الرومانتيكية
اختراع
الرحابنة
أسعد الجبوري
لم يجتمع الرغيف مع
الموسيقى على طاولة واحدة، مثلما حصل بفعل المخيلة الرائعة
للفنان عاصي الرحباني. فهذا الرجل وبدعم من براعة خيال شقيه
منصور جعل من الاثنين توأمين لا انفكاك بينهما منذ أكثر من
ربع قرن وحتى اللحظة المعاصرة.
والموسيقى كغرفة معيشة
،مثلما صممها الرحابنة لعالمنا العربي، منحت النفس البشرية
طاقات زادت من تجلياتها على أكثر من صعيد. فالبراعة في محو
الفاصل ما بين اللقمة والموسيقى، جعلت فيروز سماء تسمح للجميع
بالعيش المشترك تحت نجومها وأفلاكها. فموسيقى الرحابنة ليست
هي الرنين الخارج من الآلات، بقدر ما تعني رائحة الجمال المتحركة
بين النفس ومكوناتها الساكنة العاصفة الخصبة المائجة.
لم يكن عاصي الرحباني
فناناً موسيقياً على قدر من الدهاء بالتعامل مع اللغات اللحنية
فقط، بل هو والفنان الشاعر منصور في البدء من مؤسسي عصر الرومانتيكية
التي أحاطت بالشعوب العربية، فتوغلت داخل الأرواح لتكون مقدمة
القاموس العاطفي للناس بمختلف شرائحهم. فما من روح آدمية في
عالمنا العربي، تخلو من زهرة لرحابنة، فهؤلاء أرض ليست من
ماء ولا من تراب، بل من بخار موسيقي تضطرب منابعه في الأعماق.
وجماليات عاصي المحصنة
بالخبرة والتجريب الحسي الشفاف والدقيق بمباني الأجساد وطبقاتها
السيكولوجية، دفعت بالمخترعات الرحبانية (الطاقم الثلاثي عاصي.
منصور. فيروز) إلى التقدم خطوات باهرة لاحتلال الذائقة العربية
في الستينيات بشكل كلي مطلق. ليستمر بعدها صعود مشاركات بقية
غصون العائلة المتشابكة التي تفجرت إبداعات على أكثر من صعيد
فني مميز وخلاق.
من هنا.. فالعصر الرومانتيكي
الذي أسساه عاصي ومنصور، لم يذهب أدراج الريح برحيل عاصي عنا،
لأنه عطره ما زال مستمراً داخل الأنفس الآدمية بقوة، فمجرد
أن يحس المرء العربي بالحاجة إلى الحب والتوسع في خرائط العشق
والجمال والتصوف المعرفي، وهي حاجة تزداد وقعاً الآن بعد تكاثر
الغبار الأسود في الجو الروحي وانتشار الاختناقات اليومية
بفعل اليأس والحطام والفساد الفني الذي تتسبب فيه فنانات السيلكون
ومغنو المآتم العاطفية ممن تآكلت أغانيهم مع فتات قاموس شعبان
عبد الرحيم، آخر كوارث عصور الانحطاط الفني.
نقول، بمجرد أن يشعر المرء
المكبوت بالحاجة إلى الانفلات خارج كل ما هو معكر وغير حنيني،
سرعان ما يلجأ إلى شجرة العائلة الرحابنية، لأجل أن يشحن ذاته
بطاقات الخلق والجمال وريف الدماغ والبراءة التي تعيد هيكلة
الإنسان من جديد.
طاقة الفنان عاصي التي
بثها في الآخر ، كمنت بقدرته على الاختراق دون ترك ندب أو
جروح. كأنه مخلوق ليزري يهندس الأرواح على وقع موسيقي أخاذ.
وما من كائن بشري منا، ولم يثمل بأصوات فيروز وهي تحول أفكار
عاصي إلى فراديس موسيقية.
اليوم في ذكرى رحيل العاصي
الرائع.. نرفع له قاماتنا حباً وتشوقاً. واليوم أيضاً.. نشكوه
من كثرة الصدأ في الغناء!!
عاصي
الرحباني
موسيقي
وملحن لبناني ولد ببيروت عام 1923 وتوفي بها في 20 إبريل عام
1986 . نشأ في غابة الأرز وأشع على أرض لبنان في ليل الهزيمة
وحمل معه أحزانها وأفراحها وعبر عن هذا في ألحان لها مكانتها
عبر التاريخ . وتعد " القدس " أحد أروع ما لحن للفنانة المبدعة
فيروز وقد شكل مع أخيه منصور شمعة وسط ليل حالك ونغماً يسري
مع نسيم الحرية وكانا صوتاً متميزاً في عالم الإبداع الفني
. في عام 1954 عقد عاصي الرحباني قرانه على فيروز ليؤسسا معاً
مشوار الفن والحياة وليتكامل الوجود الرحباني بوجود فيروز.
وفي عام 1957 دشنت
فيروز " مهرجانات بعلبك الدولية " حيث قدمت من ألحان الرحباني
مسرحيتها الغنائية الأولى " جسر القمر ". ومنذ عام 1962 وحتى
عام 1976 توالت الأعمال المسرحية الغنائية لتبلغ ستة عشر عملاً
. وكانت مسرحية " هالة والملك " عام 1967 أول مسرحية تقدم
على مسرح بيكاديللي في بيروت ويتكرس معها طقس سنوي تتحول معه
العاصمة اللبنانية كل عام إلى مهرجان كبير . وإذا كانت القرية
اللبنانية تشكل الديكور الأساسي لمسرحياتها السابقة فقد خرج
الرحابنة في " هالة والملك " من الواقع الريفي إلى المدينة
كإطار يتحرك فيه الممثلون وراحوا يستوحون الأوضاع الاجتماعية
والمعيشية التي كان يعيشها لبنان . في مسرحيات فيروز والأخوين
الرحباني نجد البطل الأساسي دائماً هو الخير الذي ينتصر على
الشر وتبطل المسافة بين الحلم والواقع في " جسر القمر " حيث
تجسد فيروز دور فتاة مسحورة لا يخلصها من سحرها سوى الحب وفي
" بياع الخواتم " تلعب دور الصبية الساذجة وتغني للحب أيضاً
وهكذا في مسرحياتها الغنائية الأخرى " البعلبكية " و " أيام
فخر الدين " و " جبال الصوان " و " الشخص " و " يعيش يعيش
" و " الليل والقنديل " و " صح النوم " و " المحطة " و " لولو
" و " ميس الريم " وأخيراً " بترا " عام 1976 التي طوت بها
فيروز صفحة من حياتها بغياب عاصي الرحباني ودخول لبنان أتون
الحرب . وعندما انفصل عاصي عن فيروز كان الوداع بلا دموع .
وكانت القطيعة إلى نقطة اللارجوع .. انفصلت فيروز عن الرحابنة
وما حدث في الوسط الفني اللبناني وقتها كان أشبه ما يكون بزلزال
وتصدع فني وما حصل في الوجدان العربي كله كان يشبه نكسة جديدة
وانحدار جديد لم يكن هذه المرة سياسياً بل كان انحداراً فنياً.
http://www.qunaya.com
مبدعون
وشركاء في الإبداع
يتذكرون
حضور عاصي الرحباني
مايسة
عواد
مرّت عشرون عاماً. رحل
عاصي الرحباني وبقي القلق الذي لم يلتقطه أحد من بعده ليحوله
إبداعاً. ذهب عاصي وبقيت أعماله الخالدة وذكريات تستعيد طيف
العبقري، الجاد والساخر إلى حد الوجع في أعمال تأرجحت على
خيط رقيق يمنع البسمة من السقوط إلى هاوية الوجع المقيم منذ
زمن عند اللبنانيين.
بعد عشرين عاماً من
الغياب، لا يتطلب <نَبش> ذاكرة من تأثّر به، أو عمل
معه أو تشارك وإياه اللحظات المضنية ودموع النجاح والتألق،
الكثير من الوقت. لكأن عاصي لم يرحل بالأساس كي يستعاد طيفاً.
هكذا، حضرت فوراً قصص الحلو والمر عن عاصي الإنسان والفنان،
وحضر المزج التلقائي بينه وبين منصور وفيروز وزياد. تنوعت
التجارب الشخصية لأسماء شاركت عاصي في أعماله، فشاركها بدوره
إبداعاً تحمله معها ذخيرة طوال عمرها الفني. هنا مجموعة من
أصدقائه وشركائه في الإبداع يتذكرون واحداً من الذين رسخوا
حضوراً في ثقافة لبنان والمنطقة لن تمحوه سنون طوال.
جلال خوري:
لم ولن يتكرر أبداً
من المعروف ان العطاءات
الكبيرة عبر التاريخ أتت غالباً في إطار تحولات كبرى، أشهر
الأمثلة على ذلك عمالقة الإغريق الذين أعطوا التراجيديا، فهم
ظهروا عندما كان المجتمع يتحول من مجتمع قبلي إلى آخر مديني.
بدوره أتى شكسبير في لحظة محورية بين نهاية القرون الوسطى
وانطلاقة عصر النهضة. في هذا السياق بإمكاننا أن نضع عاصي
الرحباني الذي ظهرت موهبته في زمن شهد تحولات كثيرة في لبنان
على الأصعدة الاجتماعية، الثقافية والسياسية، إذ أحدث نشوء
دولة اسرائيل تحولات بالغة الأهمية، وشاهدنا آنذاك الهجرة
الكثيفة من الريف إلى المدينة وتحوّل لبنان من بلد متوازن
القطاعات الاقتصادية إلى آخر يحكمه اقتصاد مرتكز في 75 بالمئة
منه على الخدمات، ما أدى إلى نوع من الزلزال في البنية الاجتماعية.
أعمال عاصي الرحباني تندرج في هذا الإطار. لقد عبَّر في أعماله
عن تحول الريف وتجذره في المدينة، انطلق من الفنون الموسيقية
التقليدية وأدخل عليها الهارمونية والبنية الدرامية، وكان
الوجه الأبرز للفنون أثناء العصر الذهبي للبنان، ما بين 1950
وبداية الحرب. عندما انتهت هذه الفترة وغاب عاصي، عادت الأغنية
اللبنانية إلى الطقطوقة المصرية، بموازاة جمود ما على صعيد
الطرب الأصيل. منذ غياب عاصي حتى اليوم لم ينتج من بقي من
الثلاثي الرحباني شيئاً يذكر، إذ لا يوجد منذ 1982 لحن واحد
علق في بال أحد، من هنا علينا أن نحيي فكر عاصي الرحباني الذي
ثبت أنه العنصر الجوهري والمحرك والأساس في المغامرة الرحبانية.
كان عاصي على الصعيد
الشخصي يتميز بكرم الفكر والقلب واليد، كان إنساناً قلقاً
تمكن من تحويل قلقه إلى إبداع. هو إلى جانب سعيد عقل وبعض
المبدعين من يظهرون الوجه الحقيقي للبنان.
من باب الطرافة كان
عاصي الرحباني يصر على دعوة محبيه وتكريمهم، ويقترح عليهم
في بعض الأحيان ويدعوهم إلى تخطيط قلب أو فحص دم مجاني.(!)
في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته كنا نلتقي مساء كل أحد
مع الظريف رياض شرارة والطبيب بيار سكيّم الذي كان عاصي قد
كلفه بالإتيان، كل أسبوع، بما هو جديد في عالم الطب، بعد أن
أصبح عاجزاً عن القراءة بفعل مرضه. أذكر عنه صداماً وقع بينه
وبين المخرج المصري يوسف شاهين. عاصي حاول التدخل أثناء تصوير
<بيّاع الخواتم>، وكان أول فيلم للأخوين الرحباني، كان
شاهين صارماً جداً ولم يتمكن عاصي من إقناعه. لكن إذا لاحظنا
ما جرى في ما بعد نعلم ان عاصي كان محقاً نظراً إلى النتيجة،
فالفيلم تأثر بعامل الزمن، بينما <سفربرلك> الذي أخرجه
هنري بركات لا يزال حتى اليوم يبدو كأنه صوِّر البارحة، لأن
عاصي تمكّن من <فرض> رأيه.
عاصي إنسان مبدع، أقدامه
مجذّرة في الأرض بينما يلحق رأسه بالنجوم، من هنا كان تعامله
مع <مدّعي الحداثة> أمراً مرفوضاً.
عاصي كان متطلباً على
طريقته، يتركك تفعل ما تشاء ويصحح ما لا يتطابق ورؤيته للأمور
بعد ان تغادر (!) من الأمور التي كانت تهمه بالفترة الأخيرة
كل ما يتعلّق بال<ما ورائيات>، ويبدو انه كان قلقاً
على ما سيحدث بعد الرحيل، هذا الأمر شكل بالنسبة إليه هاجساً
تكلّم به في كل مناسبة.
برهان علوية:
جعلنا نرى بأذننا
هو مجدد كبير ومبدع
وصاحب خيال هائل، عاصي الرحباني يجعلنا نرى بأذننا عبر مسرحياته
الغنائية، الموضوع المعالج، الشخصيات والجملة الموسيقية. هو
والسيد درويش مجددان، عاصي جدد قي فكرة الغناء العربي. أرى
في عاصي وزياد تجربة واحدة، لأن تجربة زياد امتداد وتكملة
لتجربة عاصي، من حيث النظرة والتعاطي مع ما يحيط به، وترجمته
إلى كلام يصبح فرحاً في الأغنية. لم يقلّد عاصي أحداً بل كان،
مثل السيددرويش، مدرسة بحد ذاتها. عاصي تكلّم من الضيعة وزياد
من المدينة، لكنها نفس الحكاية.
منصور له حضور وصوت
في أعمال الرحباني وكان عاملاً مهماً، لكني وجدته محقاً عندما
قال إن عاصي كان الأساس. منصور يردد عاصي وهذه مشكلة، بينما
يتردد عاصي في زياد. تكمن قوة مسرح عاصي في انه اختزل الضوء
والصورة إلى موجات صوتية، بحيث يستطيع المرء أن يتخيل الديكور
والضيعة التي يريد. عاصي كان يتعامل مع شخصيات الضيعة ب<هبلها>
وذكائها. لولا عاصي الرحباني لما كان هناك أثر للضيعة نهائياً،
هو صوت الضيعة اللبنانية قبل أفولها.
لقد ساعدني ان أتخيل
لبنان كما أحب ان أفعل. ساعدني ان أرى هذا المكان بشكل إجمالي،
أن أعرف تاريخه، كيف أنظر إلى الأمور التي أعلمها بسخرية.
