حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

نوم بلا أحلام

الإنسان والموت في الشعر العالمي

نميل في العالم العربي إلي السرد التاريخي، ونقوم بتدريس الأدب بطريقة التعاقب التاريخي. فندرس الشعر الجاهلي ثم الشعر في العصر الأموي والعباسي الأول ثم الثاني وهكذا إلي أن نصل إلي العصر الحديث فنبدأ بالبارودي ثم شوقي وحافظ ثم مدرسة الديوان إلي آخر هذه الحلقات. وهي طريقة لها ميزاتها وأهميتها بلا شك، ولكنها تبعث علي الملل قليلا وتؤدي إلي التكرار، كما أنها تنقل بؤرة الاهتمام من النص الأدبي إلي الخلفية التاريخية والاجتماعية. كما أن السرد التاريخي يؤدي إلي شيوع النموذج المعلوماتي التراكمي الذي يساوي المعرفة بالمعلومات والحقيقة بالحقائق، أي أن يقوم الباحث بتلقي المعلومات والحقائق، وينزعها من سياقها ويضمها إلي ترسانته المعلوماتية (لا المعرفية). كما أن هذا النموذج يولد نظاما تصنيفيا علي أساس الموضوع الظاهر والمباشر وليس علي أساس النمط المتكرر، أي النموذج المعرفي والتحليلي الكامن. ولكن هجوية العمل الفني، ومعناه المحدٌّد، وسماته الفريدة لا تفصح عن نفسها من خلال الموضوع الذي يتناوله، وإنما من خلال طريقة المعالجة والبناء الكجلٌِي الذي يتبدي في عشرات التفاصيل، مثل الصور الشعرية، ونبرة المتحدث في القصيدة، والكلمات المستخدمة والموضوع الكامن الذي يضفي علي العمل الوحدة ويربط بين تفاصيله وبين شكله ومضمونه. ولذا فالتصنيف حسب الموضوع الظاهر يختزل الأعمال الأدبية، ويفقدها هجويتها وفرادتّها وثراءها، بل ويعزلها عن التجربة الإنسانية الحية التي يحاول العمل التعبير عنها.

ولمحاولة تجاوز هذه النقائص، توقفت عن تدريس مقررات الشعر في الجامعة بطريقة السرد التاريخي وقمت بتدريسها من خلال موضوعات. فمقرر الشعر الرومانتيكي كنت أبدأه علي سبيل المثال بموضوع الانتقال من البراءة إلي الخبرة ثم تتلوه موضوعات أخري مثل العودة إلي الطبيعة والصور الشعرية المتواترة والمدينة في الشعر الرومانتيكي. وعلي سبيل المثال كنت أختار مجموعة من القصائد عن المدينة من الشعر الرومانتيكي الإنجليزي، وقصيدة للشاعر الفرنسي بودلير ثم قصيدة لأحمد عبد المعطي وأخري لبدر شاكر السياب فتتحول القصائد عن المدينة إلي إشكالية إنسانية وفنية يمكن للطلبة تفهمها والتفاعل معها والاستمتاع بها. وقد لاحظت أن هذا المنهج في التدريس والتحليل والتفسير قد رفع من مقدرات الطلبة النقدية والتحليلية.

وهذه الدراسة تهدف إلي تطبيق هذه الرؤية علي مجموعة من القصائد التي تتناول الموت، لا باعتباره موضوعا ظاهرا وحسب، وإنما باعتباره موضوعا كامنا، موضوع يضفي علي العمل الوحدة. وسنلاحظ أن كل شاعر يتناول نفس الموضوع بطريقة مختلفة، تعبر عن تجربته بكل ثرائها وفرادتها وخصوصيتها، رغم أن الموت هو الموت. ولن نتبع منهجا واحدا في قراءتنا لهذه القصائد، بل سنغير منهجنا النقدي حسب ما تتطلبه القصيدة موضع البحث. ولكن في جميع الأحوال كان تركيزنا علي النص الأدبي نفسه، ولذا أتينا بالنصوص الكاملة للقصائد موضوع الدراسة، كما أننا حاولنا دائما أن نركز علي النقطة التي يتقاطع فيها الشكل (الصورة­ النبرة­ البنية إلخ) مع المضمون.

نتحدث عن السماوات السبع، والخطايا السبع، وأيام الأسبوع السبعة، وخلق العالم في سبعة أيام، ويبدو أن هذا الرقم يشير إلي الاكتمال

لنبدأ بقصيدة الشاعر الإنجليزي الرومانسي لورد بايرون، وهي بعنوان يا من اختطفك الموت:

يا من اختطفك الموت وأنت بعدج في رّيْعان الجمال،

لن يضغط عليك رّمْس ثقيل،

وإنما ستتماوج الورود ببواكير أوراقها

فوق قبرك الأخضر،

وسيتمايل شجر اللبلاب في حزن رقيق.

وكثيرا ما ستقف ربةج الحزن إلي جوار ذلك الجدول

الأزرق المتدفق، منكسة رأسّها،

لتغزوّ الفكرّ العميق بأحلام كثيرة،

تتوقف متمهلة، وتخطو في خِفٌّةي:

يا لّلوالهة التعسة! كأن خطواتها ستقلق الموتي!

كفي، فنحن نعلم أن الدموع لا تجدي،

وأن الموت لا يجلِقي للأسي بالا، ولا يسمعه.

ولكن، هل سيردٌجنا هذا عن الشكوي،

أو يخففج من دموع نائح؟

وأنت _ يا من تسألني أن أنسي،

نظراتك شاحبة، وعيناكّ دامعتان!

القصيدة مّرْثِيّة قصيرة تتناول إشكالية الموت بشكل مباشر، وتقترح في الوقت نفسه بعض الوسائل لتجاوز الحزن (وهذا الموضوع متكرر في معظم المراثي). يقترح المقطع الأول أن الموت إنما هو التحام بالطبيعة، ولذا فحين يجوارّي الجثمانج في الأرض، فلن يضغط عليه رّمسْ (أي: تراب) ثقيل، إذ إن قبر الفقيد سيكون أخضر، تتماوج فوقه الورود ببواكير أوراقها، ويتمايل عليه شجر اللبلاب في حزن رقيق. وحينما تظهر ربة الحزن في المقطع الثاني، وقد نكست رأسها، يؤكد لنا الشاعر أن خطواتها لن تقلق الموتي: لأنهم صاروا في منجاة منها، فالموت لا يأتي إلا مرة واحدة! أي أنه ينجح مرة أخري في تجاوز أحزانه.

ويستمر الشاعر في موقفه هذا في المقطوعة الثالثة، فيؤكد أن الدموع لا تجدي، وأن الموت لا يلقي للأسي بالا ولا يسمعه، مما يعني تقبلا كاملا لحقيقة الموت. ولكن كل شيء ينهار فجأة، فمهما أدركنا حقيقة الموت النهائية بشكل عقلاني، ومهما رضخنا للحقيقة الإنسانية، فإن دموعنا مع هذا لن تغيض! فإذا كان الموت نهائيٌا، فإدراكنا هذه الحقيقة لن يخفف من أحزاننا، ولذا فالشاعر يختم القصيدة بهذين البيتين الحزينين:

وأنت يا من تسألني أن أنسي،

نظراتك شاحبة، وعيناك دامعتان!

***

ولا تختلف كثيرا مرثية الشاعر الإنجليزي شللي أغنية في رجوحها عن القصيدة السابقة، وإن كانت تعبر عن رؤيتها الحزينة بطريقة مختلفة:

جلست أنثي الطير تبكي إلْفّها

فوق غصن عاري، في فصل الشتاء،

زحفت فوقها الرياح المتجمدة،

وزحف تحتها الجدول المتجمد.

ما من ورقةي في الغابة الجرداء،

ولا زهرةي فوق الأرض،

والجو يكاد يكون تام السكون

إلا من صوت الطاحونة.

يحاول شللي في هذه القصيدة الغنائية القصيرة أن ينقل إلينا إحساسه بالموت من خلال منظر واحد محدد المعالم، خالي من الألوان والحركة، يلفه السكون تماما، منظر غابة في فصل الشتاء زحفت فوقها الرياح المتجمدة، وزحف تحتها الجدول المتجمد، فالسكون هنا يعني الموت. وهذا ما يؤكده الشاعر في المقطوعة الثانية، فكما أن الرياح المتجمدة زحفت فوق الغابة الجرداء، فلا توجد ورقة خضراء واحدة فيها، وكما أن الجدول المتجمد زحف تحتها، فلا توجد زهرة واحدة في الأرض.

في وسط هذا الموت الذي نجحسٌج وّطْأتّه نسمع صوتين اثنين: واحدا في أول القصيدة: أنثي الطير تبكي إلفها، وآخرّ في أخرها ­صوت الطاحونة. فكأن صوت الطاحونة هو صدي لبكاء أنثي الطير! وهكذا ربط الشاعر بين أحزان الطبيعة وأحزان الإنسان، وأعطي لكلٌي منها ثِقلا وكثافة من خلال ربط الواحد بالآخر، وهو بهذه الطريقة عبر عن حزنه بدون أن يسقط في العاطفية الرجراجة.

***

ويتميز الشعراء الرومانسيون بمحاولتهم الابتعاد بقدر الإمكان عن التقاليد الأدبية الكلاسيكية والأنواع الأدبية السائدة، ولذا فقد كانوا يقلدون أشكالا من الشعر الشعبي مثل البالاد (قصيدة تغنٌّي، بمصاحبة رقص، وكثيرا ما تكون قصة شعرية). ومثل هذه الأنواع الأدبية لم يكن يستخدمها كبار الشعراء في القرن الثامن عشر (العصر الكلاسيكي الجديد أو النيو كلاسيكي). وهذه القصيدة ليست بالضرورة بالاد، ولكنها تحمل كثيرا من ملامحها. ولعل من أهم سمات البالاد أنها تتناول موضوعات كونية مثل عناصر الطبيعة والموت. كما أن الحبكة في مثل هذه القصائد تكون بسيطة وتحولاتها فجائية. وهذه هي أيضا بعض سمات القصيدة التالية للشاعر الإنجليزي وولترسكوت وهي بعنوان كبرياء الشباب:

ميزي المتعجرفةج تتمشي في البكور،

في الغابة،

والكروان الحلو يجلس علي الشجيرة،

يصدح بالغناء الفريد.

