حجم الخط: الأكبر متوسط عادي الأصغر

أرض الغـــجر

.. لعبـــــــــة التآلف.. لعبـــــة التخـــــالف

لا يموت الغجري في فراشه، يموت بعيداً هناك على الثلج، على الرمل، يلبس ظل القمر وينزع جلده فيذوب ويتلاشى، غجري آخر يولد كزجاجة بلورية في يوم بارد، ابوه يقضم عمره بهدوء ينظر ويسمع شهيق المولود الجديد، يغمره ضوء القمر الذي يترسب فيه وهجاً، البذرة عارية، وناقوس الغجري يزف بشرى الولادة، اوطانهم خرائب، بدون اهات يلفون خيامهم ويرتحلون، يحطون كالطيور، داكن كبذرة التفاح جلدهم، روحه كخيال يتمطى، تتمدد، تفيض، تنحسر، تتكسر عند ضخور الشاطئ، خيمته، خياله اطول من عمره، يغتسل باوراق شجر السدر، هل سمعت بصياد ركب البحر أصله من الغجر؟

يخافون امتداد البحر وعمقه، يلوذون بالظلال هناك في الاعالي هرباً منه، الاحجار التركوازية اللون تتدلى جدائل من رأسه، الخيانة ثوب صنعه الناس، ريح متخاذلة البسته للغجري، رغبته تجتاح جسده بجنون، ارضه السهول الشاسعة، يتجمد فيها الماء ويشتعل الغجري فيها متنقلاً، يغطي وجهه بيديه حين يرى المدن الكبيرة، يدير ظهره، يغمض عينيه، يسافر يمشي، يحترق على الرمال ثم تزيل الرياح اثاره، يتنفس بقلبه بعيداً عن المدينة، خطوة بعد خطوة تنطلق الخيول بعيون ذليلة واذان سائبة مرتخية تحمل على ظهرها لحن الطيور المهاجرة يسمعها في الليل وينام، لا يعرف المصائد، لا يعرف المكائد، مستوطناتهم تغرق بالعشب الاخضر، تنحني امام رياح الشمال، تنتصب تفيق وريح الجنوب تعيد إليها استقامة الظهر المحني، لا يقرؤون لا يكتبون، تهيج رغباتهم المجنونة كرماد اصفر، يركب حصانه وقميصه مفتوح، يضع الغجرية خلفه تطوق بذراعيها خصره ويروح يجوب البقع المترامية، هناك يبدو سعيداً، يتوقف يعطس حصانه، ينظر للقرى والانهار، جدران منازلهم تبدو هالكة، يضحك، يهمس، وكفن الحزن يلف قريته، ينزل مع حبيبته، يتكئ بظهره على شجرة كبيرة، يمسك بعود يابس يرسم على الارض خطوطاً طويلة ويقطعها بخطوط عرضية، يربط حصانه وتفكه حبيبته، انه لا يهرب انه حصان غجري، حذاؤه الجلدي يدوس في الرمل، في الطين وذراعه يلفه على خصر الغجرية الناحل، ينتظرون الربيع حين تدب الحياة في الشجر وبيوتهم ذاوية تنيرها المصابيح النفطية، انه يهرب في السماء بعيداً يبحث عن ارض جديدة، النجوم تعشقهم، تقول النجمة ويقول القمر: الغجر يحدقون في السماء ملياً، يحبون لعبة الظهور والاختفاء، نبلاء متوحشون، فيهم رغبة لمعانقة المسافات، بريق السحر في عيونهم، يتسللون في قيعان عميقة، يبحثون عن فلكلور لا تحمله الارض، يختارون يحفظون، يملأون ارواحهم الظمأى بالدهشة، ودوائر جلساتهم تحت ضوء القمر يحتسون الشاي الاخضر، وضوء القمر ضوء فستان الغجرية الطويل، يمتزج في ذهنه، في عينيه فيتموج الحب صاخباً يزيح عنه تعاسة الرحلة التي لا تنتهي، خلخال الغجرية يجلد الروح، والهواء البارد ينساب عبر جلدها ليجعلها تبحث عن حضن تتدفأ فيه تتكور فيه، ووجهها المختفي بكثافة الشعر الاسود، البرد لا تشكو منه العظام فالارض الممتدة المترامية تعكس البعد الطويل عن الاسلاف، وطول مسيرة البحث عن الامجاد، عظامهم مزروعة من قلب آسيا وفاضت على الارض من كل اتجاه، اذا تفجر الماء عيوناً فقل هنا مر غجري قادماً من مقبرة الماضي البعيد، سلاسل الامتداد تطوق اجسادهم، وحصانهم حراً يذهب حيثما يشاء، زفير الغجري انتقال، وشهيقه ترحال، يسمع لحن النهر الوحشي ويرقص على انغامه، روحه حين يستقر تتلف، فينهض ويسمع الورق المتساقط في الخريف، فيسرج حصانه، يترك روحه المتعبة هناك ويحث الخطى يبحث عن الروح من جديد، عمرهم عشرة قرون، الجبال، والسهول اطول عمراً منهم، فامامها يبدون قصاراً، حلقاتهم تزدان بالعرافين، السحرة، والموسيقى، والرقص، العربة موطنهم الازلي، وصوت العجلات ينشد معزوفة الرحيل، يسقط الحرف وتسقط الكلمات حين تبدأ اوتاره تشدو، كالثلج المنهار على الاودية، البحر لا يبتلعهم بل يحملهم على ظهره ويوصلهم إلى حيث يريدون، الحقد يهلك، يموت في قراهم، حين يموت الغجري لا تعرفه إلا من القبرات التي تترنم من وحيه، لا يتزوج الغجري إلا غجرية، كنهرين يذوبان، خطف الزوجة متعة عندهم ودفع ثمنها قداسة يشربها كل حين، تتألق الغجرية حباً حين تصنع الخبز وترش الملح، الرغيف المقسوم نصفين يستقر في جوف الزوجين، فيضحكان ويهرب الملل منهما، الغجر سوط يضرب السكون، جمالهم ملون، يجلسون دوائر، يصبغون اعنة الخيل، وحوافرها، والليف تحوكه الايادي الناعمة، خيوط ملونة يكحلون بها عيون الخيل، اجراس نحاسية تتدلى كالذهب من رؤوس احصنهم ترتدي الخيول على ظهرها اسرجة من جلد الثيران، ومعاطفهم من جلد البقر الوحشي، يتداخل الزمن في الظهور، وتتخرم الذكريات، وتستحضر الارواح للراحلين، فيجف بحر العواطف، صبيانهم يحملون اخشاباً يابسة يشمونها قبل ان يوقدوها، فيشعر الغجر بانهم كالمغادر إلى امام بلا عودة إلى طريق الخشب اليابس.