عاصي أخذ مسافة نفسية وفنية ضرورية كي يقصّ بمحبة، لكن من
خلال عين تراقب من الخارج. تكلم عن أناس غير قادرين على الالتحاق
بالقرن الجديد، ولا الزمن قادر على انتظارهم. هذا الأمر ظهر
منذ كان ينفّذ مسرحيات تبث عبر الراديو قبل مجيء فيروز، ك
<براد الجمعية> و<عين الرمان> وغيرها. أرى انه
صوّر الصدمة بشكل إيجابي ومضحك، اللبناني لا يعرف كيف يسخر
من نفسه، فهو يضحك على غيره. الرحباني علمنا ان نضحك على أنفسنا،
بهذا المعنى زياد هو تكملة عاصي، <مش قابض حدا ولا حالو
ولا قابض الجد بجد>.
كان عاصي صاحب رسالة
حب وجمال وفرح مع انه تناول أصل العلّة، فتكلّم الرحابنة عن
الضيعتين اللتين تتخاصمان دائماً، عن الغريب، عن مهربي السلاح
والانقلابات، لكنه لم يكن يصنع مأساة من كل هذا وإن تناول
المآسي. كان يتكلم عن لبنان وكان يعتقد ان لبنان <قلّع>،
تبيّن ان عاصي قلّع وحده. كل ما بعده سقط تحديداً بعد الحرب،
أيام الحرب كنا نسمع مسرحيات زياد وعاصي وكل مرة كنا نحس أننا
نسمعه للمرة الأولى.
الرحابنة هم من القضايا
القليلة في لبنان التي لا تقسّم، هم عمود لا يقسم ولا يزول
حتى وإن هم زالوا. لا مثيل لهم لا في مجال السياسة ولا المال
ولا الثقافة، يوجد مثلهم في بعض أوساط المثقفين لا كلهم. شخصياً
لم أكن أحب فيروز وأنا في الوطن، أصبحت أحبها في المغترب.
بعد قضائي ثلاثين عاماً في الغربة رأيت فيروز أماً. قد تكون
فيروز اليوم تخطو في المجهول، وربما زياد يمر في الوضع نفسه.
لكن يظل المجهول الذي هم به أحسن من المعلوم الذي نحن به.
ريمون جبارة:
تنقية كل ما يمرّ
أخرجت عملاً واحداً
مع عاصي، لا تجربة لي معه. لقد أمنني على العمل وأنجزناه بسرعة
قياسية. لم يكن هناك حوار فني معه أثناء العمل، انا أحبه شخصياً.
لم يؤثر عاصي فيّ، فأنا
عندي ماض من قبله، لو أردت كنت قدمت مسرحاً تجارياً. المسرح
الرحباني فيه شق شعبي نظيف.
لم أعرف كيف تم اختياري،
كان عاصي ومنصور يأتيان إلى مسرحياتي وقالوا لي نريدك ان تخرج
العمل. أنا لم أتدخل في الألحان ولا أحب ان يتدخل أحد في عملي.
لقد صنعت مسرحاً مثلما أعرف أنا، لم أدرس في الخارج، أنا لا
أشبه أحداً. عاصي كان يقوم بتنقية لكل أمر يمر. لم أتعلم منه
شيئاً، تعلمت من طفولتي ومن الملاريا، أنا آت من الجنفيص لا
من المخمل. وعند سؤالنا كيف ترتسم صورة عاصي في ذاكرتك وما
هي أبرز ذكرياتك معه؟ أجاب: <أنت تسألينني أسئلة سخيفة،
لحد هون وبس..> وأقفل السماعة.
أنطوان كرباج:
الوتر المشدود
معرفتي بالأخوين الرحباني
تعود إلى أواخر الستينيات، أول عمل اشتركت فيه كان مسرحية
<الشخص>، ثم توالت الأعمال.، <يعيش يعيش>، <ناطورة
المفاتيح>، <ناس من ورق>، <بترا>...عدا ما
مثلت لاحقاً في مسرحيات منصور. حالياً نحضّر لمسرحية <صح
النوم> التي ستعاد في بعلبك مع فيروز هذه السنة.
عاصي... أسميه عاصي
الكبير، أختصره بالقول رجل مُلهَم دائماً، وأنت جالس معه يكون
هناك عاصي يتكلم معك ويجادلك، وهناك عاصي آخر يفكر، يلحن ويؤلف
كلمات وشعراً، وربما هناك عاصي ثالث ورابع. كان إنساناً خلاقاً،
لا ننسى ان للأخوين الرحباني، بصورة خاصة، فضلاً كبيراً على
الأغنية اللبنانية. هذه الأغاني التي كانا يحرصان على ان تتوافر
فيها الشروط الثلاثة: الكلمة الجميلة، اللحن والصوت الجميل.
عاصي كان قريباً من
الحس الشعري، من الكلمة البسيطة والحلوة. أما <الديكتاتورية>
في الفن فهي نقطة بالغة الأهمية. أنا أقول دائماً في الدين
والمجتمع والسياسة الديموقراطية مهمة جداً، لكن في الفن يجب
ان تكون هناك ديكتاتورية، بمعنى ان رؤية صاحب العمل يجب ان
تنفذ بحذافيرها، بحيث إذا نجح العمل ينجح هو، وإذا فشل يتحمل
هو المسؤولية كلها.
عاصي كان رجلاً كبيراً
مسكوناً بالقلق على كل المستويات، من هنا كانت قوة الخلق،
ومن لا يملك قلقاً لا يصل إلى أي مكان. كان عاصي حريصاً على
ان يصل العمل إلى الكمال والكمال لله.
لا أعرف أين كانت تبدأ
مهمة منصور أو عاصي وأين تنتهي. كانا يوقعان <الأخوين الرحباني>.
التضارب في الآراء أمر لا بد منه في بعض الأحيان، مثلاً، عندما
كنا نقدم <ناطورة المفاتيح> أراد ان نسجل المشهد الأخير
نظراً إلى الحوادث التي يمكن ان تحصل على أدراج بعلبك، عارضت
الفكرة قائلا <أنا بجي بسجل بكرا إذا بدك، بس أنا لما كون
ببعلبك يمكن تنفخ شغلة براسي وما عود انتبه للتسجيل> تجادلت
وإياه قليلاً ولم نسجّل. بعد العرض قال لي <عنادك أحياناً
في مكانه>. بعدها بفترة، بما ان ثيابي كانت ثقيلة جداً،
تعثرت ووقع الميكروفون على الأرض، ولم يكن بإمكاني إلا ان
أطلق لصوتي العنان وأكمل. عندما انتهينا وجدته يضحك والدمعة
في عينه وقال: <بتضلك تعرف تخلّص حالك، صوتك انقذك>.
لا أزال أذكر حين كنت
أحضر تسجيلات <ناطورة المفاتيح> في أستوديو بعلبك. كانت
فيروز تسجل <طريق النحل> وكان الأستاذ عاصي شارداً بحالة
انخطاف شديد. عندما سمعت اللحن سألت نفسي إلى أين وصل هذا
الرجل، كان مأخوذاً مثل الوتر المشدود، <إذا بدق حدا فيه
بينقطع>. ذهبنا بعدها إلى الشام وعندما رجعنا حصل النزف
في الرأس، كنت خائفاً عليه، وما خفت منه حصل لاحقاً. عاصي
أحد كبار هذا البلد، رحل قبل أوانه وكان في جعبته الكثير.
كان حازماً في القضايا
والرؤية، وكان معطاءً على كل المستويات، الفكر، الروح، العاطفة.
ربما لا يحق لي ان أقول هذا لكن كان هناك دائماً من يدق بابه،
لم يكن يعدّ المال بل كان يخرج ما في جيبه و<يشيل ويعطي>
كما يعطي في كل شيء.
بيرج فازيليان:
مؤلف عربي لبناني
عاصي الرحباني ليس فناناً
فقط بل كان إنساناً عبقرياً حساساً جداً، وحساسيته موجودة
في حياته وفنه أيضاً. عاصي الرحباني ليس مؤلفاً عربياً فقط،
بل هو مؤلف عربي لبناني، قبله لم تكن هناك موسيقى لبنانية
مئة في المئة. عندما نسمع موسيقى عاصي نحس أرض لبنان. اليوم،
مع الأسف، عاصي ليس حاضراً بيننا ولكن موسيقاه ما زالت حاضرة.
بعد عشرين سنة على رحيله ما زلنا نغني <نحنا والقمر جيران>
و<حبيتك بالصيف>. ولا مثيل لموسيقى الرحباني اليوم.
عندما نتكلم عن عاصي
لا يمكننا إلا ان نتكلم عن فيروز أيضاً، لأن من يسمع فيروز
تغني عاصي يبدو الاثنان كأنهما واحد. نحتاج اليوم إلى مثل
عبقرية عاصي لكن لا نريد مقلداً لها.
كان عاصي رجلاً بسيطاً
جداً، كان يكتب الحوارات والموسيقى ويقرأها أمام الممثلين
وأمامي ويسألنا ما رأينا. كان يتجاوب مع تعليقاتنا. هذا فنان
كبير، نصف الفنانين اليوم لا يريدون ان يسمعوا شيئاً، بينما
كان هو يستمع دائماً للنقد.
لا أنسى أول مرة رأيت
فيها عاصي العام ,1962 كان الأخوان الرحباني يكتبان <بياع
الخواتم>، سمعا باسمي وطلبا مني مشاركتهما في العمل، قلت
لعاصي يومها <تِكرَم، لكن لغتي العربية ضعيفة كثيرا>،
فأجاب بسرعة بديهته المعهودة: <نحن سمعنا ان فنّك قوي جدا>.
لم تكن هناك أية صعوبات في التعامل معه، كان يعطيني كل الحرية
في العمل. عاصي لم يكن متطلباً من المخرجين والممثلين، على
العكس، كانوا هم متطلبين منه: إما زيادة في الموسيقى أو غيرها،
كان يعطي بحماسة ودون أدنى تردّد. كانت له طريقته الخاصة في
التعامل، إذا عمل مع شخص يؤمن فيه، يعطي كل امكانياته، وإذا
لم تعجبه طريقة عمل مخرج معين، لا يعود ليتعامل معه مرة أخرى.
بالرغم من مرور عشرين
عاماً على رحيله، ما زال عاصي الرحباني الحاضر الأكبر في الساحة
الفنية. وفيما تزداد اعماله شباباً، تعاني معظم الاعمال، التي
انجزت بعده، من شيخوخة مبكرة وموت سريع. وما استحضار مسرحية
<صح النوم> الى مهرجان بعلبك هذه السنة سوى دليل على
قوة الغائب وضعف الحاضر. فللمرة الثانية خلال اعوام قليلة
تستحضر هالة الأخوين رحباني كي تعطي دفعاً لهذا النشاط الذي
كانا اهم اعمدته، وما زال الفراغ الذي تركاه يرخي بظلاله على
القلعة ويبعث حنينا الى ماض ثري.
مرة اخرى نعود ونقف
امام عقدة المؤسسة الرحبانية، التي احتلت مساحات شاسعة من
الذائقة العربية وتربعت لسنوات على عرش الاغنية اللبنانية
(المسرحية خاصة). ثم، فجأة، تنازلت عن العرش للعدم.
صحيح ان <الأخوين
رحباني> لم تكن اختصاراً لتلك المرحلة، لكنها كانت عنوانا،
او واجهة، او على الاقل، فألاً حسناً.. انتهى برحيل عاصي،
لتنتكس المؤسسة الرحبانية ومعها الحالة الفنية ككل. وكأن غيابه،
كما حضوره، اتيا ككلمة سر لازدهار وهبوط الأغنية اللبنانية.
فالأعوام العشرون التي مرت على وفاته توازي، انحدارا، سنوات
الصعود التي رافقت حياته الفنية.
الأمير الرحباني
كالأحلام التي تراود
سير الامم.. مر عاصي الرحباني، إلا انه احتل موقعا في التاريخ
الفني كموقع فخر الدين في التاريخ السياسي. وإذا كان الامير
المعني قد اطلق فكرة لبنان المستقل عن السلطنة العثمانية ثم
فشل، <فالأمير الرحباني> قد لوّن هذه الفكرة (بمشاركة
آخرين داخل المؤسسة وخارجها) ونجح.. في بناء لبنان جميل مواز
للبنان السمسرة والطائفية والعشائرية. لا بل نجح في تغليف
واقعنا بغلالة ناعمة كما يغلّف جلد الإنسان بشاعة اعضائه الداخلية.
يوم برز اسم الأخوين
رحباني في خمسينيات القرن الماضي، كانت المواهب الفنية تنبت
حولهما كمفاجأة الأقحوان، وكالسحر ترتفع عمارة الأغنية والأوبريت
والمسرح اللبناني، إلا ان نكهة خاصة، او <وصفة سحرية>
اتى بها الرحبانيان، فاسرا الآذان واحتلا المساحة الاوسع في
افئدة الجماهير وذاكرتها.
جمل موسيقية رشيقة تلعب
بين الطرب المصري والغنج السوري والشجن العراقي والإرث الاندلسي
والحداثة والتطور الغربيين.. جمل بسيطة بدون ادعاءات ومبالغات
تطريبية، وبدون مغامرات ومحاولة فتوحات على صعيد التوزيع والتأليف
الموسيقي (كما حصل مع معاصريهم من اصحاب الاوهام السمفونية).
اي عكس ما فعلاه على صعيد الكلمة، اذ لم يكتفيا بالسهل الممتنع
بل تجاوزاه الى إدخال اعمق واعذب الشعر في ابسط وأسلس الكلام.