خبرني، أيها الطائر الجميل،

متي سأتزوج؟

­عندما يحملك ستة من الشباب الجسور،

إلي الكنيسة.

ومن سيشاطرني فراشّ عرسي، يا طائري؟

اصْدجقني الخبر.

­ حفار القبور أشيبج الرأس

الذي يحفر القبر عندما يأتي الحّيْن.

الدودة المؤتلقة فوق القبر والحجر

ستضيء لك نورا ثابتا،

وستغني البومة من قمة برج الكنيسة:

مرحبا، أيتها السيدة المتعجرفة.

تبدأ القصيدة بموقف أسطوري تقليدي: فتاة جميلة تسأل الكروان الجالس علي الشجيرة متي ستتزوج؟ سؤال بسيط واضح. وتأتيها الإجابة بسيطة واضحة أيضا: عندما يحملها ستة من الشباب الجسور. تسترسل الجميلة المتعجرفة وتسأل سؤالا أكثر تحددا عمن سيشاطرها فراش عرسها، وهنا تنقلب الأمور رأسا علي عقب بشكل فجائي، بدلا من العريس المنتظر هناك حفار القبور، وبدلا من أضواء العرس هناك الدودة المتألقة، وبدلا من الطائر الجميل: ستغني البومة من قمة برج الكنيسة. وهنا نعرف معني أن ميزي متعجرفة، كما ندرك المعني الحقيقي للعبارات المبهمة في أول القصيدة.

***

وثمة موقف مختلف تماما من الموت في قصيدة وولت ويتمان الشهيرة أغنية نفسي، وهي قصيدة طويلة للغاية، ولا يمكن إثباتها هنا كاملة، ويمكن القارئ أن يعود إليها في ترجمة سعدي يوسف، والتي سنجتزئ منها هنا بضع مقطوعات يعبر فيها الشاعر عن موقفه من الموت:

ماذا تجرّي حلٌّ بالشبان والشٌِيْب؟

وماذا تجرّي حلٌّ بالنسوة والأطفال؟

إنهم أحياء معافّون في مكان ما

فأدق بجرعمي يقول: لا وجود للموت حقٌا

ولو حدث أن كان موت

فسيقود إلي الحياة قجدجما

ولن ينتظر في النهاية أن يجحكِم قبضتّه عليها.

إنه يتوقف لحظةّ تتبدي الحياة.

كل شيء يسير قجدجما، وعاليا، ولا شيء يسقط.

أن يموتّ المرء..

أمر مختلف عما يجظّنٌ:

أمر أسعد حظا!

***

هل ظنٌّ امرؤ

أنه سعيد الحظ بأن ولد؟

أسارعج، فأقول له، أو لها:

إنه لسعيد الحظ كذلك، بأن يموت.

وأنا العارف السببّ

إنني أدع الموتّ للموتي

والولادةّ للطفل المغسول جديدا

فأنا لست مقتسّما بين قبعتي وجزمتي.

إنني أسعي من أجل غايات عديدة

لا تتماثل وِحْداتجها الأخري ...

وكلها طيبة

الأرض طيبة، والنجوم طيبة، وتوابعها طيبة، كلٌجها

وأنا لست أرضا، أو تابعّ أرضي

أنا عشيرج الناس ورفيقجهم

وكلهم عادل، وخالد، وبعيدج الغّوْر، مثلي

(إنهم لا يعرفون كم هم خالدون، لكني أعرف)

... ... ...

الطفل ينام في مهده

وأنا أرفع الغلالة، وأنظر إليه طويلا

وأجبعد عنه الذباب بيدي، صامتا

الفتي والفتاة يحيدان

صاعدينِ التلٌّ الأشجر

وأنا أنظر إليهما من علي

المنتحر يتمدد علي الأرضية الدامية لغرفة النوم

وأنا أنظر موضع سقوط المسدس.

ثرثرة معبٌِد الطريق/ عجلات المّرْكّبات/ صوت كعوب الأحذية

حديث المتنزهين/ الحافلة الثقيلة/ السائق ذو الإبهام المستفسرة

وقع الخيول المنعٌّلة علي الأرض الجرانيت

الزحافات الثلجية ... ترنٌج... ترنٌج...

وهي تطلق الضحكات، وكجرّات الثلج

الهجتافات للأبطال الشعبيين، وعنف الجماهير الغاضبة

خّفْقج المّحفٌّةِ ذاتِ الستائر، ورجل داخلّها محمول إلي المستشفي

لقاء الأعداء، والشتيمة المفاجئة، والضربات، والسقطة

والحشد المتحفز،

والشرطي ذو النٌّجمة يشق طريقا مسرعا إلي وسط الحشد

والصخور الصٌجمٌج التي تتلقي الأصداء، وتعيدها مراتي ومرات.

أي أنين للمتخمين

وأنصاف الجائعين الذين يسقطون بضربة الشمس

أو بالنوبات!

يري المتحدث في هذه القصيدة أنه لا يوجد فرق بين الحياة والموت. بل إننا سنكتشف أن عالم ويتمان تتساوي فيه كل الأشياء: الإنسان والطبيعة، والروح والجسد، والخير والشر، والألم والسعادة. ولذا نجد المتحدث في إحدي مقطوعات القصيدة ينظر بحياد شديد للفتي والفتاة، وكأنه أحد العلماء ينظر إلي موضوع تجربة علمية! والموقف نفسه يتبدي في رؤيته للمنتحر، فبدل أن يحاول أن يفهم سر مأساته ودوافعه (أي بدل أن يحاول أن يدرك الأبعاد الإنسانية لما يراه)، فإنه يكتفي برصد موضع سقوط المسدس، وهي ليست مهمة الإنسان المتكامل، وإنما هي مهمة مفتش البوليس! ومن هنا يلجأ ويتمان إلي ما يسمي الكتالوج، أي ذكر مجموعة من التفاصيل غير المترابطة، تقدم بشكل أفقي متراصٌي، فهي متساوية ولا يمكن ترتيبها بشكل هرمي أو غير هرمي، لأنه لا يوجد معيار للحكم أو الترتيب.

ومثل هذه الرؤية للموت وللحياة، وهي رؤية تنكر وجوده، عادة ما تأخذ شكل دورات مرتبة متكررة، فالحياة مثل الموت وحدات متكررة، وكأنها العّوْدج الأبدي عند نيتشه. ولذا في المقطوعة الثانية يعلن الشاعر أنه لا وجود للموت حقٌا. كما يعلن في المقطوعة التي تليها أن من يموت سعيد الحظ، تماما مثل من يولد. كل شيء يسير قجدجما، وعاليا، ولا شيء يسقط.

ولأن رؤيته للميلاد والموت رؤية دائرية، فإن كل البشر خالدون، ولتفسير هذا القول لابد أن نشير إلي منظومة وّحْدة الوجود، أي حلول الخالق في مخلوقاته، بحيث يتوحٌّد بها، ويصبح العالم جوهرا واحدا، فلا تبقي هناك أية ثنائيات، بما في ذلك ثنائية الإنسان والطبيعة، والحياة والموت، فتتساوي كل الأشياء، ويصبح الخلود مثل الموت جزءا من دائرة تدور بدون هدف أو غاية (مما يذكرنا بالعود الأبدي عند نيتشة)، ولكنها تدور وتدور: الأرض طيبة، والنجوم طيبة، وتوابعها طيبة كلها، كلها نفس الشيء. أنا عشير الناس ورفيقهم/ وكلهم عادل وخالد وبعيد الغّوْر، مثلي. ولكن إذا كان كل الناس عادلون، فكيف نفسر الظلم والشر، لكن منظومة وّحْدة الوجود تنتهي دائما بالنيرفانا والفناء، وذوبان الجزء في الكل فتتساوي التفاصيل، وتفقد هجويتها.

إن إنكار الموت والرؤية الدائرية للتاريخ (أي أن التاريخ مجرد دورات متكررة، ولأنها متكررة فلا معني لها)، رؤية عبثية فهي إنكار للزمان، ومن ثم فهي تنطوي علي إنكار للتاريخ. وإنكار التاريخ (وإعلان نهايته) إنكار للوجود الإنساني ذاته. فالإنسان يتسم بثنائية هي من صميم إنسانيته. إنه يعيش في التاريخ والطبيعة، ولكنه قادر علي تجاوزهما، وهذه الثنائية هي مصدر تركيبيته الإنسانية.

***

وموضوع الموت (والزمان) من أهم الموضوعات المتواترة في شعر الهايكو الياباني، وهي أقصر الأنواع الأدبية، إذ تتكون كل قصيدة من ثلاثة أبيات شعرية قصيرة:

شيئان يسرقهما القمر

الضوء من سيقان الأشجار،

ويوم من حياتي.

تطفو البجعة بعيدا،

وقد حملت في ريشها

ضوءّ النهار.

القصيدتان السابقتان من شعر باشو، أشهر شعراء الهايكو، بل هو واضع أسسه. ويحق للمرء أن يتساءل: هل هما عن الموت ومرور الزمن، أم عن منظر طبيعي جميل يتسم بشيء من الحزن؟!

العناصر الطبيعية موجودة، وبشكل واضح، وسطح القصيدتين مليء بها (القمر­ الأشجار­ البجعة­ الريش­ ضوء النهار). ولكن هذه العناصر لم توضع بشكل زخرفي أو عشوائي، وإنما رتبت بطريقة تولٌِد معني محددا. فنلاحظ أن في كلا القصيدتين صورة أساسية، وهي الغياب التدريجي للضوء، فالبجعة تحمله بعيدا والقمر يسرقه، فكأن هناك حركة من حالة الضياء إلي حالة الظلام (أو علي الأقل العتمة)، ومن حالة الحضور إلي حالة الغياب. وإذا كانت القصيدة الأولي توحي بالمعني: فإن الثانية، رغم قِصّرها، تقررها: فالقمر يسرق الضوء ويوما من حياته، فالضوء هو الزمان، هو حياته، ومن هنا فحينما يسرق القمر الضوء من سيقان الأشجار، فإنه يخضعها لحكم الزمان والموت.

ولكن.. هل هناك مجال لتجاوز مأساة الموت؟ الإجابة ستكون بلا شك بالنفي. ومع هذا، يمكن القول إن ثمة تجاوزا من خلال البعد الجمالي، فالسطح والصور والألوان، رغم أنها زائلة عابرة، ورغم أن الضوء ينسحب، إلا أن كل هذه التفاصيل تظل محتفظة بجمالها، ولعلها بذلك تدخل بعض العزاء علي قلوبنا، حتي ونحن في طريق العودة!