قراهم مفتوحة الطرقات، حين يغادرونها تبدو كجزيرة تغوص في البحر، حين يولد غجري، يتجمعون حدقات عيونهم السود تدور في محاجرها، صرخات المولود يسمعها الجميع، يبدأ الهمس، ويتلو كبيرهم اسماء المولود الثلاثة: السري، والعلني، وآخر للقوم، الحماس يثور وكدر الاسماء السرية يحوم على رأس المولود، الاسم السري ضياع للطفولة، يصنعه الحمقى الساخرون، يهمسون به في اذن المولود، ايها الغجر لا تدخلوا رغباتكم المضمرة في قلب من لم تطأه اقدام الاحلام القادمة، الاسم الشائع مدقة تدق رأس الغجري فيستجيب له إلى الابد، اسم لقومه تصنع منه الساحرات تعاويذ تطهر الاجساد.

يتدحرج الصبي على الحشائش، يتوسد الحجر كلما كبر، يلعب بالنقود الفضية يقلبها، يتذوقها، ينظر لامه ترقص، تدور، فيفترش ثوبها دائرة ترتفع إلى الخصر فيشعر بالبهاء والبهجة، تحمله الام ترقص به تبحث عن ميناء يكبر فيه فلا تجد الا ظهور الخيل ليرتقي بها سقوف الاودية.

