتمع المقهوران: ألقيتُ بكل زهوري، على قِطّةٍ عرجاء.. لا
تُبصر.
كان ثمة شرطي يراقبني:
- ماذا يريد هذا المجنون؟
- إنه مجنون، فعلاً.
ردّ رفيقكِ.
***
بكفّي اليمنى، استخرجتُ
قلبي من صدري،
ورجمتُ به هذا العالم،
وأنا أُقهقه:
أنا.. آخر مجانينكْ!
صحيفة الرماد
- 1 -
لو أنّها، مرّة
في خاطري
مَرّت
كأنها الدنيا
في خاطري
مَرّت
- 2 -
الاسطبلات بلا جياد
البراري خلت من الغزلان
الأطفال بلا لعب
النفانيف لم تتعطّر
الأقمار بلا سماوات
السماوات خاصمتها الفضاءات
أنتِ، وحدكِ،
غزالة البراري
وسيدة الأقمار
- 3 -
مُنذُ أقدم الحقب
مراهقون وساحرات
عنادل ولبؤات
يرقصون في حدائق قلبي
أنا صغيرهم
الذي علمهم الحب
رغم سنوات عمري الألف
- 4 -
نادلةُ الحانة
لا تعرفكِ
لكنها
- إذا رأتني أفكّرُ
فيكِ -
نطقتْ باسمكِ
وضحكتْ
- 5 -
أنا طفلكُ السماوي
أهدتني أمي اليكِ
قبل قرنين من زفافها
تعالي. خذيني إلى »
رؤوس الجبال إلى الذّيدأو
إلى »حراء« أو »الحِيرة«.
إلى »القارة السادسة« أو »بنات نعش«
تعالي إليَّ وخذيني
منّي إليكِ
- 6 -
سَيّدةُ الرماد، أو
عاصفة البنفسج في دمي.
امرأةُ العذاب المختار
كناموس
امرأةُ الفضّة الغالية
كالبياض
امرأةُ النوافذ والبراري
وحقول القمح
امرأةُ الغرفة التي
مثل قلب عندليب
امرأةُ الصمت والانتحاب
امرأةُ الرماد،
الرماد الذي هو دمي
امرأةُ الرماد الذي
هو قلبي
تاهت مني في الحلم.
- 7 -
مثل كمانٍ ميت
أو جواد يستعد لاستقبال
طلقة الرحمة
كان قلبي يستعد لليقظة
- 8 -
في غرفة غافية كالبياض
أو في كلّة« عرس
استأذن قلبي الأرق
وكسّر المشارط
- 9 -
عندما مرَّ بي المشيّعون
أمام بوابة الحديقة
قالت زهرة الأوركيد:
هذا شهيد آخر.
- 10 -
عندما حملتني أكف المشيّعين
وداروا بي - حسب وصيتي
-
حول سور المدرسة
قال الحارس الأشيب:
هذا آخر مجانينها
- 11 -
في عنبر الموتى، عندما
رأيتكِ
تلقين عليّ نظرتكِ الأخيرة
استيقظتُ من موتي
لأموت، مرة أخرى،
بين ذراعيكِ
- 12 -
سَيّدةُ الرماد، تمر
الآن،
في دمي
عاصفة بنفسج
وقطيع أفيال بيض.
صحيفة البياض
تلك الليلة البيضاء
في عمق مرآتي أرى وجهك/
عند مواقف حافلات المدارس وفي المكتبات ومحاريب العزلة/ في
عربات العشاق وفوق قباب النور/ في المسارح الخالية وغرف السجن
المهجورة/ في جوف الحوت وبين خطي السكة الحديد/ في قصور مخيلتي
وخرقة العارف / تحت جلدي ومخدتي الأخرى / في هذياني النهاري
ورقصي الليلي..
أرى عطرك
وأشم هفيف مروحتك
***
في تلك الليلة البيضاء.
ليلة اللحى والوجوه
الملثمة/ ليلة الخيل المجنونة والأفاعي ذات الأنياب الخضر
/ ليلة البرد الأزرق وصراخ الصندل/ ليلة ابتهال نخلة الدار
وعواء الذئاب/ ليلة خروج الضباع من أوجارها/ ليلة انتزعوني
من حضن جدتي/ ليلة قيّدوني إلى سارية المركب..
سمعتك جواري
تقيدين يديك إلى سارية
المركب
وتقولين:
حريتي حيث تكون
حُرّاً أو مكبلاً
***
يا صمت رماد روحي
يا الماء والوعد
يا نرجسة الفراغ
عندما كنا في الأعالي
/ لم يكن ماء ونار / لا جبال ولا أنهار/ لا خيول ولا مدن /
لا غابات ولا صحارى / لا غزلان ولا حمر وحشية..