***

وإذا انتقلنا من باشو (الياباني) إلي طاغور (الهندي) فإننا سنلاحظ نقاط اتفاق واختلاف. فالعناصر الطبيعية أساسية في جميع المراثي، إذ يبدو أن العقائد الآسيوية الحلولية (مثل الشنتو والهندوكية) تجعل الإنسان جزءا من دورات الطبيعة، ولذا فالموت لا يمكن أن يأتي بالمأساة، وإذا جاء بالمأساة: فإنها لن تكون حادة: لأن في العودة للدورة الكونية العزاءّ كل العزاء. والقصائد القصيرة التالية (وقد ترجمها إلي الإنجليزية ديمتري أفييرنيوس) مثل جيد علي ذلك:

إنما ولادة الأوراق وموتها هي الدورات السريعة للدوامة التي تتحرك دوائرها الأوسع ببطء بين النجوم.

وتظهر صورة الدائرة بطريقة مستترة في القصيدة التالية:

أفكر في أزمنة طّفّتْ علي ساقية الحياة والحب والموت، ثم طواها النسيان، فأشعر بحرية الموت.

والرؤية هنا لا تختلف كثيرا عن رؤية وولت ويتمان الذي ساوي بين الحياة والموت داخل الدورات الكونية التي تستوعب الإنسان، فيحقق من خلال الذوبان فيها حريته وخلاصه.

والموقف نفسه يتكرر في هذه القصيدة:

إن ما ينتهي بالإنهاك هو الموت، لكن النهاية الكاملة هي في اللانهاية.

ومع هذا، ورغم هذه الرؤية الحلولية الدائرية التي تساوي بين الحياة والموت وبين الإنسان والطبيعة، فإن الإحساس بالمأساة وبحدود الزمان لا يمكن أن يمحي تماما. وفي القصيدتين التاليتين سنجد مسحة من الحزن لا تختلف كثيرا عما وجدنا في قصائد باشو:

طيور الصيف الشاردةج تّحجطٌج علي نافذتي، لتشدو ثم تطير مبتعدة

وأوراق الخريف الصفراء، التي لا أغنيات لها، ترتعش ثم تّهوِي متنهدة.

نهاري انتهي، وإني لأّشّبهج بقارب يجسحب نحو الشاطئ

مصغيٌا لموسيقي المّدٌِ الراقصةِ في المساء.

بنية هاتين القصيدتين لا تختلف كثيرا عن بنية قصيدتي الشاعر الياباني باشو، فكما أن النور كان ينسحب في قصيدتي باشو، فإننا نجد هنا حركة انسحاب: طيور الصيف التي تبتعد، وأوراق الخريف التي تهوي، والقارب الذي يسحب نحو الشاطئ. وهي حركة تشير إلي النهاية، فالأوراق ترتعش ثم تهوي متنهدة، والقارب يسحب نحو الشاطئ مصغيا لموسيقي المد الراقصة في المساء. ويلاحظ أن المتحدث في هاتين القصيدتين يشير إلي كثير من العناصر الطبيعية المتعينة، علي عكس القصائد الثلاثة السابقة، حيث نجد أن المتحدث يلجأ إلي تقرير رؤيته الكونية العامة بشكل مباشر لا يتخلله إلا الحد الأدني من الصور، وهذا يعود إلي أن الرؤية العامة رؤية فكرية عقلية، تتعامل مع العام، مع دورات متكررة، تحسم قضايا المعني والمأساة وحدود الزمن عن طريق إلغائها. أما القصيدتان الأخيرتان: فإن المتحدث يواجه فيهما الزمان كإنسان يدرك حدوده، وأن نهايته هي نهاية كائن فرد له خصوصيته، ومن هنا يأتي إصغاؤه إلي موسيقي المساء الحزينة.

***

وإذا كان المتحدث في بعض قصائد طاغور قد وجد العزاء في دورات الطبيعة والكون: فإن المتحدثة في قصيدة الشاعر الصيني جان جيولنح (673­ 740م) لا تتبني هذا الموقف:

منذ أن رحل عني سيدي،

هجرتج نّوْلي،

وأظلم القمر، قلبه مجثْقل بالحزن،

إذْ يري كآبتي المتزايدة.

المتحدثة في هذه القصيدة منفصلة عن دورات الطبيعة، بل إنها تستوعبها في فضائها الإنساني. فرحيل السيد نجم عنه أمران: أن المتحدثة هجرت نّوْلها (عالم الآلة والحضارة)، وأن القمر نفسه (عالم الطبيعة) قد أظلم، فكأن حزن المتحدثة قد استوعب العالم بأسره.

***

وثمة شاعر صيني آخر يتبنٌّي موقفا مماثلا (أعتذر للقراء عن عدم ذكر اسمه، فقد احتفظت بالنص دون الاسم):

سّرْعانّ ما يجفٌج الندي

الذي تساقط علي ورقة الشجر.

ولكن الندي الذي سّرْعانّ ما يجف

سيتساقط مرة أخري غدا علي ورقة الشجر.

أما هذا الذي حملنا إلي القبر،

فلن يعود إلينا مرة أخري أبدا.

تبدأ القصيدة بأربعة بأبيات متماثلة تقريبا في عدد الكلمات والبناء، فالبداية مثل النهاية، فالحركة الدائرية الكاملة لا تعرف البداية أو النهاية. وفي الحضارة الصينية يأخذ الين واليانج (الذكر والأنثي، والسالب والموجب) في تكاملهما شكل دائرة كاملة تشير إلي التوازن والتناسق واختفاء الصراع، وفي نهاية الأمر الكمال. وفي كثير من الحضارات نجد أن للدائرة دلالاتي شبيهة، ولكن الحركة الدائرية التي تستوعب الإنسان الفرد حركة لا تعترف بالخصوصية والفردية والفرادة، وهي كلها صفات من صميم الوجود الإنساني، وهي وحدها مصدر الإحساس المأساوي بالموت: لأن الإنسان لو كان مجرد جزء عضوي من كلٌي ليس له ما يميزه عن بقية الكائنات، فإن ذهابه يكون مثل ميلاده، وغيابه يتساوي وحضورّه (كما هي الحال مع شعر ويتمان)، وهو ما يرفضه هذا الشاعر الصيني. ولذا تنتهي القصيدة بتأكيد إنسانية الإنسان وخصوصيته وفرادته واختلافه الجوهري عن الكائنات الطبيعية، التي تدور مع الدورات الكونية. فهذا الذي حملنا إلي القبر/ لن يعود إلينا مرة أخري أبدا،رغم تكرار الدورات الطبيعية الرتيب.

***

نقلت إلينا القصيدة السابقة موقف الشاعر من خلال استخدام صورة الندي الذي يتساقط ويجف، ثم يتساقط ويجف إلي ما لا نهاية، في مقابل القبر الذي يحمل إليه المرء مرة واحدة. وتأخذ بنية القصيدة شكل أربعة أبيات دائرية بلا بداية أو نهاية، في مقابل بيتين يأخذان شكل خط مستقيم ذي بداية ونهاية واضحة. وفي قصيدة الشاعر الإنجليزي الرومانسي وليام وردزورث التالية نحن سبعة نجد هذين الموقفين جنبا إلي جنب: واحد لا يختلف عن الموقف الحلولي الدائري الذي لا يميز بين الموت والحياة ويساوي بين الإنسان والطبيعة، وموقف آخر أكثر عمقا، يدرك أبعاد مأساة الإنسان الذي يعيش في الزمان والتاريخ. ولكن تم التعبير عن هذين الموقفين المتناقضين بطريقة درامية كوميدية. وفيما يلي نص القصيدة:

الطفل الساذج

الذي يتنفس في خفة وحيوية،

وتضج الحياة في كل أوصاله..

ماذا عساه أن يعرف عن الموت؟

قابلت مرة طفلة تعيش في كوخ

تقول إنها في الثامنة.

كان شعرها كّثٌا

تحيط تموجاتجه الكثيرة بوجهها.

كانت سيماؤها ريفية بريئة

بدائية الهندام،

وعيناها جميلتان­ جدٌج جميلتين،

لقد سرني جمالها حقٌا.

كم لكِ من الإخوة والأخوات

أيتها الفتاة الصغيرة؟

أجابتني: كم؟ نحن كلنا سبعة.

ثم نظرت إليٌّ في حيرة.

أين هم الآن؟ بربك خبريني،

فأجابت سبعة نحن:

يقطن اثنان في كونواي،

واثنان أبحرا،

اثنان يرقدان في فناء الكنيسة،

أختي وأخي.

أما أنا، فأسكن مع أمي علي مقربة منهما

في كوخ فناء الكنيسة.

تقولين: اثنان يقطنان في كونواي،

واثنان أبحرا،

ولكنك تقولين إنكم سبعة، فبالله خبريني

يا حجلوتي العزيزة! كيف يكون هذا؟

حينئذي ردت الصبية الصغيرة:

سبعة من الأولاد والبنات نحن:

اثنان منا يرقدان في فناء الكنيسة

تحت الشجرة في فناء الكنيسة.

ها أنتِ تِّجرِين في كل مكان، يا صغيرتي،

وأوصالك تضج بالحياة.

وإذا كان اثنان يرقدان في فناء الكنيسة

إذن فأنتم خمسة ليس إلا!.

أجابتني الصغيرة: قبراهما تكسوهما الخجضْرة

وبوسعكّ أن تراهما.

وإذا سِرْتّ اثنتي عشْرةّ خجطوة من باب منزلنا،

ستجدهما راقدينِ.. الواحدّ بجوار الآخر.

وهناك طالما رّتّقت جواربي

وخِطْتج حافّةّ منديلي.

وهناك أفترش الأرض

وأغني لهما أغنية.

وكثيرا يا سيدي ما كنت بعد الغروب،

إذ الطقس طّلْق وجميل،

آخذ طبقي الصغير

وأتناول عّشائي هناك.

أول من ذهب كان أختي جين:

استلقت في فراشها تئن،

حتي أراحها الله من آلامها،

وحينئذي ذهبت ولم تعد.

وهي لهذا ترقد الآن في فناء الكنيسة.

وحينما يبس العشب،

كنا نلعب حول قبرها

أنا وأخي جون.