وقد حافظا على خصوصية محلية، فلم تخرج اعمالهما عن او على
البيئة التي عايشاها، إلا انهما استفادا من غزارة المؤثرات
التي شكلت لبنان في تلك المرحلة. وحتى عندما <استوردا>
اعمالا جاهزة اخضعاها للبننة، ولم يبالغا في استعمال التقنيات
الغربية. دائما كان التوزيع الاوركسترالي في المكان المناسب
وبالحجم المطلوب، وقد حرصا على ان يكون نابعا من طبيعة الميلودي،
وحين لا تحتمل الاغنية او لا تسعفهما الرؤية يترك اللحن <عالبركة>
الشرقية، كأغنية <ليلية بترجع يا ليل> او <طلوا طلوا
الصيادي>. كل تلك العوامل، مع عقل مؤسساتي ادار جيشا من
الفنانين وانتج وسوّق آلاف الاعمال، جعل من الرحبانية اسياد
مرحلة تجاوزت الثلاثة عقود. ولشدة انتشارهم وحضورهم القويين،
يتهيأ للمرء، احيانا، ان تلك المرحلة لم تكن سوى نتاج رحباني،
او ان ما عدا ذلك يخرج من تحت عباءتهم. بالطبع هذا الكلام
مجحف بحق كثيرين من معاصريهم كزكي ناصيف ووليد غلمية وفيلمون
وهبي وروميو لحود.. لكن غزارة الانتاج الرحباني وانتشاره القوي،
ثم تزامن رحيل عاصي مع انحسار تلك المرحلة، اوحت بهامشية الباقين،
وهذه المقاربة القدرية لن تلغي حقيقة ان تجربة الأخوين رحباني
هي الأغنى والأبرز في تاريخ لبنان، ان من حيث اللحن والاغنية
والمسرح، او من الناحية المؤسساتية. فلقد أطلقت تلك المؤسسة
العديد من المواهب والنجوم الذين أغنوا الأرشيف اللبناني،
كما قدمت مروحة واسعة من التراث العربي والعالمي بقالب خاص
تميز بمخاطبة مزاج العصر من دون الانزلاق الى الشعبوية والسطحية.
وهذا ما لم يستطع أن يحافظ عليه منصور الرحباني بعد رحيل توأمه
الفني، وكذلك عجز ورثة <الماركة> الرحبانية عن استعادة،
أو الاستمرار بذات المستوى (لا نقصد هنا زياد الرحباني فهو
لم يتماه، أصلا، مع مدرسة الأهل. وقد ناضل منذ انطلاقته، وتمكن
في وقت مبكر من قتل الأب الأوديبي فنيا). لذا، وغالبا، مع
كل تناول للتجربة الرحبانية، بسبب استثنائيتها وضخامتها ومن
ثم تعثرها مع رحيل أحد ركنيها، تستثار حساسيات ويدور لغط حول
حجم الدور الذي لعبه عاصي في المؤسسة، وحول ما بقي منها بعد
غيابه وانسحاب فيروز، وحول عجزها في الأعوام العشرين الماضية
عن إنتاج أعمال فنية وإطلاق عناصر بشرية بالمستوى الذي خرج
في حياة عاصي، بالرغم من توافر كامل البنى التحتية (أرقى أماكن
العرض، أضخم المهرجانات، أكبر الميزانيات <على مستوى البلاد
العربية>، اوسع التغطيات الاعلامية والاعلانية...).
منذ ربع قرن
فمنذ ربع قرن غابت عناصر
كثيرة عن الاعمال الرحبانية، لم نعد نلتمس شعرا في الاغنية
مثلا. اختفت روحية <القمر بيضوي عالناس والناس بيتقاتلو>
و<من كتر ما ناديتك وسع المدى> و<ركبوا عربيات الوهم
وهربوا بالنسيان/ تركوا ضحكات ولادن منسيّة عالحيطان>،
لم يبق من تلك اللغة سوى الانشاء الاسلوبي، وكذلك الجمل والبنى
الموسيقية التي لا تعدو عن التكرار للقديم، لذا صارت الاغنيات
الرحبانية تترك على الرف بمجرد انتهاء العرض المسرحي، وما
عادت اجيال الثمانينيات والتسعينيات تحفظ المسرح الرحباني
الجديد عن ظهر قلب، كما حصل مع جيل الستينيات والسبعينيات.
ليس الهدف تقليلا من
شأن الجيل الرحباني الذي حمل الشعلة، ولكن لا بد من السؤال:
هل ما زالت الشعلة مشتعلة؟! ألم يحن الوقت للتخلص من وهم الاستمرار
في <دق الماء>؟
خلال عشرين عاماً جاهد
منصور الرحباني وكدّ، عبر التأليف المباشر ثم الرعاية والمباركة
والارشاد والدعم، المادي والمعنوي، لابنائه وابناء شقيقه،
كي تحافظ تلك <الماركة> على النوعية القديمة ذاتها،
ولكن للاسف ظل التعثر مسيطراً. وفي حين نجح الرحابنة الجدد
في بعض محاولاتهم المتطرفة والبعيدة عن مدرسة <الأخوين
رحباني>، فشلوا في احياء المؤسسة القديمة، لا بل، غالبا،
جاءت نتيجة جهودهم بمفاعيل عكسية اثقلت الإرث القديم من دون
اية اضافات تذكر.
بالرغم من كل التكريم
والتقييم، لا يُحسد منصور الرحباني على الموقف الذي وضعه فيه
رحيل شقيقه. فموت عاصي تزامن مع وصول تجربة <الأخوين رحباني>
الى الاكتمال والامتلاء بحيث ما عادت تتسع لأي اضافة (داخل
مفاهيمها وآلياتها <كشكل مبتكر وخاص>) ما جعل منصور
يقف امام منجزاته كما وقف مايكل انجلو امام تمثال موسى، فكل
محاولة للاضافة هي بمثابة تشويه، الامر الذي وضعه امام خيارات
احلاها امرّها. فإذا ما غيّر الوجهة ستوضع علامة استفهام على
موقعه السابق داخل الثنائي، وان تابع على المنوال القديم سيخسر
مع كل عمل جديد جزءا من رصيده.. وهذا ما حصل. لذا نسمع دائما،
عن حسن او سوء نية، تشكيكا بالشراكة المتكافئة بين عاصي ومنصور،
وهذا إجحاف بحق الاخير، فلو لم يكن جديراً لما استمرت تلك
الشراكة حتى اللحظة الاخيرة. اما المراوحة التي يعاني منها
منصور اليوم، فقد بدأت بوادرها قبل رحيل عاصي بسنوات، وتحديداً
نهاية السبعينيات، حيث بداية النهاية للتجربة الرحبانية الرائدة،
ولغيرها من
التجارب الكبرى التي
اطلقتها فورة النصف الثاني من القرن الماضي في البلاد العربية.
وربما، لو قدّر لعاصي ان يحيا حتى يومنا هذا، ولو تابع في
المسار ذاته، لما استطاع اضافة شيء يذكر الى تجربة اعطت واخذت
ما لها وما عليها. لذا، بعد ربع قرن على اكتمال تلك التجربة،
ألم يحن الوقت الى تجاوز المفاهيم والاشكال والرؤى للانطلاق
بعيداً عن <الوصفة السحرية> التي تتكرر في كل ألحان
المسرحيات الرحبانية الجديدة؟ وعن الآليات الرومانسية في الوعظ
والانتقاد، التي لم تقدم جديدا منذ مسرحية <بترا>؟ ثم،
هل التشبث <بتدوير> الإرث سببه التراخي، ام العجز عن
ايجاد صيغ اخرى، كما فعل عبد الوهاب وبليغ حمدي مع أم كلثوم،
وزياد الرحباني مع فيروز، وكوبولا مع مارلون براندو.. لان
كل ضخامة وفخامة <المتنبي> و<سقراط> و<جبران>
لم تستطع اختراق أسوار <ناس من ورق>.
الأفلام
محطة لاستكمال الهموم الموسيقية والغنائية
نديم
جرجورة
بدت ستينيات
القرن المنصرم وكأنها تعلن نهاية مرحلة تاريخية في صناعة السينما
العربية، بالنسبة إلى الفيلم الغنائي. ففي مصر، شهدت تلك الفترة
بداية أفول نتاج بصري متكامل، جمع التمثيل بالغناء والرقص،
وجعل من الأغنية أساساً لسرد درامي أفضى غالباً إلى نهاية
سعيدة، حتى ولو عرفت فصوله (أو بعضها على الأقلّ) أحداثاً
تثير القلق والبكاء والخوف، في أحيان عدّة. وفي لبنان، وبسبب
صدور قرارات التأميم الاشتراكي الناصري، تدفّقت رساميل إنتاجية
وقدم سينمائيون وممثلون مصريون إلى بيروت، ما أدّى إلى تأسيس
نمط سينمائي غرف من تقنيات السينما المصرية وفضاءاتها المرتبكة
والهشّة ما ساعده على ابتكار لغة بصرية عادية للغاية، موصومة
بأسلوب مصري في مزج <توابل> مختلفة (إن لم تكن متناقضة،
أحياناً) تصنع فيلماً سينمائياً تجارياً، بالمعنى الشعبي الكبير
لكلمة <تجاري>. وإذا اعتبر التأريخ السينمائي العربي
أن نهاية الستينيات وبداية السبعينيات محطّة تحوّل فعلي في
مسار السينما الغنائية المصرية والعربية، فإن <أبي فوق
الشجرة> (1969) لحسين كمال، الفيلم الأخير لعبد الحليم
حافظ، شكّل ما يشبه بداية خاتمة سينمائية جميلة لمرحلة ثرية
بالأفلام الغنائية الرومانسية. ولعلّ المفارقة تكمن في أن
ثلاثة أفلام غنائية أنجزها الأخوان عاصي ومنصور الرحباني في
النصف الثاني من المرحلة نفسها، بدت وكأنها، هي أيضاً، تُعلن
بداية أفول (إن لم يكن أفول) هذا النوع السينمائي في لبنان،
الذي مرّ وقتٌ طويلٌ جداً قبل أن يُطلّ ثانية في مصر مع مغنين
شباب، تماهى بعضهم بكلاسيكيات الفيلم الغنائي الرومانسي من
دون بلوغ جمالياته الإبداعية، منذ منتصف التسعينيات الفائتة
تقريباً، في حين أن لبنان انتظر نحو أربعين عاماً (أنجز الفيلم
الرحباني الأول في العام ,1965 والأخير في العام 1968) قبل
أن يُنجز فيليب عرقتنجي فيلماً غنائياً استعراضياً راقصاً
جديداً بعنوان <البوسطة> (2005).
غير أن <جديد>
الفيلم الغنائي لم يصل، بحسب آراء نقدية، إلى المستوى الإبداعي
الجميل الذي عرفه <قديم> هذا النوع السينمائي. فقد أشار
البعض إلى أن <التراجع> عائد إلى أسباب عدّة، لعلّ أبرزها
وأهمها كامن في <تدنّي> المستويات المختلفة في صناعة
الأغنيتين المصرية واللبنانية الحديثتين، قياساً إلى ما ابتكره
كبار الموسيقيين والمطربين ومؤلّفي الأغاني القدماء، وأيضاً
قياساً إلى النوعية الخاصّة بهذا الجديد نفسه، الذي عجز مؤلّفوه
ومنشدوه عن تقديم الجيّد والجدّي، في مقابل طغيان العاديّ
الذي يصل، أحياناً، إلى حدود الابتذال، خصوصاً مع تنامي ظاهرة
ال<فيديو كليب>، وانحدار غالبيتها إلى مستنقع الجنس
الرخيص. هذا كلّه، من دون تناسي أن بعض النتاج الجديد، في
مصر ولبنان على حدّ سواء، عكس جدّية واضحة في اختيار الكلمات
وصوغها، وفي تأليف الألحان وغنائها، وفي مقاربة المواضيع المختلفة،
في الحبّ والعلاقات والقضايا الإنسانية.
في هذه الفترة نفسها
(ستينيات القرن الفائت)، أطلّ الأخوان عاصي ومنصور الرحباني
على جمهورهما العريض من خلال السينما، في محاولة متواضعة أراداها
تمريناً على عمل فني لم يمارساه منذ بداية مسارهما الإبداعي.
فبعد التأليف الغنائي والتلحين الموسيقي والنتاجات المسرحية
والإذاعية والتلفزيونية المختلفة، وجدا أن السينما ربما تكون
قادرة على إكمال صورتهما الفنية، وأن وضع المضمون المسرحي
(قصةً وغناءً ورقصاً) في فيلم سينمائي يُمكن أن يساهم في تفعيل
التواصل بينهما وبين الجمهور، وهو تواصل متين وثابت، خصوصاً
على المستويين المسرحي والغنائي، بفضل لغتهما الساحرة في ابتكار
جمل وكلمات وألحان تتداخل فيما بينها، وتصدح عالياً بنبرة
فيروز المتألّقة في اختراق الحجب كلّها، وبشدو آخرين (أبرزهم
نصري شمس الدين). وعلى الرغم من الجماليات المكتنزة بقوة في
عمق أعمالهما المختلفة، إلاّ أن القراءة النقدية الموضوعية
تكشف <عقم> الأداء التمثيلي لفريق من المغنين والمغنيات
والراقصين والراقصات ذوي الحناجر البديعة والأجساد المتمايلة
في لوحات مليئة بالنبض الإنساني الحيّ، في مقابل جمال الصوت
وروعة <التابلوهات> الراقصة.
هموم الفرد وقلق الجماعة
ذلك أن هؤلاء جميعهم
(فيروز ونصري شمس الدين وهدى وإيلي شويري وجوزيف ناصيف وغيرهم)
لم يتدرّبوا على تقنيات التمثيل المسرحي أو التلفزيوني، بل
ربما لم يكترثوا، هم والأخوان الرحباني، بهذا الجانب الأساسي
في العملين المسرحي والتلفزيوني، لأن الجميع مشغولٌ بلغة النصّ
الغنائي (لحناً وكلمات ومعاني)، وبجعل خشبة المسرح، مثلاً،
فضاء مفتوحاً على الرقص والديكور والحكايات المتواضعة في صوغها
واقعاً إنسانياً لبنانياً مصقولاً بروح الضيعة وبراءتها، ومشحوناً
بالألفة والمحبّة والتسامح والنهايات السعيدة دائماً. كما
أن الاهتمام الأول ظلّ محصوراً بكيفية إعادة رسم الملامح البشرية،
المنزّهة من كل عيب، وإن ظهر الشرّ فهو يبقى خفيفاً وعابراً،
إذ سرعان ما ينتصر الحقّ والخير والجمال، في <وطن> رحبانيّ
لا مثيل له على الأرض. وإذا أظهر عددٌ من الذين مثّلوا في
هذه الأفلام أداءً أفضل في تقديم الأدوار والشخصيات، فهذا
عائدٌ إلى اختبارهم التمثيل المسرحي أو التلفزيوني في أعمال
جعلتهم <نجوماً>، بمعنى ما، في الوسط الجماهيري. إذ
يصعب التغاضي عن واقع أن بعض هؤلاء، كصلاح تيزاني (أبو سليم)
ومحمود مبسوط (فهمان) وعبد الله حمصي (أسعد) وسلوى حداد (أم
ملحم) وإحسان صادق وبرج فازليان ووليم حسواني وآخرين، مارس
التمثيل، وإن بحدوده القصوى، إذ إن التلفزيون كان لا يزال
وليداً، ولم يتوصّل إلى تأسيس منهج تمثيلي، في حين أن العاملين
في شؤون المسرح اللبناني انبثقوا من تدريب فكري وثقافي ومسرحي
لم يُسعفهم في أداءهم السينمائي هذا. في حين أن عاصي ومنصور
نفسيهما لم يكونا ممثلين أو حتى مؤدّيين، بل مجرّد شخصين يتلوان
جملهما من دون أن يمنحاها روحاً. لا شكّ في أن غياب <الممثل
السينمائي اللبناني> في تلك المرحلة (كما في المراحل السابقة
واللاحقة) لعب دوراً سلبياً في تدنّي المستوى التمثيلي في
الأفلام الثلاثة، علماً أن النَفَس الأدائي الجيّد ظلّ حاضراً
في المجالين التلفزيوني والمسرحي، وإن احتاج إلى تأصيل أقوى
وأمتن وأوضح.