كنا - معاً - نقدّسُ
القُدوسَ
منازلنا الفراديس
وهودجنا الفراغ
***
في تلك الليلة البيضاء
ليلة الضباع الملتحية
الشهباء / ليلة الذئاب المزججة الحواجب / ليلة انتحاب المعابد
/ ليلة الفزع والخوف / ليلة انتزعوني من حضن جدتي / ليلة قيّدوني
إلى سارية المركب..
رأيتك جواري
تقيّدين يديك إلى سارية
المركب
وتقولين:
معك،
أختارك حريتي
وموتي
***
عَطّرتُ جديلتك بـ »سِعْدِ«
الأهوار
فغفت على عضدي الأيسر
حرزاً أكديّاً
ونَمتْ على صدري
ضَوْعَ قرنفلةٍ
وغصناً من غار
يا امرأة الصمت
صمتك، هذا،
نار باردة
أم ثلج ميساني الأسرار؟
يا لفرحي فيك
مختبلأ
مجنوناً
أو زلزالاً في الدار!
***
في تلك الليلة الليلاء،
سمعتك تتضرعين: يا خالق
الطين والماء.
عندها، صارت السارية
مباركة من ماء
فامتزجنا،
ماءً بماء.
صحيفة المروءة
- 1 -
أرنو إلى شاهديّ، فلا
أرى قبري
أرنو إلى غاباتي وليس
ثمة أشجار
أرنو إلى افتتاحيات
ماضيّ، فأفتقد المطبعة السرية
أرنو إلى حبي المذبوح
من الرقبة، فتطالعني كربلاء
أرنو إلى تفاصيل حياتي،
فيداهمني مقص الرقابة
أرنو إلى طلقة المستقبل،
فأرى جسدي ملفوفاً بقماشة بيضاء مرمياً عند شاطئ »الكحلاء«.
أرنو إلى أناشيد سومر
وبكائيات بابل، فأرى السيوف والسيانيد والغرف السرية في قصر
النهاية.
أرنو إلى مجردات الصحراء،
فتطالعني الشعبذة الآسيوية.
أرنو إلى نفسي، فلا
أرى إلا أنت.
أرنو إلى إسرائي فيلاقيني
معراجي.
أرنو إليك - سيدتي -
فتطلعين نحوي، غزالة الصبح البيضاء، عندما طاردك الحرس القومي،
بين سطور الكلمات، والزنزانة رقم »1« في السجن رقم »1«.
- 2 -
تجلسين في غرفتك المغلقة
بإحكام، تكتبين اسمي كتعويذة بالحبر الأخضر، وها أنت - الآن
- تقذفين بها إلى النهر، وللتو.. صرتُ أنا الطريدة، وأنت الصياد.
صدقيني - أيتها المروعة
بالصمت وبيانات الحرب اليومية - أنني لن أخجل إذا قالوا إنني
متيمك الأخير، ولن أخجل إذا ما أمسكتُ بربابتي، ورددتُ اسمك
عند أبواب المساجد والكنائس والكنس وحانات وأسواق هذا العالم.
لن أبالي - أبداً -
بلعنات وحجارة وسخرية أبناء هذه المعمورة، إذا ما مشيت في
الأسواق عارياً، وعلى جسدي حروف اسمك.
ولن أخجل، بل سأفتخر،
إذا رويتُ للطيور العجائزعند »شاطئ الكحلاء«، وساحل الجمرية
أنباء جنوني فيك.
لأنني - يا سيدة الوقت
- ورثتُ من جدي السومري، سِرَّ عظم الهدهد وماء حياة الحيّة.
وها أنا، مثل جدي السومري،
أرسم وجهك على الماء، وأعيد تركيب كيانك الروحي، من مفرق شعر
رأسك حتى أدق تفاصيل الخارطة العجائبية في حنّاء كفيك.
الآن - سيدتي أمزجك
بحفنة ماء من دجلة، لاكتب بحبر أبيض، أسماء القتلى في ملعب
ملعب الكشافة.
الآن - سيدتي - أهرب
إليك، كما ينفر الحجيج، راجماً ديناصورات المؤسسات بحجارة
من سجيل.
الآن - سيدتي - نجاور
قبور أجدادنا، ولا نبكي.
- 3 -
أخيراً، ذاب جليد روحي:
صار جسدي غواصة وتنزهت في مفازات مملكتي. رأيتني أتقدم إلى
جثماني بعد أن صُرعت برصاصتين من مسدس كاتم للصوت. قتلني الحارس
برصاصتين: الأولى اخترقت جبهتي فحاصرها مُخّي، والثانية استقرت
في القلب.