وعندما اكتست الأرض بالثلج الأبيض،

وأصبح بوسعي الرٌّكْضج والتزحلق،

أجرغم أخي جون علي الذهاب،

وهو يرقد الآن بجوارها.

فقلت: كم أنتم إذن،

إذا كان اثنان في السماء؟.

فجاءتني إجابة الصغيرة دون تردد:

سيدي، إننا سبعة.

ولكنهما قد ماتا، هذان الاثنان قد ماتا،

وروحاهما الآن في السماء.

هّباء ضاعت كلماتي، فالصغيرة

بقيت علي عنادها

وقالت: لا، بل سبعة نحن.

الرقم سبعة رقم سحري في الوجدان الشعبي وفي الأساطير وفي معظم الأديان، فنحن نتحدث عن السماوات السبع، والخطايا السبع، وأيام الأسبوع السبعة، وخلق العالم في سبعة أيام. ويبدو أن هذا الرقم يشير إلي نوع من أنواع الاكتمال، ولعل هذا هو سر اختيار الشاعر إياه. وكل القصائد التي تناولناها حتي الآن تضم متحدثا واحدا يحاول أن ينقل إلينا رؤيته للموت، ولكن هذه القصيدة قصيدة حوارية: إذ إنها تضم المتحدث وهو يحاور طفله.

تبدأ القصيدة بوصف لطفلة ساذجة تجحسٌج بالحياة التي تضج في كل أوصالها، ولذا فهي لا تعرف شيئا عن الموت. ويذكر المتحدث بعض التفاصيل القلقة التي اكتسبت معناها المحدد مع نهاية القصيدة، (فشعر هذه الفتاة كّث تحيط تموجاته الكثيرة بوجهها). يبدأ الحوار بسؤال: كم لك من الإخوة والأخوات أيتها الفتاة الصغيرة؟، فتأتي الإجابة: نحن سبعة. حسنا إن كنتم سبعة، فأين هم؟ وتبدأ الفتاة في عملية الإحصاء البسيطة: اثنان يقطنان بعيدا في مدينة كونواي، واثنان أبحرا، واثنان يرقدان في فناء الكنيسة، أما هي السابعة فتعيش مع أمها علي مقربة منهما. هنا يضطر المتحدث أن يبين لها الفرق بين الحياة والموت أوصالك تضج بالحياة، أما هما فيرقدان في فناء الكنيسة، فأنتم لستم سبعة بل خمسة وحسب. ولكن الفتاة لا تدرك معني قوله هذا، وتعيد تأكيد وجهة نظرها وتعطيه مزيدا من التفاصيل: فهما يرقدان تحت شجرة في فناء الكنيسة، وقبراهما تكسوه الخضرة، وهما علي بعد اثنتي عشرة خطوة من باب المنزل، وهي تذهب كل يوم إلي هناك لتمارس أنشطتها اليومية العادية فترتق جواربها، وتأكل طعامها، وتغني لهما أغنية.

الموت هنا ليس شيئا بعيدا، وإنما هو مستوعب تماما في دورة الحياة اليومية، وليس له وجود مستقل عنها. ولذا فالاثنان اللذان يرقدان في فناء الكنيسة لم ينتقلا من حالة إلي أخري مختلفة عن الأولي تماما، وإنما انتقلا انتقالا بسيطا في المكان، أما الزمان، فهو هو لا يتغير.

ولكن المتحدث الذي يدرك الزمان والتاريخ يصر علي أن يبين لها أن الحالتين مختلفتان تمام الاختلاف. إذا كان اثنان في السماء فكيف يكونون سبعة إذن؟! الأمر واضح تماما له، ولكن الفتاة تصر علي أنهم سبعة. عند هذه اللحظة يجد المتحدث أن من الضروري أن ينطق بالكلمة، وأن يخبرها بالحقيقة المرة، وبدل أن يقول إنهما في السماء، فإنه لا يستخدم أية كلمات مبهمة هذه المرة فيؤكد لها بشكل مباشر أنهما قد ماتا، هذان الاثنان قد ماتا، وروحاهما الآن في السماء. ولكن فكرة الموت لم تصل إلي الفتاة، وراحت الكلمات هباء، وبقي المتحدث في إطار وعيه المأساوي بالموت، وبقيت الفتاة في إطار إدراكها الساذج الذي لا يميز بين الحياة والموت. فهل هي مّلاك الحياة، أم ملاك الموت؟ هل هي جزء من الطبيعة والكون لا تدرك، ولا يمكنها أن تدرك، عمق مأساة الإنسان الذي يعيش في الزمان؟ هل هي كائن طبيعي تنتمي لعالم الطبيعة (وليس لعالم الإنسان) شعرها كث، تحيط تموجاته الكثيرة بوجهها؟ هل إصرارها علي التفاصيل والأعداد (نحن سبعة، اثنان يقطنان في كونواي اثنان أبحرا اثني عشرة خطوة من منزلنا) يدل علي مدي التصاقها بالأرض وبالسطح الظاهر. وحتي يبين الشاعر مدي عمق الاختلاف بين رؤيته ورؤيتها، جعل كل مقاطع القصيدة رباعية، إلا المقطع الأخير فهو خماسي، والبيت الخامس والأخير هو عبارة الطفلة لا، بل سبعة نحن!.

***

والقصائد التالية تتعامل مع إشكالية كيف يرثي الشاعر طفلة كان يعرفها ولكن عن بعد، وكان يراها، مفعمة بالحياة، ثم تذوي. كتب القصيدة الشاعر الإنجليزي وولترسافيدج لا ندور، وهو عالم كلاسيكيات كان يكتب شعرا في عصر الرومانسية، ويتسم بالاعتدال الكلاسيكي في التعبير عن العواطف:

آهي! وماذا يفيد بنو الإنسان ذوو الصولجان؟

آهي! وماذا يفيد الشكل المقدس؟

وماذا تفيد كل الفضائل، وكل الرقة؟

كلها كانت من نصيبك، روزإيلمر، يا طفلتي.

روزإيلمر، يا من تسكب هذه العيون الساهرة

الدمعّ من أجلك، ولكنها لن تراكِ،

ليلة واحدة من الذكريات والأشجان

سأكرٌِسها لكي.

كيف يكتب الشاعر مرثية طفله، خاصة إن لم تكن ابنته؟ إذا نظر إلي هذه المأساة بحياد، فإنه يكون قد تجرد من كل العواطف الإنسانية. ولكنه لو انغمس في البكاء والنحيب، فإنه سيتهم بالتطرف في العاطفة الزائدة. كيف يمكن ضبط نبرة مثل هذه القصيدة؟ حل الشاعر وولتر سافيدج لا ندور (وهو من شعراء القرن التاسع عشر ولكنه كان ينتمي إلي المدرسة الكلاسيكية) هذه الإشكالية بأن ربط بين الطفلة والجنس البشري بأسره، فهي لم تعد مجرد طفلة، وإنما أصبحت رمزا لبني الإنسان بكل عظمتهم وكبريائهم وفضائلهم، ثم يضيف أن كل هذا لا يفيد حين يأتي الزائر الأخير.

بعد أن حدد لنا المتحدث دلالة موت الطفلة ووضعه في هذا السياق الإنساني العريض، يضيق من البانوراما ويركز علي علاقته بالطفلة وبحزنه من أجلها، ولكنه لن ينغمس في الأحزان، ولذا فهو يقول إنه سيكرس لها ليلة واحدة، ليلة واحدة فقط، من الذكريات والأشجان، فهو يعرف الحزن، ولكنه يعرف أيضا حدوده.

***

في القصيدة التالية نصل إلي إشكالية الإشكاليات: كيف يمكن أن يكتب الشاعر مرثية ابنته؟ هذا ما حاول وردزورث إنجازه بصعوبة بالغة في قصيدته أحسست بالفرح بغتة، وهي من طراز السونت:

أحسست بالفرح بغتة، وصرت بّرِما كالريح،

فالتفت حتي أقتسم النشوة­ آه، مع من.. سِواكِ

أيتها المدفونة عميقا في القبر الساكن،

هذه البقعة التي لا يبلغها تقلب أو تحول.

الحب، الحب الوفي، أرّجّعِك إلي ذاكرتي.

ولكن، كيف يتأتٌّي لي أن أنساك؟ أية قوة

أّمكنها أن تجعمي بصيرتي وتجنسيني،

حتي ولو لبرهة قصيرة،

كنزي الغالي الذي فقدت؟

إن عودة الذكريات إليٌّ، هي أمضٌج ألم حمله لي الحزن،

لا يعادله سوي ألمي حينما وقفت مرة وحيدا بائسا،

مدركا أن أغني كنوز قلبي قد ذهب إلي الأبد،

وأنه لا الحاضر ولا السنون التي لم تولد بعد،

يمكنها أن تعيد إلي ناظري ذلك الوجهّ السماوي.

تقف سونت وردزورث هذه علي طرف النقيض من القصيدة السابقة. فالطفلة هي ابنة الشاعر، ولذا فالاستغراق في الأحزان أمر متوقع. تبدأ القصيدة بالشاعر الرومانسي وقد غمره الفرح بغتة، حتي صار بّرِما كالريح، برما بالحدود، ولذا فهو يشعر بالنشوة وبالرغبة في تجاوز الحدود. ولعل صورة الريح تدل علي أن الشاعر قد أحس بأنه جزء من الطبيعة ودورانها، ولذا فهو يشعر بقدر من الخلود.

ولكن كل هذه المشاعر تتوقف فجأة، تماما مثل الإحساس بالفرح الذي باغته، إذ يتذكر طفلته المدفونة في باطن الأرض. والذاكرة عند وردزورث هي علامة إنسانية الإنسان، فهي التي يختزن من خلالها التجارب، وهي أساس الإدراكّ الناضج، وهذا هو دورها في هذه القصيدة. فالذاكرة تجعله ينفض عن نفسه أوهامه الرومانسية بأنه جزء من الطبيعة حين يتذكر طفلته المدفونة عميقا في القبر الساكن، في بقعة لا يبلغها تقلب أو تحول (علي عكس الريح المتحركة المتغيرة). ثم يبدأ الشاعر في تعنيف نفسه: كيف بوسعه أن ينسي صغيرته حتي ولو للحظة واحدة؟ كيف أمكنه أن ينسي كنزه الغالي؟ وكلمة كنز هنا رغم أن لها إيحاءات إيجابية، إلا أنها تذكرنا بأن الكنز عادة ما يكون مدفونا في الأرض. فالحركة في القصيدة، بعد التحليق في البداية تتجه نحو أعماق الأرض، من عالم اللاحدود إلي عالم الحدود والموت، من عالم الفرح الرومانسي إلي عالم الإدراك المأساوي، إذ إن الشاعر الآن يعرف أن أغني كنوز قلبه قد ذهب إلي الأبد، وأنه لن يري ذلك الوجه السماوي مرة أخري.