لم تكن الأفلام الثلاثة
التي وضعها الأخوان عاصي ومنصور الرحباني مختلفة كلّياً عن
أجواء أعمالهما المسرحية. فالفيلم الأول، <بياع الخواتم>
(1965) ليوسف شاهين، ليس إلاّ تصويراً سينمائياً لمسرحيتهما
التي تحمل العنوان نفسه، والتي قدّماها للمرّة الأولى في العام
.1964 وهو تصوير مجبول بشيء من عوالم شاهين وارتباكاته البصرية
التي تعكس، غالباً، ارتباكاته النفسية والثقافية والإنسانية
في مقاربته أحوال المجتمع وناسه. ومع أن الفيلمين الآخرين،
<سفر برلك> (1966) و<بنت الحارس> (1967) لهنري
بركات، كُتبا خصيصاً بالسينما، إلاّ أن الأخوين الرحباني (اللذين
ألّفا القصّة وكتبا السيناريو والحوار للفيلمين الأخيرين،
في حين أن صبري الشريف كان قد كتب نص <بياع الخواتم>،
بالإضافة إلى تأليفهما الموسيقى والأغنيات) اعتمدا الصيغ نفسها
التي ميّزت أعمالهما المسرحية: مناخ ريفي غالباً، مقارعة الظلم
الناتج من مشكلة ما أو من سلطة غاشمة، علاقات محبّة وأخوّة
بين غالبية الشخصيات، حب ورومانسيات وتقاليد، وغيرها من العناوين
التي كرّراها مراراً في مسرحهما، من دون أن تفقد، أقلّه في
مسرحياتهما، رونقاً ما في تسليط الضوء على هموم الفرد وقلق
الجماعة والرغبة في الانعتاق من بؤس اليومي وشقاء العيش. وفي
أفلامهما الثلاثة، حافظا على هذه التركيبة التي أسّست جمهوراً
عريضاً لهما، انتقل من صالة المسرح إلى قاعات السينما ليُشاهد
ما يُمكن أن يكون عملاً رحبانياً بامتياز، في شكله الجديد
هذا.
هبوط وارتفاع
للأسف، يصعب اليوم التأكّد
من مدى النجاح الشعبي لهذه الأفلام الثلاثة، التي أنجزت كلّها
في النصف الثاني من الستينيات، أي في المرحلة التي شهدت توافد
سينمائيين مصريين إلى لبنان بسبب قرارات التأميم التي أصدرها
جمال عبد الناصر منذ مطلع المرحلة نفسها. يصعب الحصول على
أرقام المبيعات أو عدد المشاهدين، وإن رأى بعض من عاصر تلك
الفترة أن فيلمي بركات كانا الأكثر نجاحاً، لأنهما من صنع
مخرج سينمائي عرف آلية تحقيق المعادلة السينمائية المطلوبة،
التي تجمع مضموناً جدّياً بشكل مبسّط قادر على جذب أكبر عدد
ممكن من المشاهدين. لكن منصور الرحباني قال مراراً إنه على
الرغم من أن الأفلام الثلاثة هذه حطّمت الأرقام في لبنان،
<إلاّ أن حظّها سيئ في الخارج>، خصوصاً <سفر برلك>،
الذي <طاردته السفارات التركية في كل مكان، مانعة عرضه>.
في كتابه <السينما المؤجّلة> (<مؤسّسة الأبحاث العربية>،
1986)، كتب الناقد محمد سويد أن أهمية <تجربة الرحابنة
تكمن في تمدّدها داخل مختلف فروع الفن، إلى الحدّ الذي يتطلّب
تقديم تفسير واضح لسبب قصر عمر هذه التجربة سينمائياً>،
مضيفاً أنه بعد فشل <بياع الخواتم> (الفيلم الرحباني
الأول)، <ابتسم الحظّ للرحابنة أكثر في الفيلمين التاليين>،
مشيراً إلى أن هذا الفشل لم يكن بسبب قيام مخرج مصري بتنفيذ
أوبريت <بياع الخواتم>، لأن هذا السبب <الإقليمي>
ينتفي <إزاء حقيقة قيام المخرج المصري هنري بركات بتحقيق
الفيلمين الآخرين>. في الإطار نفسه، رأى سويد أن السبب
يعود ربما إلى <رؤية يوسف شاهين الخاصّة، وسعة خبرة هنري
بركات بمتطلبات الفيلم الجماهيري وكيفية تركيبه بحسن استغلال
المنظر الطبيعي اللبناني قياساً على أهمية العنصر التاريخي
في <سفر برلك> (فيلمهما الثاني)، والعنصر الواقعي المألوف
جداً في <بنت الحارس> (الفيلم الثالث والأخير لهما)>.
وأشار سويد إلى أن هذا كلّه كان <وراء هبوط وارتفاع مستوى
الإقبال الجماهيري بين الأفلام الثلاثة، لا سيما أن نص <بياع
الخواتم> كان مقتبساً عن الأصل المسرحي (يبدو أكثر رمزية
في عملية النقل السينمائي)، فيما استند كل من نصي <سفر
برلك> و<بنت الحارس> إلى قصّة معدّة خصيصاً للشاشة
الفضية>. أما الناقد إبراهيم العريس فرأى، في مقالة له
بعنوان <يوسف شاهين: ثلاثون عاماً في السينما> (مجلة
<دراسات عربية>، آذار 1979)، أن هناك <خطأ في التقدير
جعل المخرج (شاهين) يقبل بتصوير الفيلم كلّه داخل ديكور بُني
في الاستديو، وضمن مقاييس حدود العمل وظروف الإنتاج>.
من ناحية أخرى، تعاون
هنري بركات، الذي اشتهر (من بين أمور أخرى) بتقديمه فاتن حمامة،
مثلاً، في روائع سينمائية لا تزال ثابتة في تاريخ السينما
العربية ومفاصلها الدرامية والثقافية، مع عاصي ومنصور الرحباني
وفيروز والفريق الرحباني كلّه في فيلمين أريد لهما أن يمزجا
أبعاداً سياسية وإنسانية واجتماعية بنمط شكلي مُبسّط، لا يلغي
جمالية المشهد بقدر ما يُقدّم الحكاية بما يريح المُشاهد ويجعله
يتفاعل سريعاً مع التفاصيل الدرامية، كما مع المشاهد الغنائية.
لا يعني هذا أن <بياع الخواتم> غرق في المتاهات الجميلة
التي اعتاد يوسف شاهين أن يبتكرها في بعض أفلامه. فهذا الفيلم
يأتي بعد أن قدّم مخرج <باب الحديد> ثلاثة أفلام غنائية
مصرية سبقت تجربته الوحيدة مع الرحابنة: <سيدة القطار>
(1952) مع ليلى مراد، <إنت حبيبي> و<ودّعت حبّك>
(1957) مع فريد الأطرش. بهذا المعنى، يُمكن القول إن لشاهين
تجربة في صناعة فيلم غنائي تحرّر، إلى حدّ ما، من سطوة الارتباك
الإبداعي الخاص به، مقدّماً النصوص السينمائية في قوالب مبسّطة
قابلة للفهم الجماهيري، وقادرة على صوغ حكاياتها بسلاسة ممزوجة
بالصوتين الجميلين لمراد
والأطرش، وبعوالمهما الغنائية والموسيقية المتنوّعة. ورأى
البعض أن شاهين استفاد في فيلمه الرحباني من بعض الأجواء الشاعرية
التي سبق أن شاهدها في فيلم <مظلات شربورغ> (1964) لجاك
ديمي، وعرف كيف يستخدم الألوان بشاعرية، كما حركة الكاميرا
والمجاميع.
راجح
اللافت للنظر، من ناحية
أخرى، أن الأفلام الرحبانية الثلاثة هذه أنجزت قبل حرب الأيام
الستة، أي قبل وقوع النكسة وإنطلاق ثقافة الهزيمة وبداية طرح
أسئلة الخراب الفظيع الذي ضرب الأمة العربية وأحلامها الثورية
الكبيرة. مع هذا، استمدّ الأخوان الرحباني موضوعاً سياسياً،
بالمعنى الإنساني الشامل، من واقعة تاريخية جرت فصولها في
خلال الاحتلال العثماني للبنان وجواره (سفر برلك). لكن البُعد
السياسي الإنساني حاضرٌ، أيضاً، في الفيلمين الآخرين: فاختراع
كذبة رجل شرير، في <بياع الخواتم>، يريد شرّاً بالقرية
وأهلها، ناتج من رغبة المختار في تثبيت دعائم سلطته من خلال
بقائه سيّد القرية والمسؤول الأول فيها (بمعنى آخر: الآمر
الناهي)، وإن بسرده الحكايات المتنوّعة عن راجح الخيالي. ذلك
أن سلطة المختار قائمة على تأليف قصص خيالية انجذب أهل القرية
إليها ووقعوا في سحرها. في حين أن الاستغناء عن خدمات رجلي
الشرطة في قرية <بنت الحارس>، أفضت إلى إشعال فتيل جرائم
خفيفة، كي ينتبه أعضاء المجلس البلدي إلى أهمية الحارس وضرورة
الإبقاء عليه، خصوصاً أنهم باتوا عرضة للفضائح الجنسية والخيانات
التي ارتكبوها سرّاً. ومع أن بنت الحارس هي التي لعبت الدور
الخفي ل<مجرم> خيالي (أيضاً)، كي تعيد والدها ورفيقه
إلى عملهما، إلاّ أن فكرة البقاء في <سلطة> ما (هي هنا
شرطة البلدية) ليست إلاّ عملاً سياسياً بامتياز.
قيل إن دخول الأخوين
الرحباني عالم السينما نتج من الصدفة: ذلك أن صديقاً لهما
يُدعى رجا الشوربجي أقنعهما، ذات يوم، بتحويل إحدى مسرحياتهما
إلى فيلم سينمائي، في تلك المرحلة الغنية بالأفلام الغنائية
العربية المختلفة، فسألا كامل التلمساني (الذي عمل مستشاراً
لهما في مجالات فنية متنوّعة) رأيه بالموضوع، بالإضافة إلى
يوسف شاهين، الذي كان موجوداً في بيروت حينها، بعد <خروجه>
من القاهرة إثر نزاعه المرير مع رجال جمال عبد الناصر. هكذا
بدأ عاصي ومنصور تجربة العمل السينمائي: اختارا <بياع الخواتم>،
واتفقا مع المنتج السوري نادر الأتاسي على تمويل الفيلم ومع
يوسف شاهين على إخراجه، وتعاونا مع المجموعة الغنائية والتمثيلية
نفسها، وانطلقا في تجربة أفرزت فيلمين آخرين أخرجهما هنري
بركات، الذي ظلّ على تواصل دائم مع وطنه الأم لبنان. فهل العمل
مع شاهين وبركات مجرّد صدفة بحتة، أم اقتناع بحرفية المهنة
وثقة بنمط العمل الإخراجي؟ ذلك أن الأخوين الرحباني تعاونا
مع مخرجين سينمائيين مصريين من أصل لبناني، بالإضافة إلى كونهما
مسيحيين، وإن عرفا كيف يتجرّدا من انتمائهما الديني البحت،
كي يُبقِيا على البُعد الإنساني في مقاربتهما أحوال الناس
والمجتمع والمسائل الحية في الواقع والتاريخ. لا شكّ في أن
حِرَفية المهنة سببٌ واضحٌ وأساسي في اختيار الأخوين الرحباني
شاهين وبركات لإخراج أفلامهما الثلاثة. ولا شكّ في أن الظروف
التاريخية لعبت دوراً في ذلك أيضاً: فشاهين موجودٌ في بيروت
بعد أن لمع اسمه في السينما العربية بفضل سلسلة أفلام شكّلت،
قبل إخراجه <بياع الخواتم>، منعطفات حقيقية في صناعة
الصورة، لعلّ أبرزها <صراع في الوادي> (1954) و<باب
الحديد> (1958)، في حين أن بركات، الذي قدّم بدوره كلاسيكيات
بديعة، حافظ على علاقة وطيدة بلبنان، وظلّ حاضراً فيه بين
حين وآخر.
إذاً، جاءت التجربة
السينمائية الرحبانية في سياق ظروف ساهمت في بلورة المسار
المسرحي والغنائي والموسيقي، ليكتمل في ثلاثة أفلام أنجزت
في أقلّ من أربعة أعوام. من هذه الظروف: وجود المنتج السوري
نادر الأتاسي، واستعداده للتعاون مع الأخوين الرحباني. انتقال
عدد من السينمائيين المصريين من القاهرة إلى بيروت، بعد عمليات
التأميم التي شملت القطاع الخاص هناك، وبقاء العاصمة اللبنانية
خارج إطار التجاذبات الإقليمية، أي تحوّلها <إلى بنك سينمائي
كبير، غرف منه المنتجون والفنانون العرب>، إذ إنها أضحت
منطلق عدد كبير من الأفلام الروائية القائمة على ما أسماه
محمد سويد <كومبينة>، رأى أنها <جمعت بغرابة منقطعة
النظير الممثل المصري واللبناني والسوري، في لهجة مُركّبة
هجينة، أساسها دمج القصّة الخفيفة بالصنعة المصرية والمنظر
اللبناني السياحي> (من مقالة له منشورة في <السفير>
بتاريخ 28 حزيران 1986).