يسأل المولود العصافير لم كل هذا الغناء، يسمع امه تغني فينسى السؤال، وتزدحم في ذهنه اضوية النحاس والذهب في عنق وذراعي امه، ويكتشف الطفل حين يكبر انه لحن الرحيل الابدي، واللحن الحزين سيبقى ملازماً له، القرية حين تغادرها الخيول يسود الاسى فيها، يقول الغجري وداعاً ايتها القرية التعيسة فظهر الخيل قريتي، وتقول القرية عسى السهول والجبال تبارككم ايها الغجر، فينحدر إلى السهول وتبدو بيضاء مرة وخضراء اخرى، وترسم نساؤهم المستريحات وبحركات باهرة رقصات الرحيل، دورات سريعة على رؤوس الاصابع، وانحناءات بطيئة، وقفزات كأنها طيور لا تستقر واثار الاقدام تطبع..

تطبع في الثلج، تهتز الاجساد بلا انقطاع والموسيقى تتصاعد، حينها يهدأ كل شيء، وتدلف الغجرية إلى عربتها ترتمي بين احضان الغجري وتغفو، وتصحو على عجلات العربة تدور إلى امام، تصرخ الغجرية تعلن اقتراب الموت من عجوزها، يصرخ كبيرهم..

احملوه بعيداً عن فراشه بعيداً عن الخيمة بعيداً عن الغربة، تحت السماء مددوه، ينظر العجوز إلى عمق السماء يشعر كأنه هناك يتبخر يضيع، فيغمض عينيه ويغمس بالماء المالح، ويلبس احلى ملابسه ملابس الغجر الملونة، يدخل حفرته وادوات العزف التي يجيدها معه، ويستقر بعيداً هناك في الظلام، وبعد حين يسمع الغجر اصوات العزف تنبعث من بين التراب، وذراته تتحرك تنسحب ليخرج اللحن الهادئ وينتشر بين العربات، فيؤشر الغجر بايديهم اشارات الوداع انه اللحن الاخير، معالم قبورهم تضيع ويسيح فيها الرعاة، خدعة الموت تضيع بين الموسيقى المنبعثة من تحت التراب ومن فوقه، الزهرة المتفتحة تحتفل بالشباب، وقطرات المطر تتجول بين ذرات التراب ليخمد الصوت إلى الابد، يتسكع المطر عند القبور وينتظر في الحفرات لينعم هناك في السكون، فيحوم الأسى بين القبر والمطر، وتقطر سيقان الاشجار القريبة قطراتها على ذراع الغجرية العاري فتبسط ذراعها لينساب على الاوردة الزرق ويتبخر من حرارة جلدها، قطرات المطر على وجه الغجري تشتعل حباً وكرهاً وتنفجر لوعةً فتضم وجهها بيدها وتحس بالبرودة المبهجة وتضيع في احلامها، يطلق الغجري صوت الصفير اللحني موزعاً همومه في العراء اكواماً، وينظر لنغماته حلقات تدور في الفراغ تبتعد عنه علواً وهو يندفع إلى أمام، ينظر لقريته، لعربته، يرى وهج الصيف وكآبة الشتاء تركت آثارها هناك، فيكره هذه اللعبة ويحلم بالخريف والربيع ويصرخ عالياً الربيع اصله غجري بطبعه، لا تحلم ايها الغجري بالسعادة واحسن الاستماع لصوت الورق المتساقط في الخريف وتمعن بتويجات الزهور وادفع بعجلات عربتك، دعها تخترق الارض بسرعة لتجتاز مياهها الفاسدة، فحياتك امامك كالمجهول، حين تعزف المرأة الغجرية ينساب الحب من بين اناملها، يتماوج، ووجهها الذي حفرته السنين ينتظر، تضم شفتيها بقوة، وتشتعل انفاسها حرارة، بينما يظل الآخرون صامتين يتمنون ان يطول المشهد، المرأة لا تنتظر ان يتذكرها الآخرون، تكره الاشجار حين تقلع، تغفل عن جوعها وتذوب في متعتها لا تصيح بالغرباء، بصمت ولدت، وستدفن على قرع الطبول، تسير على الحبل الممدد بين مولدها وموتها حافية تجيد لعبة التوازن، تبتلع السيوف وتشق طريقها عبر الغابات قاصدة ارضاً بغير حدود.

اذا مررت بارض الغجر فشرابك الغيوم ولباسك القمر وانصت لاوتار تعزفها الروح تعزفها ايدي الغجر.

 

عباس البغدادي
كاتب من العراق


 

.Copyright ©2003-2006 Al-Imbaratur, Inc. All Rights Reserved
.Designed by: Rekbal Al-Jabbouri