ورغم أن عبارة الوجه السماوي هي تعبير عن صميم إحساسه بالمأساة، فإنها أيضا تشير إلي إمكانية تجاوز حدود القبر الساكن إلي عالم أكثر رحابة، أي أن الشاعر يستعيد قدرا من الثنائية (من خلال الصور الشعرية) حتي يتجاوز مأساته.

***

القصيدة التالية من نوع السونت أيضا وهي تتعامل مع الموقف بشكل مباشر، لا ثنائيات فيه، بل إن محاولة التجاوز فيه واهية أو غير موجودة أساسا. وهي للشاعر الرومانسي الإنجليزي جون كيتس، عنوانها عندما تنتابني المخاوف أن أتوقف عن الوجود:

عندما تنتابني المخاوف أن أتوقف عن الوجود

قبل أن يحصد يّراعي نِتاجّ عقلي الخصيب،

ويجودِعّه حروفا في أكداس من الكتب عالية،

تضمه، كما تضم الأجران الثرية ناضج الحبوب:

وعندما أشاهد علي مجحيٌّا الليل المرصٌّع بالنجوم،

رموزا لقصة خيالية رائعة،

ثم أفكرج بأن العيش قد لا يطول بي أبدا حتي أحاكي

أطيافّها، باليد الساحرة للمصادفة:

وعندما أشعر، يا مخلوقا بديعا زائلا،

أني لن أتملاٌّك ثانية أبدا،

وأبدا لن أنال متعة السطوة السحرية

للحب المتدفق: إذٌّاك.. أقف وحيدا

علي شاطئ العالم الرحيب وأتفكر

إلي أن يغرق الحب والشهرة في العدم!

لعل القارئ لاحظ أنني لا أذكر شيئا عن حياة الشاعر، وأفضل أن أتعامل مع النص الشعري في حد ذاته، ليس بوصفه بنية مغلقة، وإنما بوصفه بنية متماسكة: مجموعة من العلاقات المتداخلة التي تماثل (ولا تعكس) الواقع الإنساني كما خبره الشاعر. وحياة الشاعر الخاصة، في معظم الأحيان، ليست ذات أهمية كبيرة في إلقاء الضوء علي هذه البنية الشعرية في تماسكها وفي تماثلها مع الواقع الإنساني. ولكن في هذه القصيدة بالذات قد يكون من المفيد أن نذكر أن شاعرنا، (جون كيتس)، كان طبيبا، داهمه مرض السٌجلٌِ وهو بّعْدج في رّيْعان الشباب، وكان يعرف أنه سيلاقي حتفه إن عاجلا أم آجلا، لأن هذا المرض لم يكن له علاج آنذاك. وكانت إشكالية حياته الشخصية الفنية هي خوفه من الموت قبل أن يحصد يراعجه نتاجّ عقله الخصيب. ويستخدم المتحدث ثلاث صور أو مواقف شعرية للتعبير عن مخاوفه، أولاها مقارنة نتاج عقله ووجدانه (حروفا في أكداس عالية من الكتب) بناضج الحبوب التي تضمها الأجران الثرية، وهو حصاد يخشي المتحدث ألا يتم. ثم يستخدم صورة شعرية أخري أو موقفا آخر، فهو يري ليلا مرصٌّعا بالنجوم فيحوله عقله الخصيب إلي رموز هائلة لقصة خيالية رائعة يمكنه أن يحاكي أطيافها، ثم يعبر عن مخاوفه أن العيش قد لا يطول به ليصورها. ثم ينتقل إلي الموقف الثالث تاركا عالم الشعر ليتحرك في عالم الحياة، (عالم حبيبته، عالم الحب المتدفق)، ويعرف أن حبيبته إلي زوال، وأنه هو الآخر إلي فناء.

إذٌّاك.. يقف وحيدا ويتفكر، فيغرق كل شيء: الحب والشهرة (أي نتاجه الشعري) في العدم. إن المتحدث هنا مدرك تماما أنه لا يمكنه تجاوز الموت، ولا يمكنه التخفيف من حدة المأساة، علي عكس شكسبير ­مثلا­ الذي كان يري أن الفن يمنح الخلود، فالرؤية هنا مأساوية تماما.

***

وقصيدة أمل دنقل ضدٌّ مّنْ تشبه قصيدة چون كيتس التي سبقت من بعض النواحي (رفض العزاء)، ولكنها تختلف عنها في أنه يحاول في اللحظة الأخيرة أن يجد نقطة عزاء من الموت يتجاوز الآن وهنا، ويتجاوز الزمان الدنيوي الخالص:

في غرف العمليات

كان نقاب الأطباء أبيض،

لون المعاطف أبيض،

تاج الحكيمات أبيض، أردية الراهبات،

المجلاءات،

لون الأّسرٌّة، أربطة الشاش والقطن،

قرص المنوم، أنبوبة المصل،

كوب اللبنْ..

كل هذا يشع بقلبي الوّهّنْ

كل هذا البياض يذكرني بالكّفنْ!

فلماذا إذا مِتٌْ ...

يأتي المعزون متشحين ...

بشارات لون الحداد؟

هل لأن السواد ....

هو لون النجاة من الموت؟!

لون التميمة ضد ... الزمن،

ضدٌّ مّنْ؟

ومتي القلبج ­في الخفقان­ اطمأنٌْ؟!

***

بين لونين: أستقبل الأصدقاء

الذين يرون سريريّ قبرا

وحياتيّ .. دهرا

وأري في العيون العميقةْ

لونّ الحقيقةْ

لونّ ترابِ الوطنْ!

القصيدة مأساوية وبسيطة، تستخدم لونين اثنين، كما هي الحال في الميلودراما والكاريكاتير: أبيض وأسود. وعنوان القصيدة دالٌ للغاية، فهو يعني التضاد البسيط الكامل بين حالتين يمثل كل لون حالة عكس الأخري، فكل شيء في المستشفي أبيض. وهنا تظهر عبقرية الشاعر عندما يدخل أبسط التفاصيل داخل إطار واحد: نقاب الأطباء _ لون المعاطف­ تاج الحكيمات­ أردية الراهبات­ الملاءات.. إلخ. وكل هذا البياض يذكره بشيء واحد: بالكفن!

وهنا يأتي الشاعر بالمقابل أي اللون الأسود، ويسأل: لم يأتيه معزوه متشحين به؟! ثم يضفي علي اللون الأسود مضمونا عدوانيٌا، فكأن المعزين لم يأتوا لتعزيته ومواساته (فلا عزاء ولا مواساة في مثل هذا الموقف)، وإنما جاءوا يحتمون بالسواد من بياض الموت الذي أحاط به.

ولكن ما ينقذ الشاعر من العدم هو أنه يشير في النهاية لا إلي المعزيين، وإنما إلي الأصدقاء أصدقائه. وهذا التحول هو محاولة من جانب الشاعر لتجاوز عالم التضاد البسيط، عالم الأبيض والأسود. فهو حينما ينظر في عيون الأصدقاء (لا إلي أرديتهم) فإنه يري لون الحقيقة، التي لا هي بالأبيض ولا بالأسود، والتي ستبقي بعده، ويري لون تراب الوطن الخالد، فكأنه يتجاوز الزمان من خلال إدراكه للحقيقة ومن خلال إيمانه بالوطن!

***

وقد تناول صلاح جاهين الموت في بكائية إلي جون كندي وهي مرثية فريدة، فالمّرْثيٌّ هو رئيس جمهورية الولايات المتحدة:

يعني كان لازم تطاطي وتغسل الرجلين يا جون؟

يعني كان لازم يفيض بيك الكرم وتفيض بروحك ع الغيطان؟

يعني كان لازم تموت،

علشان افتح محارة قلبي عن كلمة حنان

مرة في العمر لمليونير من البيض الجبابرة الأمريكان

بس إنسان؟

آه لو الإنسان يشوف التاني إنسان قبل ما يفوت الأوان

آه وآه!

لعنة الله ع الحياة

لو تكون ستار ولازم يتمزع علشان ما بني آدم يبان!

رحمة الله ع الشرف

لو يكون نجمة شريف لابد يخرمها الرصاص

لجل يخرج م الرعاة راعي يبشر بالخلاص

وسلام الله علي جسد الشهيد

والوليد

اللي عمٌِدوه بدمه

وانتزع من حضن أمه

واترسم قديس عريس في روحانيات الزنوج.

جون يا جون يا بو الجراح،

جون يا جون نام في أمان،

شعلة الحرية وقعت ع التلوج،

في بحيرة متشيجان،

التلوج دابت، وبان اللولي والمرجان، وبان الكهرمان...

واشتراكي عربي، أفريقي، ناح،

وانتحب ع الساكسفون

مرة في عمر الزمان.

جون يا جون روحك مياه

بلورية، صافية، دافيه جايه من كل اتجاه،

زي ما تكون دمعه واحدة، كبيرة، قد الكون يا جون

يا يوحنا المعمدان.

حينما اغتيل الرئيس كندي تأمل كثير من الناس في هذه اللحظة الفريدة الحزينة، لحظة اغتيال رئيس جمهورية الولايات المتحدة، الذي يري البعض أنه أهم رجل في العالم. وقد كتب صلاح جاهين بكائيته في هذه اللحظة. والبكائية نوع أدبي شعبي، قصيدة عادة ما تغني علي لسان زوجة تنوح علي زوجها الذي قضي نحبه، ولذا نجد هذا النوع الأدبي يتسم بقدر كبير من المبالغة.

وحينما نطالع هذه القصيدة سنكتشف أن الشخصية الأساسية فيها ليست كندي، وإنما هي الشاعر نفسه، فهو اشتراكي عربي إفريقي يؤمن تمام الإيمان أن أمريكا الرأسمالية البيضاء هي دولة إمبريالية تستغل العالم، ولكن مع هذا حينما تفيض دماء كيندي يتعرف الشاعر علي إنسانيته، فكأنه المسيح نزفت دماؤه _حسب التصور المسيحي­ لتغسل ذنوب البشر.