إنها تجربة لم يكن ممكناً
الاستغناء عنها في مرحلة شهدت رواجاً للفيلم الغنائي العربي،
مع أنها حملت في طياتها، في الوقت نفسه، بذور النهاية المحتومة
لهذا النوع السينمائي. إنها تجربة لا يُمكن القول بنجاحها
الفني والتقني والدرامي والنقدي، على الرغم من تعاون عاصي
ومنصور الرحباني مع مُحترفين سينمائيين (مخرجَين مصريين وبعض
التقنيين الأوروبيين، كالمصوّر أندره دوماج)، بقدر ما ترجمت
رغبة ما للأخوين الرحباني في اختبار المدى الإبداعي للكاميرا
السينمائية، بعد أعوام على خوضهما أنواعاً فنية مختلفة.
لكن، ما الذي بقي من
الأفلام الرحبانية الثلاثة، في مطلع القرن الواحد والعشرين،
وبعد مرور عشرين عاماً على رحيل عاصي الرحباني؟ لا يُمكن الجزم
بأن هذه الأفلام مارست تأثيراً ثقافياً أو فنياً في المسار
التاريخي للسينما اللبنانية أو العربية. لكنها شكّلت محطة
فنية ما للأخوين ومجموعتهما الفنية، واستكملت بعضاً من <هواجسهما>
الإنسانية وهمومهما الموسيقية والغنائية. فعلى المستوى الإنساني،
استمرّا في مقاربة الوجع اليومي للناس القائمين على اختلافاتهم
والمنصهرين في أحلامهم المشتركة، القاضية إما بالتحرّر من
نير الاحتلال، أي السلطنة العثمانية في <سفر برلك>،
أو من سطوة الخيال الداعم لبقاء السلطة بيد صاحبها، سواء بابتكار
شخصية وهمية اسمها راجح (سرعان ما تبيّن أنها حقيقية)، ومعلّقة
في التباس الواقعي بالمتخيّل الشعبي (بياع الخواتم)، أو في
خلق شخصية مجرم وهمي أيضاً، انقضّ على هواجس الجميع وأقلقهم
في يومياتهم (بنت الحارس). وعلى المستوى الغنائي، منحت فيروز
شكلاً ساحراً للنتاج الرحباني، ولعب الآخرون أدوارهم الغنائية
في أغنيات مختصرة ومكثّفة ومشحونة بالنغم اللبناني والنوتة
الفولكلورية.
كيف
تكون كلاسيكياً في موسيقانا
بشير
صغير
الكلام عن عاصي.
يرنّ هاتفي المحمول.
الاتصال من جريدة <السفير>.
الطلب: مقالة عن عاصي
الرحباني وعلاقته بالموسيقى الكلاسيكية. وافقت ولم اعرف لماذا
لم أقوَ على رفض ما عاهدت نفسي، رأفة بها، على رفضه مذ بدأت
محاولاتي المتواضعة في كتابة مواضيع لها علاقة بالموسيقى.
السبب واضح بالنسبة لي، اعترفت به لنفسي ولا أخجل من الاعتراف
به علنا:
أنا أخاف من عاصي الرحباني.
أرتعد لمجرد ذكر اسمه ولا أعرف من اطلق تسمية الأخوين رحباني
على عاصي ومنصور لكي أشكره؛ ألهمّ ان لا يكون عاصي نفسه هو
الذي أراده فيكون قد نصب لي شرك وجوب لفظ اسمه من بين صريف
الاسنان. راودتني فكرة معاودة الاتصال بالجريدة والاعتذار،
ولكنني عدلت وقررت خوض المغامرة على ذمة المتنبي الذي قال:
إذا غامرت في شرف مرومِ
فلا تقنع بما دون النجوم.
أليست المناسبة ذكرى
وفاة عاصي الرحباني؟ أليس يتحول الكبار بعد مماتهم، كما الصغار
في حياتهم، الى نجوم؟ فإلى النجوم... الى عاصي.
في البداية أود الاشارة
والتأكيد، الى ان ما سينسب الى عاصي في مايلي، إنما هو منسوب
بطبيعة الحال الى الأخوين رحباني ويصلح استبدال <عاصي>
ب<الأخوين رحباني> وإعادة نشر هذه المقالة عندما يتم
اللقاء، وهو حتمي رغم اشد تمنياتي ان يتأخر أقسى تأخير، بين
عاصي ومنصور أطال الله عمره.
بالرغم من ان موسيقى
عاصي الرحباني هي موسيقى لبنانية، شرقية كانت أم غربية، فإن
مصادر الوحي فيها في كثير من الأحيان تجد جذورها في أنماط
موسيقية كثيرة، وهذا ليس إلا فيما خصّ الايقاع والتوزيع واستعمال
الآلات الموسيقية، أما اللحن في موسيقى عاصي إنما هو آت من
عاصي. ولد معه ومات معه. ورُب قائل ان دراسة النظريات الموسيقية
وحشو الآذان بساعات من الموسيقى لا يمكنهما ان يخلقا ما ليس
موجودا ويصنعا موهبة خلق الجمل الموسيقية الجميلة والعارية.
النظريات والثقافة تساعد
في تزيين هذه الجملة وتدعيمها بجملة متوافقة او أخرى متقابلة
في سبيل استكمال التعبير عن الأحاسيس عندما يرى المؤلف ان
اللحن العاري وحده قد عجز عن استيعابها.
مما لا شك فيه بأن عاصي
عرف الموسيقى الكلاسيكية وتعمّق فيها وأحبها واستخدمها على
أكثر من مستوى.
يقول زياد الرحباني:
<قال لي عاصي الرحباني بأن أرقى موسيقى هي الكلاسيكية حيث
الايقاع تضعه الاوركسترا بكاملها وليس آلات الايقاع وحدها،
ولكن برأيي، اكتشفت ان أهم سمفونية تصبح رتيبة بعد مرور دقائق
معدودة، وذلك عندما يأتي دور التفصيل والتفرّع وحده من النغمة
الأساسية...> (من كتيب اسطوانة <إلى عاصي>).
يكفي هذا الكلام للتأكد
بأن عاصي كان له المام كبير بالموسيقى الكلاسيكية وذلك يطرح
سؤالا لا أريده ان يكون بريئا في حال بدا للقارئ عكس ذلك:
إن الاهتمام بالموسيقى
الكلاسيكية في لبنان، كان ولا يزال، في معظم الأحيان، حكرا
على المثقفين او المتثقفين البورجوازيين المنتمين الى الغرب
حتى عندما يأتي الحديث عن انتماء آذانهم، فكيف استطاع عاصي
إذا الدخول اليها او ادخالها اليه، هو الذي يعرف الجميع أين
نشأ وكيف؟ يكفي ايضا هذا الدليل للجزم في أمرين: انفتاح عاصي
على أنماط موسيقية مختلفة وشغفه في تغذيه حاجته لتلقي الموسيقى
والتفتيش عنها بشتى الوسائل. كان عاصي يردد عبارة لطالما أهتديت
بها لمصارعة الوجود: <جينا تنعرف>. فكيف إذا كانت الموسيقى
همه الأكبر في مجال المعرفة.
بعد المعرفة والتعمق
اكتملت حلقة علاقة عاصي بالموسيقى الكلاسيكية في الاستقاء
منها او استخدامها. كيف؟
كلاسيكيات
استخدام عاصي لمعرفته
في الموسيقى الكلاسيكية أتى على مستويات أهمها ادراجه بعناد
في موسيقاه آلات موسيقية تستعمل كثيرا في هذا النوع من الموسيقى،
وهنا لا نقصد آلة البيانو او عائلة الوتريات وحسب، فهذا تحصيل
حاصل، إنما آلات النفخ الخشبية او النحاسية كالكلارينت والهوبوا
والباهون والفلوت، والترومبيت والترومبون والتوبا وغيرها...
وكان يكتب لبعضها جملا منفردة ولا يكتفي بأن ترافق الآلات
الأخرى مرافقة بسيطة في عزف النغمة الأساسية او الفواصل. على
كل ذلك أمثلة كثيرة تحتاج الى دراسة شاملة ودقيقة.
من جهة أخرى الالتفافة
التي خصّ بها عاصي الموسيقى الكلاسيكية بشكل مباشر تجلت في
عملين وهما أغنية <يا أنا يا أنا> حيث عمل على استخراج
وإعادة توزيع النغمة الأساسية من الحركة الأولى من السمفونية
رقم 40 للمؤلف النمساوي موزار (17911756) وأغنية <لينا
ويا لينا> حيث استعمل النغمة الأساسية من الحركة الأولى
من كونشرتو الفيولون والأوركسترا للمؤلف الالماني فيليكس مندلسون
(18471809). ان الإضافات التي أتى بها عاصي الى موسيقى موزار
في أغنية <يا أنا يا أنا> لا تجوز مقارنتها بتلك التي
جاءت في <أغنية لينا ويا لينا>، فهذه الأخيرة ليست سوى
إعادة انتاج عادية للنغمة الأساسية من كونشرتو مندلسون وقد
عوّل عليها عاصي فأعاد توزيعها من دون اضافات تذكر مقارنة
بالعمل الأصلي (إذا استثنينا بعض الجمل التي وردت في مذاهب
هذه الأغنية والتي لم تكن موجودة عند مندلسون). أما في <يا
أنا يا أنا>، فتكفي تلك الجملة الموسيقية الساحرة التي
أضافها عاصي في مستهلها (خص بها آلة البيانو) لكي تجعل منها
تكريما لعبقرية موزار ومقدمة تليق بما سيتبعها.
صحيح ان هذه الجملة
هي تكريم لموزار لكنها أتت على الطريقة الباخية (نسبة الى
باخ) من حيث طولها والتواصل النغمي الذي يسير بها بايقاع ثابت
وكل هذه الصفات تتسم بها اجمالا موسيقى باخ.
إن موضوع علاقة عاصي
الرحباني بالموسيقى الكلاسيكية الغربية لا يمكن اعطاءه حقه
بشكل علمي من خلال مقالة <سريعة> في جريدة، فهو من دون
أدنى شك يستأهل عملية بحثية في النتاج الموسيقي الرحباني يصار
خلالها الى تشريح علمي وشروحات مستفيضة تكشف المصادر الموسيقية
التاريخية من حيث الشكل الموسيقي والقواعد المستعملة واستعمال
الآلات وتركيبها في شتى الاحتمالات من العزف المنفرد الى التوزيع
الأوركسترالي وما بينهما.
أما من ناحية أخرى،
وبما اننا لا نشك بوجود علاقة وطيدة بين عاصي والموسيقى الكلاسيكية،
يبادر الى أذهاننا سؤال ذو أهمية تاريخية:
كيف كان يجب على عاصي
الرحباني ان يتعاطى كموسيقي كبير مع الموسيقى الكلاسيكية في
سبيل تطوير الموسيقى في العالم العربي ورفع مستواها على سلم
الرقيّ، إذا اعتبرنا، كما اعتبر هو، بأن أرقى موسيقى هي الكلاسيكية؟
كيف نفعل
هل بتأليف سمفونية مثلا؟
طبعا لا. وهذا كان رأي الناقد الموسيقي الراحل نزار مروّة
الذي تابع الرحابنة منذ بداياتهم وحتى وفاة عاصي عام ,1986
والذي كان على اطلاع عميق وعلمي بالموسيقى الكلاسيكية وكتب
المئات من المقالات في هذا المجال. وقد حصل ان كتب الباحث
السوري مطاع صفدي مقالا نُشر في مجلة <الرسالة> اللبنانية
عام 1957 (وهنا أوجز من دون المس بالمعنى العام في ما ورد
في هذه المقالة وفي النقاشات التي تلتها) تناول فيه ظاهرة
الرحابنة قائلا ان هذه الظاهرة الفريدة قد أدركت العلوم الموسيقية
في التوافق (HARMONIE) والتقابل (CONTREPOINT) والترجيع (التي
قصد بها ترجمة عبارة FUGUE، ولكني لا أوافق على هذه الترجمة
اذ ان هذه الأخيرة هي شكل من اشكال تطوير الترجيع وأعقدها
ويفرض تطبيق عواقد ثابتة وصارمة شرحها باخ وانهى احتمالاتها
في آخر عمل موسيقي كتبه قبل وفاته عام 1750 بعنوان <فن
الفوغ>).
بعد ذلك، ناقش الباحث
السوري صميم الشريف في مقالة بعنوان <حول الظاهرة الرحبانية>
في مجلة <الثقافة الوطنية> ما ورد في مقالة الصفدي قائلا
انه ليس صحيحا ان الرحابنة استخدموا هذه العلوم كما نعرفها
في الموسيقى الكلاسيكية الغربية، السمفونية او غير السمفونية.
وافق مروّة في رد كتبه على أثر مقالة الصفدي ونقاشات الشريف
التي تلتها على ما كتبه هذا الأخير (مجلة الثقافة الوطنية،
عدد أيار 1957) ولكنه اعتبر خارجا عن الموضوع في طريقة البحث
في هذه القضية الحيوية في حين قال ان الصفدي كان أكثر خروجا
عن الموضوع مستغربا حق التكلم عن هذه العلوم الواردة آنفا
في انتاج أي موسيقي عربي معاصر معتبرا اننا ما زلنا في اول
درجات سلم التطور الغنائي ولذلك، يتابع مروّة، يبدو نشازا
مطالبة الفنان العربي المعاصر بكتابة عمل سمفوني، بل يبدو
مستحيلا في الوقت الحاضر، وهذا ليس من باب المحافظة على التراث
الشرقي او مشكلة ربع المقام. بل هي مشكلة الفنان في كل زمان
ومكان، مشكلة التعبير، واعتبر مروّة ان تطوير الموسيقى العربية
يبدأ أولا بانتاج أعمال أوبرالية تكون مواضيعها من المجتمع
العربي، ففي المسرحية الغنائية يضطر الملحن الى ان يعطي كل
جملة اللحن المناسب المعبر عن الحالة النفسية التي تشرحها
الكلمات، وتغيّر الجو على صعيد الموضوع يضطر الملحن الى تغيير
عناصر الجو الموسيقي ليتناسب معه، سواء من ناحية الايقاع او
النغم نفسه او التوافق، هذا بالإضافة الى وجوب وجود موسيقى
تصويرية لمرافقة مشهد معيّن وهكذا يضطر الملحن الى البحث في
مشكلات الغنى الموسيقي الحقيقية في التلحين واستعمال الفنون
والعلوم الموسيقية المعقدة وفي تطوير الآلات الموسيقية وخلق
عازفيها الجديرين.