كيف اهتدى إليّ القاتل؟
إنه من زمرة تشمُّ رائحة
الكتابة. وكنت أعرفه فكرة وكياناً. لقد رأيته في بث تلفازي،
كان يرتدي بدلة خضراء مرقطة وغطاء رأس أسود، أما عندما واجهني
هذه المرة، فكان يردد قصيدة عمودية على هيئة قسم ثلاثي الكلمات.
دم في فمي، وفضاء أبيض
في ضميري. ولذلك عندما رأيته، ينظر إليّ، وهو يسند ظهره إلى
الجدار، تقدمتُ نحوه. جفل فجأة ثم صحا تماماً، عندها استخرجت
الرصاصتين من مخّي وقلبي، وقدمتهما إليه.
أخذ الرصاصتين وأعادهما
إلى مخزن المسدس.
كان ذلك يشبه الحلم،
أو هو حلم لواقعيته الشديدة، ولذلك قام القاتل بإفراغ الرصاصات
في قلبي، وشعر أنه تخلص مني نهائياً عندما رآني أخرُّ صريعاً
على الأرض.
لكنني نهضت، وأخذت أطارده.
وكما حصل في المرة الأولى، أخرجت الرصاصات من قلبي وقدمتها
إليه، خمس رصاصات مكسوة بالدم.
ما إن تسلَّم القاتل
الرصاصات الخمس، حتى أعادها إلى مخزن المسدس، ثم أطلق على
صدري وابلاً من الرصاص، وفرّ هارباً.
والآن - أيها الحارس
- ها أنا أنهض من مقتلي للمرة الثالثة، أنت الطريدة.. وأنا
الكلمات.
- 4 -
مثل طفل في سنته الثالثة.
تركه أبواه في غرفة
شبه مظلمة يلاعب دمياته
وذهبا ليلعبا بالورق
في الدار المجاورة
أجالس نفسي وماضيَّ
مسدلاً ستائر جسدي على
نوافذ روحي
أرقبُ وقع خطوتك - سيدتي
- في غرفة حلمي منتظراً الحارس القاتل.
لأتلو بين يديه مطلع
قصيدتي المؤجلة:
أنا متيمك الأخير!
صحيفة الحب
- 1 -
عند سور الحديقة، وجدت
سعفة شاحبة، ثم فكرت ملياً: لا شيء لديَّ الآن، أغلى من كفني،
وها أنا أكفن قلبي بالسعفة الشاحبة، وأبعث به إليك، فلربما
كلمة منك، تعيد للسعفة الحياة!
أما قلبي... فيكفيه
كفن من سعفة شاحبة، هفهفت قرب نافذتك المضاءة نهاراً.
- 2 -
تطلعتِ في المرآة،
فلم تري سوى عينيّ
تطلعتُ في المرآة
فلم أجد إلا امتداد
روحي فيك.
ليس في المرآة،
إلا وجهي ووجهك
- 3 -
وها أنا أراك محراباً،
بحجم قبضة يد، أدخلهُ بسلام، شاكراً الطهر الذي قادني إليك.
شكراً للسيد أندريه
جيد عندما قال: أمن أجلنا، يا رب، جعلت الليل بهذا العمق والجمال؟
كنتُ مثل ثمرة تين،
نضجت تماماً، وكان خوفي أن أسقط على الأرض، كما في كل مرة،
فتدوسني أقدام الدواب. كنت أتمنى أن يقترب مني هزار، ليثمل
من عسلي، من الأذان الأول إلى الأذان الأول في اليوم التالي:
لكن المباركة المغربية،
قادتني منيدي، كما لو كنت طفلاً رضيعاً، وأجلستني قبالتها،
وقالت: أنت تحب وهماً.
كنا نجلس على البحر،
فرأيتك تتقدمين نحونا.
لم يكن ذلك وهماً. لقد
أمسكت بطرف عباءتك، وأخذت أنشد:
قبل هذا كله، وبعد هذا
كله
لا تفطميني،
فلا أزالُ وليداً صغيراً
يتشهى الحبو حولك
رغم سنواته الخمسين
قبل هذا كله، وبعد هذا
كله
لاتفطميني،
فلا أزالُ رضيعاً صغيراً
يتمنى البكاء عند قدميك
رغم سنواته الأربعين
قبل هذا كله، وبعد هذا
كله
لا تفطميني،
فلا أزال فتى قليل الصبر
يتمنى مشاكستك
رغم سنواته الثلاثين
قبل هذا كله، وبعد هذا
كله
لا تفطميني،
فلا أزالُ شاباً صغيراً
لم يقدَّ قميصه، لا
من دُبرٍ ولا من قُبُلٍ
رغم سنواته العشرين
قبل هذا كله، وبعد هذا
كله:
أحبك
- 4 -
ثمة ضجيج من حولي، في
المقهى الأجنبي.