تبدأ القصيدة بعدة أسئلة خطابية، يوجهها الشاعر إلي كندي، ولكنها في واقع الأمر موجهة إليه هو نفسه:

يعني كان لازم يفيض بيك الكرم وتفيض بروحك ع الغيطان؟

يعني كان لازم تموت،

علشان افتح محارة قلبي عن كلمة حنان

مرة في العمر لمليونير من البيض الجبابرة الأمريكان

بس إنسان؟

إن إدراك إنسانية كندي توقظ شاعرنا من سباته العميق، ولكنه إدراك يأتي متأخرا، ولذا فهو إدراك مأساوي. ولكي ينقل لنا الشاعر هذا الإدراك المأساوي يستخدم مجموعتين من الصور: واحدة مستمدة من العقيدة المسيحية التي يتمثل جوهرها في مفارقة أساسية: أن المسيح يأتي بالحياة من خلال موته، وتأتي البداية ­بداية الخلاص­ من خلال نهايته، وهو إنسان فقير متواضع ولكنه ­حسب التصور المسيحي­ ابن الإله. تبدأ القصيدة بعدة صور مأخوذة من حياة المسيح، وكندي هو مسيح القرن العشرين الذي يضحي بنفسه حتي يأتي بالخلاص للبشر، وأول أفعاله هي غسل الأقدام، وهذه هي وظيفته في هذه القصيدة أن يغسل الشاعر من خطيئة سقوطه في الأيديولوجية التي أعمته عن رؤية الآخر. والصورة الثانية هي صورة الفيضان الذي يفيض علي الحقول فيطهرها ويأتيها بالنماء، والنتيجة هي خلاص الشاعر، إذ يتفتح قلبه عن كلمة حنان، ثم ينزع الستار ليظهر الإنسان. فالصور هنا كلها تدور حول حاجز أو غطاء يرفع ليظهر جوهر إنسانية الإنسان.

ومجموعة الصور الثانية مستمدة من عالم أفلام رعاة البقر الأمريكية (الكاوبوي والويسترن). ولعل استخدام الشاعر لهذه الصور الأخيرة هو تعليق علي رؤيته الميلودرامية الاختزالية التي جعلته يري البشر من خلال لونين اثنين: أبيض وأسود، خير وشر ­كما هي الحال في أفلام الكاوبوي، ولذا لم يدرك إنسانية الآخر. ولكن مع هذا تمتزج الصور:

رحمة الله ع الشرف

لو يكون نجمة شريف لابد يخرمها الرصاص

لجل يخرج م الرعاة راعي يبشر بالخلاص!

وتلتقي مجموعتا الصور في كلمة راعي. فالراعي هنا هو الكاوبوي، وهو أيضا الشريف، أي مأمور المدينة والمسئول عن الأمن فيها، ولكنه في الوقت ذاته هو الراعي/ المسيح الذي يبشر بالخلاص. ونجمة الشريف هي أيضا رمز المسيح في التصور المسيحي (نجمة بيت لحم). وهكذا تتضافر الصور المستمدة من عوالم مختلفة لتنقل لنا رؤية الشاعر. ثم يزداد التمازج بين الصور، فكندي هو المسيح، الطفل الذي انتزع من حضن أمه (مريم العذراء) وعمد بدمه، واترسم قديس عريس في روحانيات الزنوج. وكلمة روحانيات هي ترجمة لكلمة spirituals، وهو نوع من الأغاني التي يغنيها السود في الولايات المتحدة، وهي ذات طابع مسيحي ولكنها متأثرة بالأصول الإفريقية للأمريكان السود، وهي تعكس أيضا تجربتهم المريرة، ولذا فهي أغاني فرحة حزينة، تتحدث عن خلاص الروح وتحررها من ربقة المادة، تماما كما تحرر الشاعر من أعبائه الإيديولوجية التي حجبت عنه كندي الإنسان.

وبعد أن انكشف الغطاء وزالت الحواجز يتغني الشاعر ببطولة كندي. فهو لم يمت عبثا، فشعله الحرية سقطت علي الثلوج فذابت، (تماما كما فاضت دماء كندي، وكما مجزق الستار) فظهرت محارة القلب:

وبان اللولي والمرجان، وبان الكهرمان.

ولنلاحظ صور الأحجار الكريمة مرتبطة بظهور الإدراك الإنساني، ولذا يعلن الشاعر دون حرج:

واشتراكي عربي، أفريقي ناح،

وانتحب ع الساكسفون

مرة في عمر الزمان.

ولنلاحظ استخدام كلمة انتحب، فرغم أنه وصل إلي الإدراك الإنساني للآخر، ولكنه إدراك جاء متأخرا، والثمن كان باهظا، ولذا فأفراحه مّشوبة بأحزانه.

ثم يستخدم الشاعر صورة تستدعي كل الصور السابقة، صورة المياه الصافية الدافئة التي تتدفق من كل اتجاه، وكأنها دمعة واحدة كبيرة مثل الكون. فهذه الصورة تستدعي صورة غسيل الأقدام، والفيضان، والمحارة، والتعميد بالدم، والثلوح الذائبة. ولعل ذكر يوحنا المعمدان هنا بدلا من المسيح هو استمرار لصورة مياه التعميد التي تنتقل بالمرء من حالة جّدْب روحي، إلي حالة امتلاء وخصب ونماء. وهذا ما يحدث للشاعر في هذه القصيدة حين انتقل من الأيديولوجية التي أعمته، إلي الإدراك الإنساني العميق للآخر.

***

وحين تقع الواقعة، تعلو صرخة البطل (الفارس، الملك)، وتنغرس في الليل/ كما طوٌّح لصٌ خنجره. هذه الصورة الأخيرة تعكس ثنائية الموت، فهي صرخة ألم، ألم عميق، تنغرس في الليل، ولكنها مثل خنجر لص سرق حياة الملك.

وتصل الثنائية إلي ذروتها في السطور الأخيرة: الضوء يرتبك علي جسم البطل المهيض المرتطمْ/ علي الذراع المتهدل الكسير والقدمْ. ولكن البطل يبتسم، فقد عرف أشياءّ وصدٌّق النبأ. ولكن ماذا عرف؟ وما نوع الحكمة التي توصل إليها؟ لعله الغجنوص الكامل، حينما تلتحم روح الإنسان النوراني مع أصلها الإلهي مرة أخري، تاركة وراءها الجسد وعالم العوام الجسمانيين الذين لا يمكنهم أن يصلوا إلي الغنوص الكامل مهما حاولوا، فأقصي ما يمكن أن يطمحوا إليه هو أن يراقبوا البطل الغنوصي، فيجمد الرعب علي الوجوه/ لذة وإشفاقا وإصغاءّ، غير مدركين اللحظةّ المدمرة المتوقعة، لحظة التحقق الكامل!

***

قصيدة ناظم حكمت، الشاعر التركي، عن إنسان عادي يؤكد الحياة في مواجهة الموت، ويكتسب أبعادا بطولية، وهي بعنوان بورسعيد وهي ترجمة الدكتور الصفصافي أحمد المرسي:

هناك لا تجحصّي السفن

هناك تدنو الشمس، دون سحب.

في بورسعيد

كان منصور يطوف الشوارع

يمسح الأحذية.. يكسب العيش

وحافي القدمين.. حليق الرأس،

عمره عشرج سنين.

منصورْ نحيل أسمر

كنّواة البلح الأسمر

ساحرّ الصوت.. ينشد دوما

تراتيل لم تبرح فمه.. ليل يا عين..

أشعلوا النيران.. حرقوا بورسعيد

مات منصور في بورسعيد

ورأيتج اليوم وجهه

في وسط الصحيفة

وسط الموتي صغيرا

غاية في الصغر

ليل يا عين

كنواة البلح!

لحظة القصيدة هي لحظة العدوان الثلاثي علي مصر عام 1956، أي أن الواقعة الفردية تقع في داخل إطار تاريخي سياسي عالمي، لحظة مواجهة بين دولة تبحث عن استقلالها وقوي استعمارية تحاول أن تجهض هذا الاستقلال، فهو صراع بين صناع الحياة، وصناع الموت. تبدأ القصيدة بتأكيد عنصر الحياة.. ففي بورسعيد هناك عدد لا يحصي من السفن، والشمس تشرق ساطعة من غير سحب. أمام هذه الخلفية يظهر منصور (ولنلاحظ الاسم ودلالته) ماسحج أحذية فقير، مثلّ نواة البلح. وصورة نواة البلح هي استدعاء لمبدأ الحياة المتجدد المتدفق. ولأن منصور تعبير عن هذه الحياة، فهو يغني دائما دون انقطاع.

في الجزء الثاني تتحول صورة النور المضيء، (رمز الحياة)، إلي نار فاتكة، تفتك بالناس وبمنصور. ولكن الشاعر لا يستسلم لمبدأ الموت، إذ تنتهي القصيدة بأغنية منصور التي لا تنقطع بوفاة منشدها، وبإشارة إلي رمز الخِصْب والحياة: نواة البلح التي تكمن فيها النخلة الباسقة المتحدية!

***

والقصيدة التالية هذا هو الحقل الذي لم تنشب فيه المعركة مختلفة تماما في نبرتها، وفي رؤيتها للحياة (ومن ثّمٌّ للموت). وهي للشاعر الأمريكي المعاصر ويليام ستافورد:

هذا هو الحقل الذي لم تنشبّ فيه المعركة،

ولم يسقط فيه الجنديٌج المجهول.

هذا هو الحقل الذي شّبٌّكت فيه الحشائشّ أياديها،

حيث يرتفع نجصجب تذكاري،

وحيث الشيء البطوليٌج الوحيدج هو السماء.

الطيور هنا تطير دون صوت،

وتنشر أجنحتّها عبر الفضاء الفسيح.

لم يّقتل أحد ­ولم يجقتل أحد­ علي هذه الأرض

التي تقدست بالإهمال والهواء الأليف

حتي إن الناس يحتفون بها بنسيان اسمها!