إذاً اختار عاصي الطريق
الصحيح، إذا استندنا الى ما قاله نزار مروّة وسلّمنا به، في
توجهه لتطوير الموسيقى العربية واستعمال فنون التوزيع الموسيقي
المعقدة. والدليل على ذلك انتاجه الضخم في مجال المسرح الغنائي
الذي يشبه الى حد بعيد العمل الأوبرالي في الموسيقى الكلاسيكية
من حيث وجود عدة عناصر مشتركة بينهما كالمقدمة الموسيقية والحوارات
غير الملحنة، والموسيقى التصويرية والغناء الكورالي والأداء
المنفرد والفواصل الموسيقية (الفارق الوحيد هو غياب الأداء
الصوتي الأوبرالي في المسرحية الغنائية الرحبانية، وهي تقنية
خاصة لاصدار الصوت البشري تتّبعها فيروز في أغنية تك تك تك
يا ام سليمان، على سبيل المثال، في بعض الأحيان وليس طوال
الأغنية).
وقد استعمل عاصي التوافق
والتقابل في كثير من الأحيان، استعمال أغنى النغمة الأساسية
وسمح له بالتعبير عن الأحاسيس الكبيرة التي لا يمكن ان تحتويها
هذه النغمة من دون تغذيتها بأبعاد صوتية متقابلة لها او متوافقة
معها. هذه النقاشات تلتها ثلاثون سنة من الانتاج الفني، جعلت
الاختلاف حول استعمال الرحابنة لتقانيات التقابل والتوافق
او عدمه من الماضي. أما بالنسبة لعلم الترجيع، وإذا سلمنا
جدلا ان المعني به هو علم الفوغ (FUGUE)، فلم يستعمله عاصي
اطلاقا كما أورد ذلك الصفدي عام 1957 ولا حتى خلال سنوات اللاحقة.
أما إذا حاولنا إعادة ترجمة كلمة ترجيع الى مصدرها الغربي
فربما العبارة الأقرب الى الواقع والمنطق هي CANON وهي كتابة
بوليفونية تقوم على دخول تدريجي لأصوات (اثنين على الأقل)
تشكل الجملة الموسيقية نفسها ولكن بتفاوت طفيف فيما بينها،
شرط ان يتم المحافظة على هذا التفاوت وثباته منذ البداية وحتى
النهاية، وإذا لم يتم تطويره بحسب قواعد الفوغ الصارمة يبقى
اسمه كنون، والتوزيع الأقرب الى الكنون او الترجيع ورد في
ختام أغنية المحبة دون امكانية اعتبار ذلك ترجيعا حقيقيا إذا
طبقنا قواعد هذا العلم بشكل دقيق على ما كتب عاصي.
وفي الختام، يبقى أهم
من الخوض في دهاليز هذا النتاج الضخم الذي تركه لنا عاصي (تركه
لنا، وليس تركه) ان نسمع هذه الموسيقى وننشرها وان نفرد لها
المساحة الأكبر في فضاءاتنا الصوتية وان نطلق العنان لأحاسيسنا
وقلوبنا قبل عقولنا وتحليلاتنا ونستمتع ونفرح فقط، أقله في
مرحلة أولى.
عاصي أفنى حياته في
سبيل الموسيقى، في سبيل آذاننا، وحتى قراره في الزواج أراده
في جزء كبير لهذا الغرض وكذلك قراره في انجاب ولده البكر في
تلك الليلة المقدسة أوائل شهر آذار من العام .1955
اطمأن عاصي الى الموسيقى
في عيدها، ورحل في اليوم الثاني، منذ عشرين عاما، في الثاني
والعشرين من شهر الحصاد. توقفت عقارب ساعتي. حاول احداها لسع
يدي لمنعها عن متابعة الكتابة.
المقالة انتهت.
الكلام، الى الأبد،
لعاصي.
التربية
العاطفية
عباس
بيضون
كثر هم الذين يبدأون
نهارهم بأغنية لفيروز. يفضلون ان يصحوا على موسيقاها. ليس
هذا مجرد حب لغنائها. فيروز في هذا ليست كسواها من المغنيات
ليست صوتا فقط وأغنية. الأرجح ان من يبدأون نهارهم مع صوت
فيروز يريدون لنهارهم ان يبدأ مباركاً. ذلك شيء كالصلاة. إنهم
يسمعون كنوع من رياضة روحية. يعطون انفسهم مساحة من التأمل
والاستبطان يتفرغون هكذا من مشاعر الغضب والاستياء والعدائية.
يستدعون الى حياتهم عالم الجبال الحرة وأمداء الطبيعة. يدخلون
اليها تياراً من الحلم، يمونون قلوبهم ونفوسهم بذكريات حقيقية
وغير حقيقية وبحنين الى معلوم والى مجهول. يستدعون شعراً وموسيقى
الى يومياتهم ويشففون دواخلهم ويتذوقون روائح الثمرة الحلوة
لقلوبهم، يمتلئون ماءً ونسيماً وشفافية ويقتربون من روائج
الجنة. بكلمة يبتدئ الناس بفيروز لا كمغنية اي مغنية فحسب.
بل كوسيطة، كدليل جمالي وروحي وكإعلاء للحياة والنفس ومعنى
أول وأولي لوجودنا واستشفاف لحقائقنا. هذه البداية مع الصباح
تشبه ان تكون صلاة ودنيا لكنها ليست أيهما، ما تغنيه فيروز
ليس رسالة الى الله، ليست استحضاراً لقوة من خارج العالم،
ما تغنيه موجود في انفسنا وفي العالم وعلينا ان نبحث عنه فيهما.
بل الاغنية تستدعيه من داخلنا ومما حولنا. انه الشعر الذي
يدخل على الحياة العادية او هو الحياة العادية التي تتحول
شعرا. الحلم داخل يوميات العالم وتفاصيله. الجمال في اللحظات
العابرة ايضا. الحقائق والكنوز المهملة في دواخلنا، درس الحب
البسيط وكنز الذكريات والطعم المر والإلهي مع ذلك لقلوبنا
المكسورة وأحلامنا المقصوفة. تغني فيروز باستمرار ما هو حق
الحلم وحق الحب وحق الحرية وحق الكرامة. ما تغنيه هو الثمن
المؤلم لكن ليس اليائس لها. الكائنات الفيروزية الرحبانية
هي ايضا كائنات يومية. بل هي بنت الحلم اليومي اذا جاز القول.
سحرها، اذا كان لها سحر، هو في تحويل التفاصيل اليومية من
لحظات وأشياء الى ذخائر. هنا بالتأكيد سطوه الاغنية الفيروزية.
إنها اغنية أحياء يقطنون عالما كثيراً، كثير الطبيعة، كثير
الاماكن وكثير الناس، ليسوا وحيدين ولا يكتفون بتصعيد الآهة
الجارحة لوحشتهم ووحدتهم، هم موجودون في الحقل كما يمكن ان
يوجدوا في الشارع. موجودون في عالم مليء بالذكريات والذخائر
والأشياء والناس والعمل وليسوا مجرد رغبتهم المكسورة المجوفة
المتصاعدة كجرح متكرر كما هي الحال في أغان عربية اخرى. العالم
الذي تقدمه الاغنية الرحبانية الاولى هو بالدرجة الاولى عيد،
انه احتفال، لقاءات وسهرات ومواعيد، ما يترك دائما لدى غروبه
اكثر من رغبة عقيم. يترك ذخائر وهدايا وذكريات هي التي تعيد
من جديد ملء العالم، ربما كان هنا فارق فعلي، الشعر الذي تغنيه
فيروز ليس مجرد توتولوجيا عاطفية. ليس هذا التكرار الذي يلوب
حول طلب واحد. ليس هذه المشاعر الادمانية التي يتجلى فيها
الآخر مرضا وجنونا وكرها للذات كما في غناء عربي عريق. في
الشعر الرحباني والغناء الرحباني هناك دائما او غالبا هذه
الرقصة الكامنة. هذا الانتظار الخصب. هذا الاختيار المبارك
والحكيم للعالم. هذا العيد وذلك الفتى، لا أشك ان مستمعي الاغنية
الرحبانية الأوائل كانوا لا يشكون ان هذه الاغنية ممكنة. انها
قابلة للتداول في الحياة اليومية. انها درس وربما تعويذة للمحبين.
انها علاج فعلي للاكتئاب والاحباط والخيبة وربما الكره والعدائية.
كان المثقفون العرب واللبنانيون الشغوفون بالأغنية الرحبانية
يجدون فيها، لنقل موسيقى حياتهم الخاصة، بل يجدون فيها تقريبا،
الايقاع الفعلي لأيامهم بما فيها من جرح انفصال وخزان من الاشواق
والرغبات. ربما يسعنا لهذا ان نفهم لماذا تحولت الاغنية الرحبانية
الى إنجيل للمثقفين العرب. ولماذا كانت بالنسبة لهم اكثر من
أغنية. أكانوا يستقبلون الشمس بها ويتخذون منها ذخيرة ليومهم
كله، انها هكذا تمرين روحي نفسي. قوة دافعة، مباركة، تعويذة
شافية، انها هنا حجر حظ وأمل. اذا قارناها (اي الاغنية الرحبانية)
فإن هذه لأواخر الليل. للحظة الخلاء والسكون والوقت المتطاول
والسهر والشرب والمنادمة والعشرة والصحبة. ليست اغنية أم كلثوم
اغنية يتزود بها المرء وحيداً قبل ان يخرج من فراشه ويذهب
الى عمله، انها اثقل وأكثف من ذلك وتحتاج بالطبع الى وقت بل
تحتاج الى فراغ وصحبة. مع سماع أم كلثوم طقس ليلي. يحتاج الى
وقت ليصل التصعيد الى ذروته، انه حلقة ذكر ينفذ فيها الكلام
الى الجسد والمخ شيئا فشيئا. يتحرك فيها الكلام واللحن ببطء
حتى يغدو في النهاية دورة للجسد والنفس. يحتاج السماع الكلثومي
الى هذا الليل المديد والخلاء والى الحلقة. يمكننا القول ان
السهرة الكلثومية هي نوع من الانهاك العاطفي، لا شك ان في
الصوت العمقي والتأوهات نضجاً عاطفياً وجسدياً والغناء مثول
لهذه التجربة المنهكة التي ابلت الجسد والروح. الجسد مع التشديد.
مع التصعيد يتوحد المغني والسامع مع هذا الألم العضال، في
الغناء تبديد للنفس وتسييل لها حتى الغناء. الغناء هو غاية
الاغنية. يغني المغني في ألمه وشوقه بغنى المستمعين في الذكر
والصوت، يغني الجميع في الذكر الواحد، يغنون في الوقت المتطاول.
الأغنية الرحبانية غير
ذلك. يلتقي الجمع في الرقص لا في الذكر. اللقاء ليس تبديدا
للنفس. انه غالبا انعاش لها. تزويد لها بذكرى خاصة. فالأغلب
ان خصوصية الاشخاص ذاكرتهم الخاصة تنتعش بالغناء الرحباني.
الارجح ان شيئا من الفرح بالنفس. بشفافيتها وبترقرقها وبتوقها
يحصل لدى السماع. لنقل ان لحظة التوحد والغناء لا تأتي. العيد
هو الذي يأتي غالبا، العيد والرقصة معا في الغالب. انها لحظة
باخوسية اذا استعرنا من نيتشه. الوحدة في الغناء الرحباني
تقال كما <ما في حدا> مثلا في مناداة عميقة وفي ايجاب
تام وفي دعوة صاعدة، تقال ايضا من ذاكرة ملأى بالمصابيح والعناوين
والمواعيد التي تنتظر الغريب. ليست التوتولوجيا العاطفية مدار
الاغنية الرحبانية. الاغلب ان هذه الاغنية هي نوع من التدريب
العاطفي. من تمرين النفس على الحب، من تعداد ذخائره وهداياه
ومواقفه ولحظاته ومصاعبه وإشكالاته. انها تحرير للنفس باتجاهه.
بل هي في النهاية تعليم الشفافية والرقة والجمال اللغوي. نعم
فالاغنية الرحبانية قبل كل شيء درس في اللغة الحساسة، اللغة
التي تدخل الشعر على اليومي وعلى العادي وتحيل الكلام كله
الى موسيقى. الاغنية الرحبانية، اذا توسعنا، نوع من الاتيكيت
العاطفي. نوع من الحياة باحساس. واذا شئنا ان نستعير من فلوبير
لقلنا ان الاغنية الرحبانية نوع من <التربية العاطفية>.
يمكن القول ان الاغنية
الرحبانية نتاج لبناني. لو قارناها بأدب سعيد عقل وميشال طراد
وأمين نخله وحتى جبران خليل جبران او قارناها بفن عمر الأنسي
وأمين الباشا ورفيق شرف لفهمنا ماذا نعني بأنها لبنانية. ليست
الخفة والتنميق والتقطير اللغوي واللعبة الايحائية والحرية
البلاغية وحدها نقاط التقاطع بل اكثر من ذلك، هناك ايضا درس
الحساسية وشعر الحياة اليومية، هناك ايضا تلك البراءة الملعوبة
والتعليم الرقيق، تعليم الحياة وتعليم الحقيقة، هناك ايضا
الخلفية الطبيعية وبقايا الريف، اذ ان الاغنية الرحبانية كما
الشعر اللبناني يومذاك تستمد من ريف فولكلوري، ريف تحول لغة
قبل ان يختفي. لبنانية هي الاغنية الرحبانية لكنها حملت هذا
الانفجار اللبناني الذي منذ جبران لا يتوقف عن تأسيس ديانات
خاصة وإعطاء دروس في الحياة وإنتاج فلسفات شخصية في كل يوم
وتعليم اتيكيت للحياة وللحب. هذا الدرس اللبناني كان اساس
حساسية خاصة ما لبثت ان تعممت وشاعت في ثقافتنا العربية كلها،
لم يصغ هذا الدرس بجمال فحسب ولكنه اوحى بأن تعليم الجمال
ممكن، وكذلك تحويل الجمال الى شأن يومي، لقد جمع ما بين البساطة
والأناقة الى حد بدا معه ان الرقة يمكن ان تغدو عادة وان الشعر
يمكن ان يسكن التفاصيل، بل بدا ان في المستطاع إنتاج الحساسية
والفن بوفرة وبسهولة آلية. لقد اغوى الدرس اللبناني لأنه لمّح
في كل لحظة الى امكانية حياة موازية، ولأنه اوحى بأن في المستطاع
انتاج <سحر> يومي، لم يمنع المصطلح الريفي واللبناني
جداً من الاحساس بهذا، فالمصطلح الريفي نفسه كان متحولا ومسحورا
بحيث فقد تقريباً قرويته وغدا مجرد لغة لبراءة مهجورة، لا
بد ان الحياة اللبنانية بدت مغوية من خلال الاغنية الرحبانية
ولا بد ان الريف الظاهر فيها يشبه اي ريف. انه نوع من اكزوتيكا
من حياة اخرى.