تَفَلتُّ من المباركة
المغربية، وقذفت بجسدي في لجّة الضجيج. كانوا أقواماً أخلاطاً.
بحثت عن لسان عربي، كما كان المتنبي في ذلك الشِعْبِ الفارسي،
لكنني وجدت رجلاً أمريكياً، يشبه الضجيج، يتحدث إلى امرأتين
أمريكيتين، مثل ديك عربي في قن دجاج!
- 5 -
رسمتُ قلبي على منديل
ورقي،
وهاجمت البحر،
بقلب هدهد.
- 6 -
أوقفني بينه وبين نفسه،
وقال:
هذه مسافة التلف، فهل
تستطيع أيها الولد، قبول الفقر واختيار الإذعان ومصادقة القبول،
والاعتكاف على حبس العافية، والصعود إلى الأسفل، والارتقاء
إلى الداخل، وغض البصر، والحياة مع الشهوة، والامتداد بين
الأبيض والأسود، ومحادثة الليل، ومخاطبة النهار، ومجالسة المحنة،
وفهم حديث الأسماك خارج الماء، والتصاول مع السلاطين، والقتل
في برودة، والانهيار بعيداً عن الخوف، والخوف من الخشية، وخشية
الحق..؟!
- 7 -
لقد جئت في الوقت المناسب
وتوجهت إليك في الوقت
المناسب
- 8 -
شكراً لأندريه جيد الذي
قال:
الريح المتشردة
داعبت الأشجار
إني أصغي إليك من كل
قلبي
يا أغنية صباح العالم
الأول
صحيفة الفراغ
1 - فراغ المرأة والمرآة
الفراغ:
امرأةٌ من نور
تحلمُ بي
وتستحم
الفراغ:
مرآةٌ في عمقها
امرأة من نور
تحلمُ بي
وتستحم
الفراغ:
أنا وامرأة من نور
في عمق مرآةٍ
عادلة
مثل ميزان بابلي
شاهقة
كما عمود في معبد »أوروك«
تحلمُ بي
وتستحم
أيها الفراغ:
أنتَ جسدي والمرآة
ثمة امرأةٌ
هي جسدي والمرآة
تحلمُ بي
وبنوري تستحم
لا أتشكّل
لا أتبدّل
أتحوّل
مِنّي النورُ
وروحي الفراغ
لا أحد يماثلني
يدي اليمنى امرأةٌ
واليمنى الأخرى مرآة
يا يدي:
في الفراغ الذي يفيض
مني
أمتدُّ إليَّ
لأراكِ فيّ
جالسة
في شرفة روحك
2- قصور من هواء
العَسَسُ الليليون
عسّوا قليلاً، وإذ باغتهم
الفجر
أفطروا سمكاً نيئاً
وناموا
فوق ظلال منازل مقفلة
منازلنا التي نساكنها
أسوارها هواء
بواباتها هواء
وحدها المفاتيح.. يقظة
تنام فوق الظل
وتفتقد الفراغ
في منازل الهواء
وَجْدِيَ الأنيق
قميصهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ
فماتَ
مثل طفلٍ غريق
وَجْدِيَ المتوحش
والطليق
وَجَديَ الحريق
جاور منازل الهواء
عقداً ونيِّف
ثم خرج
ولم يَعُدْ
يا وَجْدِيَ المثكول
أنت أيتها الشجاعة غير
المؤجلة
تلك منازل الهواء
تترصدني
عقب كل نداء
ذات محلٍ
قارفتُ عشقاً في قصور
الهواء
فصرتُ
تكبيرة وبعض ماء
وَجْدِيَ!
أنت، يا ناقة الوقت
وجندي الهواء
لماذا جاورت
قصور الهواء؟
3 - منشور علني للحبّ
من أجل تلك التي أهدتني
نصف كفني
ونصف تفاحة
بَرَيْتُ ذاكرتي
ذات أصيل
استضفتُ نفسي
فبنيتُ في قلبي
مرآبا
بدون أبواب
الطريق إلى الفراغ
رَسم في قميصي
قميصي الذي قُدَّ مَنْ
دُبُرٍ
الفراغ الذي لا يعرف
غيري
هو الحب
يجلس بين يدي
وينتحب.
جمعة اللامي / روائي من
العراق يقيم في الشارقة