هذه القصيدة ليست عن الموت، ولكنها مع هذا علي علاقة قوية بالموضوع، فهي عن غياب الموت، ولكن غياب الموت يعني أيضا غياب الحياة بكل ما تحتويه من انتصار وانكسار. ويمكننا القول إنها قصيدة تفكيكية تعادي فكرة البطولة وأي حلم بالتجاوز. ولعل رفض التجاوز يتواكب ورفضّ المجاز، فالمجاز يعني وجود مستويين: مستوي ظاهر مباشر، ومستوي كامن غير مباشر. وما يفعله الشاعر هو أنه يستخدم الخطاب البطولي ليفكك البطولة، ويستخدم خطاب التجاوز لإثبات استحالة التجاوز!

تشير القصيدة إلي مكان ما علي الحدود مع كندا، والأماكن الحدودية تتسم بأنها لا هجوية لها. وهذا المكان بالذات لم يشهد أية أحداث، فلم تنشّب فيه معركة، ولم يسقط فيه جنود، ولم يقتل فيه أحد. وقد يتصور القارئ أنها أرض حلٌّ عليها السلام لهذا السبب، ولكنه عليه أن يحذر من التعميم، وعليه أن يعرف دلالة الصور والكلمات، كما تتحدد داخل القصيدة، فما يسود المكان ليس السلام، وإنما الفراغ.

مما يدعم هذا التفسير إشارة الشاعر إلي الحقل الذي شبٌّكت فيه الحشائش أياديها! هذه الصورة تستدعي أحد أشكال البطولة، فهي إشارة إلي إحدي التشكيلات العسكرية القديمة، حين كان يشبك جند المشاة أيديهم، فيكونون بأجسادهم ودروعهم ما يشبه الدبابة البشرية، وهو يستدعي هذا العالم البطولي القديم حتي يبين اختفاء البطولة في هذا المكان، حيث الشيء البطولي الوحيد هو السماء!

بعد أن بين الشاعر هجوية المكان (أو بالأحري: انعدام هجويته) يبدأ في الاحتفاء به بطريقة جديرة به. وصورة الطيور التي تنشر أجنحتها عبر الفضاء الفسيح لا تعبر عن الانطلاق أو الحرية وإنما تعبر عن الفراغ، ولذا فتحليق الطيور لا يحدث صوتا ولا يترك أثرا! وتنتهي القصيدة بإعلان الموت المعنوي الكامل للمكان الذي تقدس بالإهمال، حتي إن الاحتفاء الوحيد به هو نسيان اسمه تماما!

إن القصيدة عن النصب التذكاري الذي لم يجبنّ في مكان لم يقاتل فيه أحد ولم يسقط فيه أبطال، يعني أن هذا عالم لا مركز له: لا يوجد فيه إله أو دولة أو تاريخ أو ذاكرة. وفي غياب المركز والعالم الموضوعي تغيب الذات، فالذات تفتقر إلي أرض تقف عليها.

***

هل كان الموت يرفرف داخل وجدان صلاح جاهين؟ وهل كان مشغولا بمحاولة تجاوزه؟ بل هل يمكن أن تعد القصيدة التالية بّوٌّابات الرحيل عن الموت؟

ولما عّدٌِيت بوابات الرحيل

وخرجت م العتبات

اتصوبت نحوك عيون الحّرّسْ

عيون عنيفة بس من سجكات

بتقول كمثل الغولة في الحكايات

يا شاطر أحمد ربنا يحرسك

ح تمر من باب سر يفقسك

معاك سلاح ح يدق لك جرس

ما معاك سلاح ما يدق لك جرس

.. وإن دق لك جرس

إوعي يا وِلْدي تخاف

ح يفتشوك يلقوا قلم حبر جاف.

ولما عديت بوابات الرحيل

ومرقت زي السهم في السموات لنجمك العالي

قلبي انفطر ­ أصل الضني غالي

ابني الكبير أول وليد جالي

مجنون ومثالي

رايح يجيب الغرب من ديله

والفجر من ليله

سكة سلامة وخطر

قالت عيون الجند والمضيفات

من لهفتي سالت دموعي مطر

وأنا مانعني الطبيب

ما بكيش ولو لحظة فراق الحبيب

ح اقول لك إيه

الله يبارك لك في هذا السفر.

يا بوابات الرحيل

جالك منين الاسم ده المسرحي؟

يحق لك تفرحي

عّدٌّاكي شاعر شاب.. مثله قليل.

عنوان القصيدة يستدعي موضوع الموت في أذهاننا، ولكننا نكتشف أنه ليس موتا فعليٌا، وإنما الموضوع هنا لحظة فراق الحبيب، فهو موت مجازي (ولكن، أليس الموت هو أيضا لحظة فراق الحبيب؟). ويستخدم الشاعر الأسطورة الشعبية ليتكشف عمق مشاعره وليصورها. واستخدامه للأسطورة، استخدام مجازي بطبيعة الحال. ومهمة المجاز أنه يستخدم ما نعرف لنتكشف ما لا نعرف. ومن صفات المجاز أنه يمكن أن يؤكد الشيء وعكسه، ومن ثم يمكنه أن يبين عمق التجربة الإنسانية وتركيبيتها، فأنا حينما أقول لشاب من أصدقائي أنت مثل ابني فإنني في واقع الأمر أخبره أنه ليس ابني، وأنه مثل ابني وحسب، فأداة التشبيه هنا تفصلنا عن حرفية الواقع، ولكنها تستدعيه في الوقت ذاته. ولعل استخدام المجاز في هذه القصيدة هو شيء من هذا القبيل. فرحيل ابن الشاعر هي لحظة فراق الحبيب، ولكنها هي أيضا لحظة بداية رحلة وميلاد جديد بالنسبة للابن، فالشاعر فّرِح باللحظة رغم حزنه من الفراق.

تبدأ القصيدة بعبور الابن بوابات الرحيل، فهو ينتقل من عالم إلي عالم آخر، وتنظر إليه عيون الحراس الجامدة كمثل النحت في التماثيل. ثم يترك الشاعر هذا العالم ليدخل عالم الأساطير، إذ تخبره الغولة (هذا المخلوق الذي عايشناه كلٌجنا في طفولتنا) عن أسرار أو طقوس العبور، تماما كما يحدث في حكايات الشاطر حسن. ولكن عالم الغولة يختلط بعالمنا الحديث، فهي تحدثنا عن جرس الإنذار (وحسب معلوماتي لا يوجد أجراس إنذار في زمان أمنا الغولة)! ثم نكتشف أن السلاح الوحيد الذي يحمله الشاطر في هذه القصيدة هو القلم الجاف.

عند هذه النقطة ننتقل إلي عالمنا الحديث، وإلي اللحظة التي تحتفي بها القصيدة: لحظة الفراق. يقول جبران خليل جبران في كتاب النبي المحبة لا تعرف عمقّها إلا لحظةج الفراق. هنا يسقط المجاز ويختفي عالم الأسطورة (إلا من إشارات سريعة وطفيفة)، إذ يقرر الشاعر أن يعبر عن مشاعره بشكل مباشر (قلبي انفطر/ أصل الضنا غالي من لهفتي سالت دموعي مطر/ وأنا مانعني الطبيب/ ما بكيش ولو لحظة فراق الحبيب/ ح أقول لك إيه/ الله يبارك لك في هذا السفر). ثم ينظر الشاعر إلي بوابات الرحيل ويسألها: جالك منين الاسم ده المسرحي، فالاسم قد استدعي الموت بطريقة ميلودرامية، وصدقها الشاعر للحظات، ولكنه الآن أدرك حدود حزنه. ولذا فالرحيل ليس مجرد لحظة فراق الحبيب، وإنما هو لحظة الميلاد الجديد. ولذا فهو يوجه كلماته إلي بوابات الرحيل، بل وينصحها ويوجهها:

يحق لك تفرحي

عداكي شاعر شاب .. مثله قليل.

وهكذا تحولت لحظة الفراق التي تستدعي الموت إلي لحظة البداية التي تستدعي الميلاد والحياة!

***

تناولنا من قبل قصيدة لوردزورث تبين موقفه من الموت ومحاولة تجاوز مأساته، وقد بدأ وردزورث حياته الأدبية بكتابة أشعار رومانسية يهرب الشاعر من خلالها إلي الطبيعة فيلتحم بها ويذوب فيها. ولكنه سرعان ما تمرد علي الرؤية الحلولية الدائرية التي تري أن الإله يحل في الطبيعة وقوانينها وأنه يتوحد بهما ويذوب فيها، فهو بذلك يصبح جزءا من القوة العظمي التي تحرك الكون بأسره ويحقق لذاته الخلاص، ويتغلب علي الموت ويضمن لنفسه الخلود، أو علي الأقل الاستمرار بعد الموت بشكل آخر. بدلا من ذلك تبني وردزورث رؤية أكثر تركيبية، تذهب إلي أن الإنسان كائن مستقل عن الطبيعة، لكنه ليس معاديٌا لها. بل إن الحالة المجثْلّي في هذه المرحلة الثانية هي حالة التفاعل بين العقل الإنساني (الذات) والطبيعة (الموضوع)، وهو تفاعل يمكن تحقيقه بسبب تماثل العقل الإنساني والطبيعة، وبوسع الإنسان أن يحقق لذاته الخلاص من خلاله. ورغم أن هذه الرؤية التفاعلية تشكل تمردا علي فكرة وّحْدة الوجود التي تذيب الجزء في الكل، إلا أنها لا تزال تستند إلي شكل من أشكال الحلولية. فبرغم انفصال الإنسان عن الطبيعة، فإن بنية العقل الإنساني لا تختلف عن بنية الطبيعة، ولذا فالإنسان يمكنه أن يحقق الخلاص من خلالها، (أي داخل السقف الطبيعي/ المادي).

ولكن وردزورث بدأ يدرك مدي عمق المسافة التي تفصل الإنسان عن الطبيعة، وبدأ يبدي استعدادا لتقبل التضمينات الإنسانية المأساوية لموقفه الجديد الذي وّسّم هذه المرحلة الثالثة. ومن هنا تظهر النبرة المأساوية الحزينة في أغنية الخلود.