بدت اغنية الرحابنة
وكأنها انعكاس للحياة اللبنانية، الارجح ان هذه الموسيقى حملت
الى العالم العربي <السحر> اللبناني. فقليل هي الاعمال
التي نجد فيها مدرسة لبنانية، وأعمال الرحابنة من هذا القليل
بل من خواص هذا القليل. في اغنية الرحابنة بعض خلاصات هذه
المدرسة. هناك هذا الزمن الافتراضي الذي ليس ريفا ولا مدينة
ولا خرافة ولا تاريخا ولا واقعا ولا خيالا. انه زمن من كل
شيء بدون ان يكون شيئا معينا. هذا ما يمكن ان نسميه قفزا على
الزمن والارجح ان المدرسة اللبنانية هي غالبا هذا القفز على
الزمن. لعل عمل الرحابنة المسرحي تجلى ذلك فالأوبريتات الرحبانية،
او هكذا يسمونها، قفز على المسرح والارجح ان الشعر والرواية
تقريباً هما ايضا ذلك القفز على الشعر او على الرواية وان
بتفاوت، يمكننا الكلام عن خلل زمني في اعمال كهذه بيد انها
جميعها تبدو تحفا بسبب هذا الخلل، يمكن القول ايضا ان قوة
التركيب في الاعمال اللبنانية، وأحيانا فوضاه من نتائج هذا
<الطرد> الزمني فالتركيب هو دائما على حد السيف والتوازنات
تقوم على هذا الخلو الزمني او تتكسر بسببه. إن الموزاييك اللبناني
او الفن الموزايكي الذي يقف قبالته. التركيب يعلو على العناصر
المشتتة وكأنه يتم خارجها. لربما كان هنا <سحر> العمل.
انه دمج شتات لا يندمج. دمج افتراضي يقوم بما يشبه المعجزة.
قد تكون المعجزة في الظرف والمرحلة اكثر منها في العمل نفسه.
ففي احيان تبدو المحاكاة الفنية قادرة بسهولة على ان تكون
مطابقة، انها ازمنة تملك المعاني التي تمنحها للأعمال، تملك
إرادة جمع وإرادة وحدة. ثمة ازمنة توضح الاعمال التي تقابلها.
تجعلها تنفرط لدى اول احتكاك. هذه تقريبا دراما الفنون اللبنانية.
إنها الافراط في الشكل بدون تشكيل فعلي.
20 سنة مضت على وفاة
عاصي. لم نشهد الكثير بعده، لا أتكلم هنا عن تراجع او تقدم
لكن عشرين سنة لم تكن منعطفا كبيرا ولا وجهة. من المناسب القول
إن الرد الأكبر جاء من ابنه. لكن في زمن لا يسهل ردوداً متكاملة
ويخشى على الردود الناقصة من ان تشكل روافد ثانوية. تزيد احيانا
من مناعة الاصل او لا تزحزحه كثيراً عن موضعه. عشرون سنة مضت
على غياب عاصي لكن عاصي لم يبدأ الغياب من يومها. الأرجح ان
الحرب كانت غياباً كبيراً بحد ذاته. لقد رسمت حدوداً زمنية
وغير زمنية. من ذلك الحين غدا الفن في حال من صدام دائم بزمنه
والنتيجة كانت في غالب الاحيان تعثرات وسقطات. طارت كفترة
الأسطورة الرحبانية. وبدت فجأة بلا موضوع. لكن للزمن دوراته.
وها نحن نسمع زياد وفيروز الثانية وترجع معهما الى الرحابنة
الاول وفيروز الاولى. ليست الراديكالية نفسها سوى مزاج. وحروب
الفن قد تغدو بلا موضوع كالحروب الأخرى. ربما يزداد تقديرنا
لعاصي لكن من الظلم له ان يكون هذا بسبب صعوبة زمننا وصعوبة
الابتكار فيه. لا نمالئ زياد اذا قلنا اننا بتذكيره بالنقص
نقصد فقط ان ينجز اكثر، لا نمالئ فيروز الثانية اذا قلنا لها
انها مع عاصي وزياد كسبت ثورتين، هذا الملف هو فقط لنحب انفسنا
ونحب بلدنا عبر كبير كعاصي قد لا نكون جديرين بتكريمه.
ثنائيات
مغفلة ووطن آخر
فكتور
سحاب
كَتَب كُثُر في عاصي
الرحباني. وشاع كثيرا على الأخص أمران في هذه الكتابة: الثنائية
التي لا تفصل بين عاصي ومنصور، وفكرة الوطن الرحباني، أي الوطن
مثلما نشده الرحبانيان وتمنياه في قريتهما النموذجية، التي
احتلت المكان في جل <اسكتشاتهما> الإذاعية ومسرحياتهما
الغنائية.
لكن معظم ما كُتب في
عاصي ومنصور ابتعد عن حديث الموسيقى، وسلك درب الحديث في العلاقة
بين الأخوين الفنانين، أو الحديث في شعرهما والمعاني الوطنية
فيه.
والحقيقة أن للثنائية
والوطن مكانا رحبا في الحديث عن عاصي الرحباني، لكنهما في
هذا المقال ثنائية موسيقية ووطن موسيقي.
ففي شخصية عاصي الرحباني
الموسيقية ثنائيتان موسيقيتان في حقيقة الأمر، لا واحدة: ثنائية
الريف والمدينة، وثنائية الشرق والغرب.
الريف والمدينة
لقد نشأ عاصي الرحباني
في بيت أبيه حنا، الذي كان في الأصل من أبناء عين السنديانة،
القرية المتنية. وفي مرحلة من مراحل حياته، عاش حنا الرحباني
سنوات لا نعرف عددها في بيروت، فتعرف إلى <قباضاياتها>،
أي فتوّات الأحياء الشعبية، كما يسميهم المصريون. وكان من
أهم من تعرف إليهم أحمد الجاك، هاوي الموسيقى العربية ومنظم
حفلات أم كلثوم في بيروت في ما بعد، ومحيي الدين بعيون، عازف
البزق والموسيقي والمغني البيروتي الشهير الذي كان مدنيا في
فنه، يعرف موسيقى المدن العربية، من عبده الحمولي وسلامة حجازي
وغيرهما، أكثر مما يعرف فنون أرياف بلاد الشام من ميجانا وعتابا
وأبو الزلف ورقص الدبكة. فلما هرب حنا الرحباني من السلطة
العثمانية كما قيل، استقر في أنطلياس، حيث أنشأ مقهى، يتناهى
ممن وصفوا سلوك حنا الرحباني فيه، أن الطابع المدني كان غالبا
فيه، لا الطابع الريفي. وكان حنا الرحباني يعزف على البزق
مثل صديقه بعيون. وكان الفونوغراف الذي اقتناه فرصة ليسمع
أولاده أغنيات الشيخ أبي العلا محمد والشيخ أمين حسنين والسيد
درويش ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم. لكن أنطلياس نفسها كانت
في مرتبة بين المدينة والريف. ولذا لم يكن هذا الجو المدني
الذي نشأ فيه الأخوان عاصي ومنصور، خالصا تماما. إذ يروي منصور
في كتاب <الأخوان رحباني> لنبيل أبو مراد (دار أمجاد
للنشر والتوزيع، 1990)، أن جدتهما لوالدتهما كانت تقول الزجل
وتتغنى لهما وهما طفلان بالقرّادي. وكانت من بلدة عينطورة
المتنية.
واستمد الأخَوان بعضا
من التراث الريفي أيضا من قرية المنيبيع، التي سكنت فيها العائلة
بضع سنوات. لكن هذه المعرفة بالتراث الريفي، لم تكن مما روى
غليل عاصي على ما يبدو. فقد روى لي الفنان المطرب الصديق مروان
محفوظ، أنه سافر مرة مع فرقة فيروز والرحابنة في رحلة فنية
إلى المغرب. وجلس في الطائرة بجوار مطربنا الكبير وديع الصافي.
وفي أثناء الرحلة، وقف عاصي خلفهما مستندا بالكوعين إلى كرسييهما،
وأخذ يحادثهما في شؤون فنية. قال لوديع إنه يريد استعادة <موسم
العز> المغناة التي شهدتها قلعة بعلبك في سنة .1960 وكان
في هذا الطلب ما فيه من حنين إلى أجواء الغناء الريفي الذي
زخرت به مغناة <موسم العز> أكثر من غيرها. كذلك طلب
عاصي من مروان، وهو من بلدة المريجات في البقاع، وقد نشأ مثل
وديع الصافي على الغناء الريفي، أن ينزل في الفندق في المغرب،
في غرفة واحدة مع ابنه زياد، الذي كان آنذاك لا يزال فتى يافعا.
ولما سأله مروان عن السبب قال عاصي: أريده أن يدخل في جو الميجانا
والعتابا والغناء الريفي.
كانت هذه الثنائية المدنية
الريفية في وجدان عاصي ومنصور الرحباني عنصر قوة في استعدادهما
للمهمة التاريخية، التي اضطلع بها فريق العمل الموسيقي المبدع
الذي تولى من سنة 1950 إلى سنة 1975 ما أسميه: تمدين موسيقى
أرياف بلاد الشام، وهي مهمة شبيهة في بعض جوانبها، بما فعله
موسيقيو المدرسة الكلاسيكية القومية في أوروبا في أواسط القرن
التاسع عشر، حين انصرفوا كلٌّ إلى ينابيع موسيقاه الفولكلورية
(الريفية والكنسية) ليستمدوا كلاسيكية جديدة، غير مؤسسة تماما
على كلاسيكية الأوبرا الإيطالية، ولا على الكلاسيكية السمفونية
الجرمانية (الألمانية النمساوية). وكان من هؤلاء فرانتس ليست
المجري وفردريك شوبان البولندي وغريغ النروجي وغلينكا الروسي.
وقد ضم الفريق اللبناني في هذه المهمة ريفيين (زكي ناصيف ووديع
الصافي وصباح) ومدنيين (الأخوان الرحباني وفلمون وهبي وتوفيق
الباشا). وتميز منهم زكي ناصيف بأنه مدني وريفي في الوقت نفسه،
لأن وجدانه الموسيقي تكوّن في التربتين معا (سلامة حجازي والفراقيات
الريفية ودبكة الدلعونا). أما الأخوان الرحباني فقد رجحت في
تربيتهما ووجدانهما الفني الصفة المدنية على الريفية. ومع
ذلك بلغا في مسار تمدين موسيقى الأرياف ذروة ستبقى للتاريخ،
هي <سهرة الحب> التي غناها وديع وفيروز، سنة .1973 أما
الدبكة فلم يبلغا فيها ما بلغه زكي ناصيف في روائعه: يا بلادنا
مهما نسينا وليلتنا من ليالي العمر وسهرنا سهرنا وما نمنا
وطلوا احبابنا. ومع ان دبكات الرحابنة انتشرت في آنها، إلا
أن التاريخ لن يضع دبكة: عالعالي الدار وغيرها، في مرتبة مساوية
لدبكات ناصيف.
الشرق والغرب
الثنائية الثانية في
فن عاصي الرحباني الموسيقي، بعد ثنائية المدينة والريف، هي
ثنائية الشرق والغرب التي ارّقته وأرّقت معه منصور سنوات،
ولعلها لا تزال تؤرق كثيرا من الموسيقيين العرب إلى اليوم.
لا شك في أن عاصي الرحباني
في أعماق وجدانه كان عربي المزاج نشأة وجذورا. كان يقصد بيت
شقيقته إلهام الرحباني، زوجة الوزير السابق الصديق الياس حنا،
وكان جارنا في عين الرمانة بين 1966 و.1975 كان عاصي في آخر
السهرات في بيت شقيقته، حين يستبد به الطرب، يمسك بالبزق الذي
تعلم العزف عليه بالوراثة، ليعزف ويغني: هو صحيح الهوى غلاب،
مثلا، وهي من أعمق الغناء العربي وجدانا وطربا. كان هذا في
اعتقادي حقيقة ما في وجدانه، على الرغم من أن تلك المرحلة
السياسية حفلت بأكثر من تصريح منشور عن نوع من الجفاء مع الفن
العربي، بلغ ذروته حين وُصف فن محمد عبد الوهاب وأم كلثوم
بأنه: <غزو مصري واستعمار عربي>، في حديث متلفز في أوائل
الحرب اللبنانية، اشترك فيه منصور الرحباني والاب يوسف الخوري،
وكان آنئذ مديرا للمعهد الموسيقي الوطني، وسعيد عقل.
وكانت لهذه الثنائية
في داخلة عاصي الرحباني جذور تربوية من سن مبكرة. فأستاذه
الموسيقي الأول كان بلا شك الأب بولس الأشقر، الذي دوّن الكثير
من التراث الموسيقي السرياني، بمقاماته التي أثبت دكتور نداء
أبو مراد في ندوة علمية عن تراث الإنشاد الديني السرياني في
دمشق أنها مقامات زلزل العربية. لكن هذا الرافد الأساسي في
تكوين وجدان عاصي وعلمه، اجتمع في ما بعد برافد آخر هو الرافد
الغربي، مع تتلمذه في أكاديمية ألكسي بطرس للفنون الجميلة
<ألبا>، على الفرنسي برتران روبيار، الذي علم الأخوين
هناك، وعلّم زكي ناصيف وتوفيق الباشا في الجامعة الأميركية،
علوم الموسيقى الأوروبية.
ومع ان النشوء في تراث
عربي أصيل، والاطلاع على تراث غربي، لم يكن فريدا في ذلك العهد،
إلا أن من سبق الاخوين الرحباني إلى هذا المسار التربوي المركب،
مثل محمد عبد الوهاب أو محمد القصبجي، أخذ هذه الثنائية على
غير ما أخذها عاصي. فلقد تميز فن محمد عبد الوهاب ومحمد القصبجي
مثلا بأن العناصر الغربية التي اطلعا عليها في فن الأوبرا
والسمفونية الأوروبية، اندمجت في وجدانهما الموسيقي اندماج
التركيب والإضافة، فلا تحس مثلا في أغنية عبد الوهاب: على
بالي يا ناسيني، أي تنافر بين إيقاع السامبا الراقص فيها وبين
موال: وابات سهران العربي الخالص، أو بين التوزيع الأوركسترالي
المدهش في أوبريت قيس وليلى (سنة 1939) وبين الغناء العربي
الأصيل في المغناة الخالدة. وقل كذلك في استفادة القصبجي من
فن الهرمونيا الذي استخدمه في لحنه لأم كلثوم: منيت شبابي،
سنة .1936 أما عاصي، فتجاورت في خزانته الموسيقية جذور الرافدين
العربي والغربي، من دون أن تلتقيا حقا. فكان إذا لحّن من وحي
غربي، فهو يلحن كأنه نسي الوحي العربي، وهكذا. لم يلتق الرافدان
في لاوعيه الموسيقي. وقد يخالف هذا القول مخالف ويأتي بحجج
صحيحة من هذه الأغنية أو تلك. وأقول إن ثمة حججا صحيحة تناقض
قولي، ولكن مناقضة جزئية، لأن الفاصل بين نمطي التأثر ليس
حدودا قاطعة ولا صريحة، وإنما يرجح في هذا الأمر سلوك على
آخر وإن التقيا في بعض المساحة.
الوطن الموسيقي
كانت أنطلياس في مرحلة
من العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، أي مرحلة نشوء
الأخوين عاصي ومنصور، مركزا لازدهار العقيدتين الشيوعية والقومية
السورية. ولم يكن الأخوان الرحباني بعيدين كثيرا عن هذا الجو،
لا سيما أن لبنان الكيان كان لم يزل طري العود، لم يمض على
اقتسام المشرق العربي ورسم حدوده وقت. وحين قصد الأخوان بيروت
في الأربعينيات والخمسينيات المبكرة، صادفا جوا لا يختلف كثيرا
عن الجو الذي نشآ فيه. إذ كان فريق إذاعة الشرق الأدنى النازح
من فلسطين بعد النكبة، وعلى رأسه صبري الشريف وحليم الرومي
وكامل قسطندي وعبد المجيد أبو لبن وصبحي أبو لغد وغانم الدجاني
ومصطفى أبو غربية، شديد التأثر بالقضية الفلسطينية، مثلما
كان الحزب القومي السوري شديد الاهتمام بها. ولم يكن لا زكي
ناصيف ولا توفيق الباشا غريبين عن هذا التيار السياسي. وكان
طبيعيا ان يضع الأخوان الرحباني موهبتهما الفتية مع الآخرين
في خدمة القضية، في عدد كبير من الأغنيات الخالدة، وعلى رأسها
مغناة: راجعون (1955)، والقدس العتيقة وزهرة المدائن وغيرها.
وكان هذا الإعراب عن العاطفة القومية صادقا وعلى مستوى فني
عال.
لكن الانقلاب الفاشل
الذي قاده ضباط من الحزب القومي السوري في 30 كانون الأول
,1961 كان على ما يبدو زلزالا وجدانيا وسياسيا غيّر الحال
في البلاد وفي حسابات الفنانين على السواء. ففيما اتجهت الدولة
في لبنان وجهة تحديث أجهزتها ومؤسساتها في العهد الشهابي الأول،
أخذت تبحث عن قوائم تنصب عليها فكرة الدولة المستقلة المنفصلة
عن الفكرة القومية، أكانت قومية سورية أم عربية. ولقيت في
النزوع إلى الفكرة الفينيقية والحرف اللاتيني ونبذ العناصر
العربية في الفكر والفن والأدب شيئا مما تنشده. أما البديل
فكان يحار بين اتجاهين. فإما الابتعاد عن العروبة إلى الداخل،
أي الفولكلور واللهجة الفنية الشديدة الصبغة المحلية، أو الابتعاد
نحو الغرب والتغرب. وقد اتسم سلوك كل المتحمسين لهذه الوجهة
السياسية بواحد من هذين الاتجاهين الثقافيين أو بكليهما معا.
ووجدت الدولة في الأخوين
الرحباني ضالتها الموسيقية، أشاء الأخوان أم لم يشاءا. لم
يكن بإمكانهما بالطبع أن يرفضا تشجيع الدولة، لا سيما أن الاهتمام
<بالفولكلور> ليس في حقيقته سوى اهتمام بالغناء الريفي
في بلاد الشام. وهو يناسب ميلهما الوطني وثقافتهما الفنية
وتراثهما المتنامي منذ أن أخذا يسلكان السلوك المسمى <فولكلوريا>
في مهرجانات بعلبك سنة .1957 غير أن الابتعاد عن الجو القومي
والاقتراب أكثر من الفكرة الفينيقية، رافقتهما نزعة تغريبية
وسمت كثيرا من فن الأخوين في الستينيات، منذئذ. فاختفى العود
والقانون والناي في كثير من أعمالهما، وكذلك المقامات العربية
الصرفة والإيقاعات التي كانا يكثران استخدامها بزخم وجمال
في الخمسينيات. وبعد الشآم التي غنيا لها عشرات الأغنيات،
ومنها كثير من شعر سعيد عقل، دخل قاموس وطنهما الرحباني <الباب
العالي> مصدر الشر، الذي يرمز في حقيقته إلى <الاتساع>
الذي أشار إليه سعيد عقل في قصيدة لبنان، حين قال:
<ما جنةُ اللهِ إلا
حيثما هنئت عيناك كل اتساع بعد بهتان>.
في الوطن الرحباني نشأت
ثنائية إذاً لا تقل أثرا في فنهما عن الثنائيات التي سلف ذكرها.
لم يهجر عاصي ومنصور تماما الوطن الأول إلى الثاني. ففي <بترا>
(1977) رموز سياسية واضحة، في الصراع بين روما (الغرب) ومملكة
الأنباط العربية. لكن الدولة اللبنانية في ذلك الزمن وظبت
على وضع الوطنين، الواحد في تناقض مع الثاني. وفي إحدى المراحل
صدرت أوامر لمنع الأغنيات المصرية من الإذاعة الرسمية، ثم
ألغي القرار، بعد حملة شديدة في الصحف. إلا أن الفكرة ظلت
تحظى بعطف الدولة على نحو مخفف بعض الشيء، وكانت الأجهزة الرسمية
تختبئ وراء الحجة <الوطنية> التي باتت نقيضا للحجة <العربية>.
هل انساق عاصي في هذا
المسار؟ إن القطع في هذا الشأن يرقى إلى محاكمة الضمائر. لكن
المضمون السياسي والموسيقي في كثير من النتاج الرحباني بعد
الستينيات لا ينفي هذه الازدواجية في الوطن، وهي على كل حال
ازدواجية لا تزال تؤرق كل اللبنانيين.
وهل يطمح الفنان إلى
مديح أفضل من القول إنه واكب هموم شعبه وعبّر عنها؟ لقد كان
في نفس عاصي الرحباني كل التناقض الذي في نفوس اللبنانيين
اليوم.
دولة الموسيقى
هالة نهرا
في البدء كان عاصي.
أتقن اللّعب على آلة البزق، أحبّ الوتر وتملّك الحاضر فيه،
إنْ من خلال المقدّمات والافتتاحيات الموسيقية (Prelude -
Ouverture)، أو عبر فضاء المشهدية الدرامية والصورية.
أدرك منذ البداية نقاط
ارتكاز التمرحل لشمولية مشروعه الفني، أي قواعد الموسيقى الأكاديمية
التطبيقية وقوانين الأوركسترالية في القيادة.
تمرّس في تحليل الصَّوْت
الآلي، ثاقباً هرمية الأناليز السمعية، ليعي ماهية التفلّت
من دوغمائية القيود المكبِّلة في العضوية الموسيقية Organologie،
وتوظيف أسس المادة الغربية المكتسبة بعد استيراد المصدَّر
بل تحويرها لصالح الهوية الموسيقية الوطنية في شقَّيْها الشعبي
العام والعالِم.
ضاقت العبارة بنا إذا
شئنا قراءة تاريخ عاصي الرحباني الفني. قد تماهى التاريخ الموسيقي،
غير المؤرَّخ في دقّة، وتاريخه هو في نسيج الكتابة الموسيقية
المعاصرة.
إذْ لم تتوافر لزمان
الموسيقى المادي معايير التأليف في لبنان قبل حلول التقويم
الجديد علامةً فارقة في تسلسل المنطق الموسيقي وفقاً لحركة
<الأخوين رحباني>.
جاء عاصي، أوّلاً، لتطوير
لغة التواتر في الموسيقى اللبنانية الصرفة والفلكلور.
دوَّن الشق الشفوي في
سبيل بلوغ مرتبة الكلمة المعدّلة وصوغ التغيير التدريجي الارتقائي
في بعض العُرَب الرتيبة والجمل الميلودية التقليدية التي كادت
تسحق عند النضوج ماضي الخام الموسيقي. فألبسته الكلمة بهذا
عمامة الحداثة الراهنة حين مرّ عاصي الرحباني ديمومةً على
حرفة أدب المعنّى المقولَب (<تبقى بلدنا بالحمام مسيَّجِه>
(نغمة بياتي) و<عبوابِكم< (مقام راست)، على سبيل المثال).
كما ارتدى وزن الشروقي
القديم، <دقوا المهابيج> (هُزام)، سماء بعلبك وأرصفة
المدينة، ليُستعاد جسر الموشَّح <دار الدوري عالداير>.
أمّا الموّال (يا ليل...)،
فقد تموضع حلقةً دائرية طيّعة في صلب سياق الأغنية أحياناً،
لا المطلع، لتكثيف عناصر التوأمة بين فعل الطرب المقتضب في
حبكة التطريب، وبين انطباعية التعبير الغنائي في اختصار نموذج
<يلبقلِكْ شكّ الإلماس>.
ولا بدّ من القول إنّ
الروزانا، يا غزيّل، يا حنيّنة، والعتابا (قبل الشروع في الدلعونا)،
إلخ...
عبارة عن وميض فني هادف
قبيل عتمة ذاكرة الحضارة الشعبية، بل هي إنارة ثقافية موسيقية
امتدّت ليس فقط ضمن حدود جغرافيا الوطن، وإنّما في سائر أرجاء
المشرق العربي الذي أعاد إليه عاصي بعضاً من قمره السليب.
رحل عاصي
رحل عاصي، فارتعشت شبه
الموسيقى اللبنانية. صارت الدولة دويْلات، ولم نرجع يوماً
إلى حيّنا.
بانَ سرّ عاصي الأوحد
المفرد في نُظُم التأليف والتوزيع الموسيقيين. كأنما تفاعل
الدماغ الأيمن وكيمياء الجهة اليسرى، لينجم عن تضاد المعاني
فيه بُعد الفنّ اللبناني لأجل الفنّ.
لقد حدّث عاصي بخارطة
المعرفة النسبية. مما خوّله خوض معترك الموسيقى العربية من
خلال رصّ بنيان منطق التناغم التآلفي الأوروبي الهارموني العمودي،
وأفق الكونترابوينت الاستقرائي، وال Fugue - في صميم الجدول
الموسيقي الحسابي الجديد.
انتقل من الخاص إلى
العام، فالخاص. لم يلبِّ حاجات التكتيك وفق مقتضيات الصناعة
الفنية الغربية، بل انحنى لنزقه الفصامي عبر طرائق تعاقب الفواصل
الموسيقية.
استمالته القراءة الفاغنرية
النقدية (نسبةً إلى Wagner)، منطبعةً إسهاماً بارزاً في تثبيت
عهد الوتد البدائي لخشبة المسرح الغنائي اللبناني، أم أنّ
تموّجات التخاطر قد سادت سلوكية مشرَّعة بين القطبين الموسيقيين
غير المتكافئيْن فاغنر وعاصي.
كبرَ عاصي على ضفة الطرب
الحديث. سافر بعيداً في الأنواع والأشكال، ليؤسّس مفهوماً
حداثوياً في خصائص أغنية الطرب الجديدة بعيداً من تبعات الحصر
الكلاسيكي وتأثير النبض المصري المضيء.
لذا، فإنّ عاصي الرحباني،
مطوِّر خلية الموسيقى اللبنانية، قد تناسى تفاصيل العرب المعلّقة
على حبل المؤتمر، باسطاً عدوى التجديد الموسيقي العربي المتحوِّل
على تراتل وضعية التجربة في محور ثلاثة أرباع الصَّوْت.
أقام عاصي دليله الوجودي
المثبَت. نوَّطه. وضع آلية الحركات الموسيقية الميكانيكية
في عصب التوثيق الغنائي، فكانت دينامية النظام الأسلوبي العربي
المقترنة بعِلم الأصوات في رائعة <رجعت ليالي زمان>.
هنا، لا بد للتاريخ
الفني المعاصر من بلورة الصورة. فعلينا اليوم أنْ نشهد على
الشراكة المطلقة بين عاصي ومنصور عندما سرى توقيع <الأخوين
رحباني>. لم يبارك مدرسة الرحابنة إلا حضور فيروز. مضى
صوتها والمذهب في حال سبيل الموسيقى الطليعية، لتهمس الرنين
بين مسافة النوطات في أغنية <يارا>.
رحلَ عاصي وما غاب.
حفر لنفق التجديد في تاريخ الموسيقى اللبنانية والعربية أمكنة
بل مكانة. شكّل المرحلة الموسيقية الحوض متوسطية الآيلة إلى
التغيير النوعي. خاط الأسلوب الفني التطويري الخاص رغم المرض،
مخلّفاً وراءه ظاهرة فيروز أنّى كانت وما لا يمكن له أن يتكرّر،
واصلاً الأرض بمناخ الموسيقى دونما الإفلات.
عليك السلام عاصي...
حين تطلّ من جديد في مهرجانات بعلبك، لتستوعب قلعة الحجارة
والآثار أعمدة موسيقية نادرة قد شيّدتها البارحة، فنسترجع
مسرحية <صحّ النوم> (للأخوين رحباني) ونستعيد الذاكرة
فيك، بإشراف زياد الرحباني، أو لتمرَّ خلسةً في دم الجيل الجديد،
في نداء فيروز، وفي أزقة الوطن الضائع.
عن ملف: جريدة السفير