وقد كتب وردزورث معظم كلاسيكياته في المرحلتين الثانية والثالثة. ففي المرحلة الثانية يري الشاعر أن التفاعل الخلاق بين عقل الإنسان والطبيعة عملية قادرة علي تضميد جروحه ومواساته وشّحْذّ قدراته الإبداعية، ويستخدم وردزورث صورة الزواج ليشرح لنا هذه العلاقة، فهو زواج بين الشاعر (الذكر) والطبيعة (الأنثي)، وهو زواج لا ينكر استقلال العقل الإنساني عن الطبيعة. ولذا فالتوافق الكامل مع الطبيعة والذوبان فيها في هذه المرحلة هو من نصيب بعض الشخصيات الهامشية، مثل الأطفال والمعوقين، فمثل هؤلاء شخصيات حلولية كاملة مستوعبة تماما في دورات الطبيعة، وبالتالي ليس لديها أي وعي بزمنيتها أو حدودها أو بالموت (كما هو الحال مع الطفلة في قصيدة نحن سبعة). هذا علي عكس الإنسان الراشد، فهو منفصل عن الطبيعة، ومدرك تماما لحقيقة الموت، ولذا فهو يسمع موسيقي الإنسانية الثابتة الحزينة، ويتسلح بالعقل الفلسفي الذي يمكنه من قبول الحدود الإنسانية بصبر، ويساعده علي تجاوز الأحزان الناجمة عن ذلك (أو ربما الإذعان لها)، كما هي الحال في المرحلة الثالثة.

ولكن يبقي هناك مرحلة رابعة في مسيرة وردزورث الشعرية. فالعقل الفلسفي بدأ يكتسب أبعادا دينية، وبدلا من التحمل المأساوي الإنساني الهيوماني، يظهر الإيمان الديني كآلية لتحقيق الخلاص ولتقبل مأساة الموت، كما يتضح في السونت التالية وهي من مجموعة قصائد بعنوان سونتات إلي نهر دادون:

لقد ظننتج يا شريكي ومرشدي

أنك قد ذهبتّ ولن تعود ­ فياله من تعاطف باطل!

لإنني حين أّمجدٌج ناظري إلي الوراء يا دادون

أري ما كان وما هو كائن وما سيظل باقيٌا،

فالمّجْرّي لا يزال في انسياب، وسينساب إلي الأبد،

الشكل يبقي، والحركة لا تموت أبدا.

بينما نحن _ نحن الشجعان، والأقوياءّ، الحكماء،

نحن الرجالّ الذين تحدينا العناصر

في فجر شبابنا _ قجضي علينا بالذهاب دون أوبة. فليكن­

إذ يكفي أن يكون شيء من صنع أيدينا،

قادرا علي الحياة، والعمل، وخدمة المستقبل!

وأن نشعر، ونحن في طريقنا إلي القبر الساكن،

بأننا من خلال الحب، ومن خلال الأمل،

ومن خلال ما يّمْهّرجنا به الإيمان بالتسامي، أعظمج مما نعلم.

يبدأ الشاعر السونت بالتعبير عن رؤية حلولية تؤكد تماثل الإنسان والطبيعة، حيث يختفي نهر دادون تماما في نهر التيمس ويموت، تماما مثلما يموت الإنسان، ويشعر الإنسان بالتعاطف معه والحزن من أجله. ولكن الشاعر قد أتي بهذه الافتتاحية الحلولية كحيلة بلاغية، فالرؤية الحلولية تغوينا بالذوبان في الكل وبفقدان هجويتنا الإنسانية، ثم يصدمنا الشاعر ويوقظنا من نجعاسنا حين يقول في البيت التالي: يا له من تعاطف باطل!. (تذكرنا بنيةج هذا الجزء من القصيدة بسونت للشاعر نفسه تناولناها من قبل: باغتني الفرح/ وضقت ذّرْعا بما حولي كالريح.)

وبعد أن يرفض الشاعر لغة التكامل والتناسق والتماثل بين الإنسان والطبيعة، يحاول أن يفهم سبب عدم التناسق، فينظر إلي النهر ويري المسافة الشاسعة التي تفصله عن النهر، والتي تفصل الطبيعة عن الإنسان:

لإنني حين أمد ناظري إلي الوراء يا دادون

أري ما كان، وما هو كائن، وما سيظل باقيٌا

فالمجري لا يزال في انسياب، وسينساب إلي الأبد.

هذا هو مصدر الاختلاف إذن، النهر خالد لأنه جزء من دورات الطبيعة الرتيبة المتكرة، أما نحن، نحن الذين نعرف الشر والخير، نحن الشجعانّ، والأقوياء والحكماءّ، نحن الذين انفصلنا عن الطبيعة وتحدينا العناصر الطبيعية/ في فجر شبابنا .. فإننا سنختفي. وهنا يفترق النهر عن بني البشر، فالإنسان قد انتقل من البراءة الفردوسية الأولي، التي لا تعرف الحدود أو الموت، ولا تعرف الخير أو الشر، إلي الحالة الإنسانية التي تعيش داخل الزمان، فتعرف الموت الذي لا تعوضه دورات الطبيعة، وتعرف الخير والشر. فالإنسان ليس جزءا من دورات متكررة رتيبة، ولذا.. فإن إحساسه بزمنيته وبأن الموت عليه حق هو من أهم الحقائق الأساسية في الوعي الإنساني.

ويتقبل الشاعر حالة الانتقال هذه، أو السقوط من الفردوس، بعبارة واحدة فليكن so be it then. وترد هذه العبارة مرتين في ملحمة ملتون الفردوس المفقود في سياقين مختلفين، بل متناقضين. فهي تظهر أول ما تظهر في الكتاب الأول علي لسان الشيطان حينما يدرك أبعاد سقطته ومدي قبح الجحيم، ولكنه لا يندم علي فّعلته، بل يتقبل وجوده في الجحيم كحالة نهائية. وبهذا تكون العبارة تعبيرا عن الاستسلام القدّري للشر وتحدي الإرادة الإلهية. ولكن العبارة تظهر مرة أخري في الكتاب العاشر، وينطق بها آدم حينما يدرك أبعاد سقطته ويندم علي فّعلته، وبدلا من تحدي الإرادة الإلهية يتقبل آدم مصيره بنفس خاشعة إذ يقول: فليكن، سأخضع لحكم الإله، فقضاؤه عادل. فكأنه يعبر عن رغبته في العودة إلي الإله وإلي طريق الحق والصواب.

والعبارة كما ترد في السونت موضع الدراسة تحمل معني السياقين رغم تناقضهما. فهي توحي بإحساس بالمرارة تجاه حقيقة الموت، مثل استسلام الشيطان لقبح الجحيم ورفضه التوبة. ولكنها تشير أيضا، وفي الوقت ذاته، إلي بداية تقبل الشاعر لزمنيته. ولذا فبقية السونت تتناول هذا الموقف الجديد، موقف التقبل الذي يتناقض وموقفّ الإحساس بالمرارة الموجود في النصف الأول من السونت. فرغم أننا كلنا نتحرك نحو المقبرة الصامتة ونشعر بحدودنا الزمنية، إلا أن الحالة الإنسانية والانفصال عن الطبيعة تعوضنا عما فقدناه، فالإنسان عنده المقدرة علي إبداع أعمال تتحدي الزمن الطبيعي بدوراته الرتيبة المتكررة:

إذ يكفي أن يكون شيء من صنع أيدينا.

قادرا علي الحياة، والعمل، وخدمة المستقبل!

فإذا كان مرور الزمن يأتي معه بالموت، وإذا كان سبب مأساتنا هو عدم التماثل بين الزمان الطبيعي والزمان الإنساني، فإننا مع هذا قادرون علي الإبداع، وما تصنعه أيدينا قادر علي أن يمنحنا قدرا من الخلاص وتجاوز لحظة الموت.

ولكن الشاعر يشعر أن الفن وكل ما صنعته يد الإنسان لا يكفي وحده لتحقيق الخلاص، أي أن رؤيته الإنسانية الهيومانية الرومانسية ليست كافية، ويشير إلي طريقة أكثر راديكالية ليتجاوز إحساسه بالاغتراب، إذ يري أن الطبيعة لا يوجد فيها ماضي أو حاضر أو مستقبل. أما بالنسبة للإنسان فاللحظة الراهنة ليست نهائية، والوضع القائم مختلف عما هو كائن وممكن، وهذا الوضع المركب يمنح الإنسان قدرا كبيرا من الحرية. فإذا كنا قد سقطنا من الفردوس وفقدنا البراءة الأولي، فإن وعد الهداية في المستقبل لا يزال قائما. ولذا فمن خلال مرور الزمن وحده يمكننا أن نتوب وننيب. وهكذا لا يتحول الزمان من سجن الضرورة الطبيعية إلي رحابة الحرية الإنسانية. ويؤكد الشاعر أنه يمكنه تجاوز مأساة الموت من خلال الحب، ومن خلال الأمل/ ومن خلال ما يّمْهّرجنا به الإيمان بالتسامي. إن آلية الخلاص هنا آلية دينية ذات نكهة مسيحية واضحة (الحب/ الأمل/ الإيمان). وصورة الزواج المجازية المجكْنّي عنها بالمّهْر إشارة للإيمان ذاتج مغزي، فوردزورث عادة ما يستخدمها ­كما أسلفنا­ لوصف علاقته بالطبيعة. ولكن الشاعر بدأ يشعر أن الطبيعة والإنسان، بل والتفاعل بينهما، لم يعد كافيٌا كآلية لتحقيق الخلاص، فكل هذا لابد أن يكمله الإيمان بالله.

والبيت الأخير في السونت هو صدي لبيت من الشعر من ملحمة الفردوس المفقود في الكتاب الثامن نشعر بأننا أعظم مما نعلم (And feel that we are happier than we know)، وهو يأتي علي لسان آدم بعد السقوط والخروج من الجنة، وكان يصف حالة السعادة التي كان يشعر بها والبركة التي حلت عليه، ويتساءل عن قوة الخالق. ويمكننا القول إن الشاعر في هذه السونت بدأ يشعر وكأنه بدأ يعود للبراءة الفردوسية الأولي، قبل السقوط، من خلال إدراكه لزمنيته، ومن خلال قوة الإيمان. أي أن المسافة قد تضاءلت إلي حد ما، والاتساق قد استعيد، ولكن لا من خلال الامتزاج الحلولي بدورات الطبيعة اللامتناهية، ولا من خلال التفاعل الرومانتيكي مع هذه الدورات، وإنما من خلال قدرات الإنسان الإبداعية، وقبل ذلك ­وبالدرجة الأولي­ من خلال إمكانية تجاوز الطبيعة والزمان الطبيعي من خلال الإيمان الديني.

 

د. عبدالوهاب المسيري / (أخبار الأدب)


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri